وجهات نظر

السُّلوكُ الرِّئاسِـيُّ الأميرْكِيُّ في مُواجَهَةِ أَزْمَتَيِّ "الخَليجِ" وَ"المَضيق"!

تُثيرُ الإِدارَةُ الأَميرْكِيَّةُ لِلحَرْبِ على إيران، التي أُطْلِقَ عَلَيْها "الغَضَبُ المَلحَمِيّ" (Epic Fury)، الكَثيرَ مِنَ الجَدَلِ نَظَرًا لِما يَشوبُ تِلْكَ الإِدارَةَ مِنِ ارْتِباك، وَهُوَ ما يَعْكِسُهُ بِشَكْلٍ مُباشِرٍ السُّلوكُ الرِّئاسِيُّ "الترامْبِيّ" المُضْطَرِب، تَحْديدًا، لِلحَرْب، ما دَفَعَ المُحَلِّلينَ إلى إِخْضاعِهِ لِلدِّراسَةِ والمُقارَنَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِدارَةِ الإِسْرائيلِيَّةِ لِلحَرْبِ التي أَطْلَقَتْ عَلَيْها اسْمًا مُغايِرًا هُوَ "زَئيرُ الأَسَد" مِنْ جِهَة، كَذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّلوكِ الرِّئاسِيِّ الأَميرْكِيِّ التّاريخِيِّ حِيالَ الأَزْماتِ والحُروبِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرى.

السُّلوكُ الرِّئاسِـيُّ الأميرْكِيُّ في مُواجَهَةِ أَزْمَتَيِّ

بِالنِّسْبَةِ إلى المُقارَنَةِ بَيْنَ الإِدارَةِ الأَميرْكِيَّةِ والإِدارَةِ الإِسْرائيلِيَّةِ لِلحَرْبِ على إيران؛ فَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الحَرْبَ هِيَ حَرْبٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الدَّوْلَتَيْنِ إِلّا أَنَّ المُحَلِّلينَ يُمَيِّزونَ بَيْنَ غُموضِ الهَدَفِ الأَميرْكِيِّ وَوُضوحِ الهَدَفِ الإِسْرائيلِيِّ مِنَ الحَرْب. هَذَا الغُموضُ أَرْجَعَتْهُ دَوْرِيَّةُ "الإيكونوميسْت" إلى: "افْتِقادِ الحَرْب - أَميرْكِيًّا - لِلِاسْتْراتيجِيَّةِ الْواضِحَة". إِذْ إِنَّ الحَرْب، حَسَبَ "الإيكونوميسْت"، في التَّحْليلِ الِاسْتْراتيجِيّ، لَيْسَتْ مُجَرَّدَ اسْتِخْدامٍ لِلقُوَّةِ بِالمُطْلَق، بَل أَداةٌ لِتَحْقيقِ غاياتٍ سِياسِيَّةٍ واضِحَة، بَيْدَ أَنَّ الغاياتِ الأَميرْكِيَّةَ الِاسْتْراتيجِيَّةَ الواضِحَةَ والمُحَدَّدَةَ غابَت، إِذْ تَراوَحَتْ وَتَبَدَّلَتْ بِشَكْلٍ مُخيفٍ وَمُقْلِق. في المُقابِل، فَإِنَّ إِسْرائيلَ هَدَفُها واضِحٌ مِنْ هَذِهِ الحَرْبِ في أَنَّها تُريدُ تَغْييرَ الشَّرْقِ الأَوْسَطِ بِما يُحَقِّقُ انْفِرادَها بِقِيادَةِ الإِقْليم.

متى تحكّمت الذهنية "الصفقاتية" في مسائل استراتيجية فإنّ المحصّلة هي ما نشهده من تذبذُب بين التصعيد والتهدئة

أَمّا بِالنِّسْبَةِ إلى السُّلوكِ الرِّئاسِيِّ الأَميرْكِيِّ التّاريخِيِّ حِيالَ الحُروبِ والأَزْمات؛ فَقَدْ فَتَحَ السُّلوكُ الرِّئاسِيُّ الترامْبِيّ "المُنْدَفِعُ" (Impulsive)، حَسَبَ تَوْصيفِ "الإيكونوميسْت"، البابَ لِفَهْمِ طَبيعَةِ هَذا السُّلوكِ وَتَداعِياتِه. في هَذا المَقام، تُشيرُ رَئيسَةُ تَحْريرِ دَوْرِيَّةِ اليَسارِ الجَديدِ سوزان واتْكينْز، في دِراسَةٍ مُهِمَّةٍ نُشِرَتْ في العَدَدِ الأَخيرِ مِنَ الدَّوْرِيَّة (العَدَدُ 157) عُنْوانُها: ترامب خَارِجَ الحُدودِ - Trump Abroad؛ حَوْلَ التّْرامْبِيَّةِ في النِّظامِ العالَمِيِّ الجَديد؛ إلى أَنَّ "الترامْبِيَّةَ لا تَنْطَلِقُ مِنْ عَقيدَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ مُتَماسِكَةٍ بِقَدْرِ ما تَعْتَمِدُ على الصَّفْقَةِ بِوَصْفِها مَنْطِقًا حاكِمًا. الحَرْبُ هُنا لَيْسَتِ امْتِدادًا لِلسِّياسَةِ بِوَسائِلَ أُخْرى (وِفْقَ التَّصَوُّرِ الكْلاسيكِيّ)، بَل أَداةُ ضَغْطٍ تَفاوُضِيٍّ تُسْتَخْدَمُ لِإِعادَةِ تَرْتيبِ مَوازينِ القُوَّةِ بِشَكْلٍ سَريع. مِنْ هَذا المَنْظور، تُصْبِحُ التَّهْديداتُ / الضَّرَباتُ العَسْكَرِيَّة، والتَّصْعيدُ اللَّفْظِيُّ عَناصِرَ ضِمْنَ عَرْضٍ تَفاوُضِيٍّ أَكْثَرَ مِنْها خُطُواتٍ ضِمْنَ اسْتْراتيجِيَّةٍ طَويلَةِ الأَمَد".

وَلا شَكَّ أَنَّهُ مَتى تَحَكَّمَتِ الذِّهْنِيَّةُ "الصَّفَقاتِيَّةُ" في هَكَذا مَسائِلَ كُبْرى اسْتْراتيجِيَّة، فَإِنَّ المُحَصِّلَةَ هِيَ ما نَشْهَدُهُ يَوْمِيًّا مُنْذُ انْطِلاقِ الحَرْبِ مِنْ تَذَبْذُبٍ بَيْنَ التَّصْعيدِ المُفاجِئِ والتَّهْدِئَة، والتَّهْديدِ المُفْرِطِ وَمِنْ ثَمَّ اسْتِمْرارِيَّةُ الحَرْبِ وَإِعْلانُ النَّصْر. وَقَدْ أَصابَ هَذَا التَّذَبْذُبُ الكَثيرين، مُؤَسَّساتِ الدَّوْلَةِ العَميقَةِ الأَميرْكِيَّةِ والحُلَفاءَ والإِعْلامَ والمُحَلِّلين؛ بِالهَلَعِ مِنَ الِانْزِلاقِ الحَتْمِيِّ نَحْوَ الفَوْضى الْواسِعَةِ إِقْليمِيًّا وَدَوْلِيًّا على السَّواء.

في هَذا السِّياق، انْطَلَقَتِ التَّساؤُلات: كَيْفَ تُؤَثِّرُ شَخْصِيَّةُ الرَّئيسِ على قَراراتِه؟ وَما دَوْرُ الخِبْرَةِ السِّيَاسِيَّةِ السّابِقَة، وَمُسْتَوى المُخَاطَرَةِ المَقْبولِ لَدى الرَّئيس، في صِياغَةِ السِّياسَةِ الخارِجِيَّة؟ وَكَيْفَ تَتَداخَلُ المَصالِحُ الوَطَنِيَّةُ مَعَ الِانْطِباعَاتِ النَّفْسِيَّةِ لِلشَّخْصِيَّةِ الرِّئاسِيَّة؟ وَما دَرَجَةُ الوَعْيِ بِطَبيعَةِ السِّياقاتِ الوَطَنِيَّةِ والدَّوْلِيَّةِ وَمُراعاةِ مَوازينِ القُوَّةِ في كُلِّ سِياق؟ وَكَيْفَ تُصْنَعُ القَراراتُ في أَوْقاتِ الأَزْمات؟ وَهَل تُصْنَعُ بِفَرْدِيَّةٍ أَمْ بِشَكْلٍ مُؤَسَّسِيّ؟.

أدّت الانفعالية والاستعراضية الترامبية إلى انزلاقات اقتصادية وسياسية وعسكرية إقليمية ودولية

مِنْ جُمْلَةِ الْخِبْراتِ التّاريخِيَّةِ لِلرِّئاساتِ الأَميرْكِيَّةِ في إِدارَةِ الأَزَماتِ والحُروب، أَتَصَوَّرُ أَنَّ أَزْمَةَ ما يُعْرَفُ في الأَدَبِيَّاتِ بِـ"خَليجِ الخَنازِيرِ" أَوْ أَزْمَةَ الصَّواريخِ الكوبِيَّة - 1961، هِيَ الأَزْمَةُ الأَقْرَبُ لِأَزْمَةِ الحَرْبِ الترامْبِيَّةِ الرّاهِنَةِ التي تَتَعَلَّقُ بِكَيْفِيَّةِ التَّعاطِي مَعَ مَضيقِ هُرْمُز، "العُقْدَةِ" الجِيوسِياسِيَّةِ التّاريخِيَّةِ الكُبْرى. فَـ"الخَليجُ" و"المَضيقُ" يُمَثِّلانِ أَهَمِّيَّةً قُصْوى لِلأَمْنِ القَوْمِيِّ الأَميرْكِيِّ كَوْنَهُما نُقْطَتَيْ اخْتِناقٍ جِيوسِيَاسِيَّة، حَيْثُ تَمَسُّ الأولى أَمْنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّةِ مُباشَرَةً نَظَرًا لِأَنَّ "خَليجَ الخَنازيرِ" يَقَعُ على السّاحِلِ الجَنوبِيِّ لِكوبا، على بُعْدِ 145 كيلومِتْرًا مِنْ وِلايَةِ فْلوريدا، كَما تُؤَثِّرُ الثّانِيَةُ على المَصالِحِ الِاقْتِصادِيَّةِ لَيْسَ فَقَطْ لِلوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّة، وَلَكِنْ لِلعالَمِ حَيْثُ خُمْسُ النَّفْطِ المُنْتَجِ عالَمِيًّا يَمُرُّ مِنْ خِلالِهِ وَثُلُثُ الغازِ الطَّبيعِيِّ المُسال...

تَعْكِسُ القِراءَةُ المُقارَنَةُ لِلسُّلوكِ الرِّئاسِيِّ الأَميرْكِيِّ لِكُلٍّ مِنَ الأَزْمَتَيْنِ فَرْقًا نَوْعِيًّا كَبيرًا جِدًّا بَيْنَ تَعامُلِ الرَّئيسِ الخامِسِ والثَّلاثينَ لِلوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّةِ جون ف. كينيدي وَبَيْنَ الرَّئيسِ السّابِعِ والأَرْبَعينَ تْرامْب مَعَ الأَزْمَتَيْن. فَقَدْ مَثَّلَتْ أَزْمَةُ خَليجِ الخَنازِيرِ/الصَّواريخِ الكوبِيَّةِ الرّوسِيَّة، امْتِحانًا تاريخِيًّا في فَتْرَةِ الرِّئاسَةِ القَصيرَةِ لِكينيدي 1961 ــ 1963. إذ إنَّ خُطَّةَ إِسْقاطِ نِظامِ كاسْتْرو قابَلَها نَشْرُ صَواريخَ نَوَوِيَّةٍ رّوسِيَّة. في المُقابِل، دَفَعَتِ الحَرْبُ التَّدْميرِيَّةُ على إيرانَ إلى قِيامِها بِغَلْقِ مَضيقِ هُرْمُزَ العُقْدَةِ الجُغْرافِيَّةِ التي تَتَحَكَّمُ في خُطوطِ الِاتِّصالِ بَيْنَ الشَّرْقِ والغَرْب، وَبَيْنَ آسْيا وَأوروبا. بَيْدَ أَنَّ القِراءَةَ المُقارَنَةَ بَيْنَ الرَّئيسَيْنِ تَعْكِسُ كَيْفَ أَنَّ كينيدي اعْتَمَدَ تَبَنِّيَ خِياراتٍ مُتَدَرِّجَةٍ وَتَحْليلٍ دَقيقٍ مَبْنِيٍّ على التَّشاوُرِ مَعَ الخُبَراءِ والِالتِزامِ بِالمُؤَسَّسِيَّةِ وَبِالأَخيرِ المُرونَةَ في اتِّخاذِ القَرارِ المُلائِم، ما أَوْقَفَ الِانْزِلاقَ نَحْوَ حَرْبٍ نَّوَوِيَّةٍ بَيْنَ الِاتِّحادِ السّوفياتِيّ، آنَذاك، والوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّة. بَيْنَما أَدَّتِ الِانْفِعالِيَّةُ والِاسْتِعْراضِيَّةُ الإِعْلامِيَّةُ الترامْبِيَّةُ المُكْتَفِيَةُ بِدائِرَةٍ مَحْدودَةٍ مِنَ المُسْتَشارِينَ المُوالينَ بَعيدًا عَنْ مُؤَسَّساتِ الدَّوْلَةِ العَميقَةِ الأَميرْكِيَّةِ إلى حُدوثِ انْزِلاقاتٍ - بِالفِعْل - اقْتِصادِيَّة، وَسِياسِيَّة، وَعَسْكَرِيَّةٍ إِقْليمِيَّةٍ وَدَوْلِيَّة...

يبعد السلوك الترامبي بالكلّية عن تقاليد السلوك الرئاسي التاريخي

تُؤَكِّدُ هَذِهِ القِراءَةُ المُقارَنَة، السَّريعَة، أَنَّ السُّلوكَ الرِّئاسِيَّ النّاجِعَ يَتَطَلَّبُ دَمْجَ العَوامِلِ الشَّخْصِيَّةِ والمُؤَسَّساتِيَّةِ والسِّياقِيَّة، بِما يُمَكِّنُ مِنْ تَعْظيمِ قُدْرَةِ الرَّئيسِ وَمُؤَسَّسَةِ الرِّئاسَةِ وَمُؤَسَّساتِ الدَّوْلَةِ العَميقَةِ والمَصْلَحَةِ القَوْمِيَّةِ لِلدَّوْلَةِ على التَّنَبُّؤِ بِالخِياراتِ الِاسْتْراتيجِيَّةِ وَكَيْفِيَّةِ تَأْثيرِها على الِاسْتِقْرارِ الدَّوْلِيِّ والأَمْنِ الإِقْلِيمِيّ. وَيَقينًا، يَبْعُدُ السُّلوكُ الترامْبِيّ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ تَقاليدِ السُّلوكِ الرِّئاسِيِّ التّاريخِيِّ التي مِنْ شَأْنِها إِحْداثُ التَّعْظيمِ المَطْلوبِ على جَميعِ الأَصْعِدَة. وَلَعَلَّ افْتِقادَ كامِلِ الدَّعْمِ مِنْ قِبَلِ الحُلَفاءِ التّاريخِيّين، وَخاصَّةً الأَطْلَسِيّين، يُؤَكِّدُ بِدَرَجَةٍ أَوْ بِأُخْرى حَراجَةَ الوَضْعِ الدَّوْلِيِّ والإِقْليمِيِّ وَأَزْمَةَ النِّظامِ اللّيبيرالِيِّ العالَمِيّ.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن