بَعيدًا عَنْ خِياراتِ مَواقِفِ الصِّراعِ المُتَضادَّة، وَمِنْ خِلالِ مَنْظورٍ إِنْسانِيٍّ بَحْت، يُناقِشُ كَثيرٌ مِنَ المُفَكِّرينَ والمُهْتَمّين، مَدى إِمْكانِيَّةِ أَنْ يُحافِظَ الإِنْسانُ على أَخْلاقِهِ الحَضارِيَّة، في ظِلِّ اعْتِمادِهِ المُتَنامي على ذَكائِهِ الِاصْطِناعِيِّ المُمَيْكَن.
إِنَّ إِنْسانَ العَصْرِ يَعي جَيِّدًا أَنَّهُ هُوَ المَسْؤولُ عَنْ مُخْرَجاتِ عَقْلِهِ الآلِيّ، وَخِياراتِهِ الْحاسوبِيَّةِ لِأَنْظِمَتِهِ القِيادِيَّة... فَلَقَدِ اسْتَطاعَتِ الرّوحُ العِلْمِيَّةُ الحَديثَة، بِثَوْرِيَّتِها، أَنْ تَنْفُضَ عَنِ العَقْلِ البَشَرِيِّ الوَهْمَ والفَهْمَ الخاطِئَ لِظَواهِرِ الطَّبيعَةِ وَعَلاقَتِها بِالظّاهِرَةِ الإِنْسانِيَّة، خُصوصًا فيما يَتَعَلَّقُ بِالقِيَم؛ فَلَيْسَ العالَمُ هُوَ الذي يَمْنَحُنا قِيَمَه، كَما كانَ يُعْتَقَدُ في العُصورِ الغابِرَة؛ بَلْ نَحْنُ البَشَرُ المُتَفاعِلونَ مَعَ الْحَياة، نَخْلُقُ قِيَمَنا، وَنَتَعَلَّمُ مَعاييرَنا المُحَفِّزَةَ التي نَخْتَرِعُها، وَنُثَمِّنُ وِفْقَها نَجاحَنا مِنْ عَدَمِه... فَهَل يُمْكِنُ لَنا اليَوْم، أَنْ نَعْتَبِرَ نَجاحًا، ما نَخْسَرُهُ مِنْ حُرِّيَّةٍ أَمامَ مُبْتَكَراتِنا الذَّكِيَّة؟!.
الدول المتغوّلة تقنيًا في حِلّ من مسؤولياتها الأخلاقية لأجل ضمان تفوُّقها العسكري الذكي
إِنَّ الآلَة، كَمادَّةٍ صَمّاءَ في أَصْلِها، بَريئَةٌ مِنْ نَتائِجِ خِياراتِها وَقَراراتِها الْحِسابِيَّة (سَلْبًا أَوْ إيجابًا، بِالمَعاني الإِنْسانِيَّةِ المُخْتَلِفَة). فالمادَّة، وَقُواها الطَّبيعِيَّة، هِيَ في الْواقِعِ بِمَنْأًى عَمّا يَنْشُدُهُ الإِنْسانُ وَيَصْنَعُهُ مَسارًا لِمَصيرِه، مَدْفوعًا بِمَصالِحِه، وَمُخَيَّرًا بِقِيَمِهِ وَمَعاييرِه.
إِنَّ "الفَجْوَةَ الرَّقْمِيَّة"، في مِيزانِ القُوى بَيْنَ البُلْدانِ المُتَطَوِّرَةِ تِكْنولوجِيًّا والأُخْرى الأَقَلَّ تَطَوُّرًا، تَشي بِالقَلَقِ والِاغْتِرابِ الِاجْتِماعِيِّ في المُجْتَمَعاتِ المُتَأَخِّرَة... ما يَدْفَعُ هَذِهِ البُلْدان - بِأَيِّ ثَمَنٍ كان - لِضَرورَةِ اللَّحاقِ بِما تَسْتَحِقُّهُ مِنَ المَكانَةِ المُتَقَدِّمَة، وازْدِهارِ الحَياةِ الآمِنَة، والِاعْتِزازِ بِثَقافَتِها وَخُصوصِيَّتِها القَوْمِيَّة... وَبِالأَخَصِّ أَنَّ سِباقَ السَّيْطَرَةِ المَعْلوماتِيَّةِ بَيْنَ الدُّوَلِ المُتَغَوِّلَةِ تِقْنِيًّا، يُظْهِرُها في حِلٍّ مِنْ مَسْؤولِيّاتِها الأَخْلاقِيَّةِ لِأَجْلِ ضَمانِ تَفَوُّقِها العَسْكَرِيِّ الذَّكِيّ... فَتُطْلِقُ القُوى الحَرْبِيَّةُ المُتَصارِعَةُ أَعِنَّتَها لِتَدْميرِ ما يُمْكِنُ تَدْميرُهُ مِنْ مُقَدَّراتِ أَعْدائِها، أَوْ مُنافِسيها، أَوْ حَتّى مَنْ يَتوقونَ لِلمُنافَسَةِ بِشَكْلٍ أَوْ بِآخَر... وَلا يُبالي أولو القُوَّةِ الذَّكِيَّةِ المُتَوَحِّشَةِ بِالقِطاعاتِ العَريضَةِ مِنَ البَشَرِ الأَبْرِياء، فَتُدَمَّرُ البُنى التَّحْتِيَّة، وَتُخرَّبُ مَحَطّاتُ الطّاقَة، وَمَصادِرُ الحَياة، وَيُغْتالُ العُلَماء، والشَّخْصِيّاتُ القِيادِيَّةُ الْفاعِلَةُ في مُجْتَمَعاتِها! وَلا اعْتِبارَ لِلقِيَمِ أَوِ الأَخْلاقِ أَوِ الضَّميرِ الإِنْسانِيِّ مِنْ قَريبٍ أَوْ بَعيدٍ...
هَل أَلْغَتِ الفَجْوَةُ الرَّقْمِيَّةُ العَسْكَرِيَّةُ المَسْؤولِيَّةَ الأَخْلاقِيَّة؟ هَلِ انْفَصَلَ الإِنْسانُ عَمّا يَرْبِطُهُ بِذاتِه، حَقيقَةِ وُجودِهِ وَماهِيَّتِه، فَتَحَلَّلَ مِنْ مَسْؤولِيَّتِهِ تُجاهَ نَفْسِه، وَتُجاهَ بَني جِنْسِه؟!
الطغيان الخوارزمي الأميركي الإسرائيلي فرض حربًا غير تقليدية لتعزيز الفجوة الرقمية العسكرية
قَبْلَ نَحْوِ خَمْسَةِ عُقود، كانَ الفَيْلَسوفُ الفَرَنْسِيُّ جان بول سارْتر، يَقولُ بِـ"الفَجْوَةِ الوُجودِيَّة"! بَيْنَ الإِنْسانِ وَماهِيَّتِهِ أَوْ قَرارِه. فالإِنْسانُ كامِلُ الحُرِّيَّة، يَسْبِقُ وُجودُهُ ماهِيَّتَه، فَهُوَ في حالَةِ انْفِصالٍ دائِمٍ عَنْ ذاتِهِ الْجاهِزَة، وَمَسْؤولٌ عَنْ خَلْقِ قَراراتِهِ بِاسْتِمْرار، فَيَنْشَأُ قَلَقُهُ واغْتِرابُه... وَقَبْلَ سارْتر بِقُرونٍ عِدَّة، قالَ الفَيْلَسوفُ المُسْلِمُ صَدْرُ الدّينِ الشّيرازِيّ (1572-1640) بِما يُشْبِهُ قَوْلَ سارْتر... بِأَنَّ الوُجودَ الإِنْسانِيَّ يَسْبِقُ الْماهِيَّةَ في التَّحَقُّق... والإِنْسانُ كَوُجود، يَتَشَكَّلُ عَبْرَ الحَرَكَةِ الجَوْهَرِيَّة (التَّغَيُّرِ المُسْتَمِرّ)، والوُجودُ الإِنْسانِيُّ في هَذَا السِّياق، هُوَ "قَرارٌ" مُسْتَمِرٌّ، حَيْثُ يُحَدِّدُ الإِنْسانُ مَرْتَبَتَهُ الوُجودِيَّةَ بِأَفْعالِه، فَتَتَغَيَّرُ ماهِيَّتُهُ بِتَغَيُّرِ وُجودِه... وَمِنْ ثَمَّ، وُجودُ الإِنْسانِ لَدَيْه، كَما هُوَ لَدى عَدَدٍ مِنْ فَلاسِفَةِ الشَّرْقِ والغَرْب، لَيْسَ مُجَرَّدَ ماهِيَّةٍ عَقْلِيَّة، بَل هُوَ "حُضورٌ" يُؤَسِّسُ لِمَسْؤولِيَّةِ الإِنْسانِ في تَحْقيقِ ذاتِه، والحِفاظِ على نَوْعِه، وَصَوْنِ حُرِّيَّتِهِ مِنَ الِاسْتِلابِ والسُّقوط...
إِنَّهُ لَمِنْ دَواعي الأَسَفِ والخُذْلان، في هَذا الزَّمان، أَنْ يَدْفَعَ الذَّكاءُ الِاصْطِناعِيُّ الإِنْسانَ لِلتَّنازُلِ عَنْ حُرِّيَّتِه، فَيَسيرُ الْكائِنُ البَشَرِيُّ في طَريقٍ مُؤَدّاهُ فُقْدانُ الْحُرِّيَّةِ قَبْلَ فُقْدانِ الْحَياة!... وَلَئِنْ يَنْتَصِرُ الإِنْسانُ على مَخاوِفِهِ عَبْرَ "فَجْوَتِهِ الوُجودِيَّةِ" الذَّاتِيَّة، فَيَحْمي وُجودَهُ بِماهِيَّتِهِ المُلْتَزِمَةِ بِقَراراتِهِا المَسْؤولَة، نَراهُ اليَوْمَ يَنْهَزِمُ أَمامَ مَخاوِفِهِ عَبْرَ "فَجْوَتِهِ الرَّقْمِيَّةِ" المُجْتَمَعِيَّة، فَيُسْلِمُ قَراراتِهِ لِآلاتٍ حِسابِيَّةٍ بِلا ماهِيَّة، وَلا مَسْؤولِيَّةٍ أَخْلاقِيَّة...
وَلنَتَأَمَّل قَليلًا الطُّغْيانَ الخَوارِزْمِيّ، خاصَّةً الأَميرْكِيَّ - الإِسْرائيلِيّ! فَقَدْ فَرَضَ حَرْبًا غَيْرَ تَقْليدِيَّةٍ لِتَعْزيزِ الفَجْوَةِ الرَّقْمِيَّةِ العَسْكَرِيَّةِ في ساحاتِنا الشَّرْقِيَّةِ والعَرَبِيَّة، بِغَرَضِ إِحْرازِ الرَّدْعِ عَبْرَ السَّيْطَرَة، والتَّدْميرِ الذَّكِيّ (الِانْتِقائِيّ)، والتَّجْريبِ الحَرْبِيِّ لِمُخْتَلَفِ أَنْواعِ الأَسْلِحَةِ الذَّكِيَّة، وَرُبَّما لِأَيِّ حَرْبٍ كُبْرى مُحْتَمَلَة!... تَجارِب لا مَسْؤُولَة، تَسْعى لِتَحْويلِ الحَرْبِ الدَّمَوِيَّةِ البَشَرِيَّة، المُتَوَحِّشَة، لِأَنْ تَكونَ "أَكْثَرَ بُرودَةً وَتَجْريدًا"، في مِنْطَقَتِنا المُثْقَلَةِ بِالنّارِ، والمَوْتِ، والخَراب...
الحرب الآلية قرارها خوارزمي مُصَنّع لا شأن له بالضمير الإنساني
الحَقيقَةُ أَنَّ مُناقَشَةَ البُعْدِ الأَخْلاقِيِّ في عَصْرِ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ في مَجالِ الحَرْبِ هِيَ مُناقَشَةٌ لِنِهايَةِ الحَرْبِ الإِنْسانِيَّة، وَظُهورِ الحَرْبِ الآلِيَّةِ المُفْرِطَة، بِشَتّى مَظاهِرِ وَجْهِها القَبيح... فَقَرارُها خَوارِزْمِيّ، مُصَنَّع، لا شَأْنَ لَهُ بِالوَعْيِ أَوِ الضَّميرِ الإِنْسانِيِّ البَتَّة!... فَهُوَ يَأْتي في صورَةِ حَسْمٍ مُحَوْسَبٍ مُباغِت، لا يَسْمَحُ بِوَقْتٍ مِنْ دونِ وَقْتِهِ "الحَقيقِيِّ" المُبَرْمَجِ لِتَنْفيذِه... وَهُنا تَنْتَفي - بِالضَّرورَة - المَسْؤُولِيَّةُ الأَخْلاقِيَّة، وَتُصْبِحُ القِيَمُ والأَخْلاقُ في عِدادِ حِساباتِ الآلَةِ الذَّكِيَّة.
هَل مَعْنى هَذا أَنَّ إيقافَ الحَرْبِ يُصْبِحُ تِقْنِيًّا، مُسْتَحيلًا؟ فَإِذا كانَ الرَّدْعُ في حِسابِ الحَرْبِ النَّوَوِيَّةِ يَكونُ عَبْرَ "الخَوْف"، وَتَوازُنِ الرُّعْب، فَهُوَ الآنَ يَتَمَثَّلُ عَبْرَ "السَّبْق"، وَلا تَوازُنِ الضَّميرِ المَفْقود، وَعَمَلِيّاتِ القَتْلِ الحِسابِيِّ الدائِم - انْتِقاءاتِ الآلَةِ في الإِلْغاء، والْمَحْوِ لِأَجْلِ السَّيْطَرَةِ والهَيْمَنَة، حَيْثُ إِنَّ قَرارَ السِّلاحِ الذَّكِيِّ يَنْبُعُ مِنَ التَّنَبُّؤ، والِاحْتِمال، والنَّمْذَجَة...
وَنَتَساءَلُ أَخيرًا، هَل يُمْكِنُ إيجادُ أَوِ اسْتِعادَةُ الضَّميرِ الإِنْسانِيّ، نِتاجِ التَّعَلُّمِ والتَّرْبِيَةِ الأَخْلاقِيَّةِ لِلحَضاراتِ الإِنْسانِيَّةِ المُتَعاقِبَة، مُنْذُ آلافِ السِّنين؟ أَيْنَ تَبَخَّرَ هَذَا الضَّمير؟! وَهَل يُمْكِنُ بَرْمَجَتُهُ آلِيًّا، بِالصّورَةِ المُثْلى، الْعادِلَة؟!.
(خاص "عروبة 22")

