الأَمْنُ الغِذائيُّ العَرَبيّ: مِنْ إدارَةِ الأَزماتِ إلى سِيادَةِ سَلاسِلِ القيمَة!

اسْتَقْبَلَ العالَمُ العَرَبِيُّ عامَ 2026 في ظِلِّ بيئَةٍ دَوْلِيَّةٍ مُضْطَرِبَةٍ تَجاوَزَتْ فيها أَزْمَةُ الغِذاءِ حُدودَ الاقْتِصادِ لِتُصْبِحَ جُزْءًا مِنْ مُعادَلاتِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ وَالجُغْرافْيا السِّياسِيَّة. فَلَمْ يَعُدِ الغِذاءُ مُجَرَّدَ سِلْعَةٍ خاضِعَةٍ لِقَوانينِ العَرْضِ وَالطَّلَب، بَلْ أَصْبَحَ أَداةَ ضَغْطٍ وَمَجالًا لِلصِّراعِ وَالنُّفوذ، خُصوصًا مَعَ اسْتِمْرارِ التَّوَتُّراتِ في البَحْرِ الأَحْمَرِ وَالخَليجِ العَرَبِيّ، وَتَصاعُدِ النِّزاعاتِ التِّجارِيَّةِ بَيْنَ القُوى الكُبْرى، وَتَزايُدِ اسْتِخْدامِ العُقوباتِ الاقْتِصادِيَّةِ وَسَلاسِلِ الإِمْدادِ كَسِلاحٍ جِيوسياسِيّ.

الأَمْنُ الغِذائيُّ العَرَبيّ: مِنْ إدارَةِ الأَزماتِ إلى سِيادَةِ سَلاسِلِ القيمَة!

في خِضَمِّ هذِهِ التَّحَوُّلات، تَبْدو المِنْطَقَةُ العَرَبِيَّةُ مِنْ أَكْثَرِ مَناطِقِ العالَمِ تَعَرُّضًا لِلْمَخاطِرِ وَالتَّقَلُّبات، بِحُكْمِ اعْتِمادِها الكَبيرِ عَلى اسْتيرادِ الحُبوبِ وَالزُّيوتِ وَالسِّلَعِ الغِذائِيَّةِ الأَساسِيَّة، إِلى جانِبِ مَحْدودِيَّةِ المَوارِدِ المائِيَّةِ إِلى حَدِّ الفَقْرِ المائِيّ، وَتَذَبْذُبِ الإِنْتاجِ الزِّراعِيِّ المَحَلِّيّ.

لَقَدْ كَشَفَتِ التَّطَوُّراتُ الأَخيرةُ أَنَّ أَزْمَةَ الغِذاءِ لَمْ تَعُدْ تَكْمُنُ فَقَطْ في نَقْصِ مَعْروضِهِ أَوِ ارْتِفاعِ سِعْرِه، وَإِنَّما في القُدْرَةِ عَلى الوُصولِ إِلَيْهِ وَنَقْلِهِ وَتَأْمينِهِ بِتَكْلِفَةٍ مَعْقولَةٍ وَفي تَوْقيتٍ مُناسِب. فَاضْطِرابُ المِلاحَةِ في البَحْرِ الأَحْمَر، وَتَهْديدُ حَرَكَةِ التِّجارَةِ عَبْرَ قَناةِ السُّوَيْس، وَاحْتِمالاتُ إِغْلاقِ أَوِ انْحِسارِ حَرَكَةِ العُبورِ في مَضيقِ هُرْمُز، وَارْتِفاعُ أَقْساطِ التَّأْمينِ البَحْرِيّ، كُلُّها عَوامِلُ أَدَّتْ إِلى زِيادَةٍ غَيْرِ مَسْبوقَةٍ في تَكْلِفَةِ الاسْتيراد، وَانْعَكَسَتْ مُباشَرَةً عَلى مُعَدَّلاتِ التَّضَخُّمِ الغِذائِيِّ في الدُّوَلِ العَرَبِيَّة.

"بناء القدرة الذاتية" يمثّل التحدي الحقيقي أمام العالم العربي الذي يمتلك عناصر تكامل نادرة

وَلا يَقْتَصِرُ أَثَرُ التَّوَتُّرِ في مَضيقِ هُرْمُزَ عَلى السِّلَعِ الغِذائِيَّةِ المَنْقولَةِ بَحْرًا، بَلْ يَمْتَدُّ إِلى أَسْواقِ الطّاقَةِ العالَمِيَّة، حَيْثُ يُؤَدّي ارْتِفاعُ تَكْلِفَةِ الغازِ الطَّبيعِيِّ وَاضْطِرابُ إِمْداداتِهِ إِلى زِيادَةِ تَكْلِفَةِ إِنْتاجِ الأَسْمِدَةِ الأزوتِيَّةِ الَّتي تَعْتَمِدُ بِصورَةٍ أَساسِيَّةٍ عَلى الغازِ كَمادَّةٍ خامٍ وَمُدْخِلِ إِنْتاجٍ رَئيسِيّ، وَهُوَ ما يَرْفَعُ بِدَوْرِهِ تَكْلِفَةَ الإِنْتاجِ الزِّراعِيِّ عالَمِيًّا وَمَحَلِّيًّا. كَما أَنَّ اضْطِرارَ السُّفُنِ إِلى الِالْتِفافِ عَبْرَ "رَأْسِ الرَّجاءِ الصّالِح" أَطالَ مُدَدَ الشَّحْنِ وَرَفَعَ نِسَبَ الفاقِدِ وَالتَّلَف، خاصَّةً في السِّلَعِ الزِّراعِيَّةِ سَريعَةِ التَّأَثُّر، الأَمْرُ الَّذي يَجْعَلُ الاعْتِمادَ المُفْرِطَ عَلى الأَسْواقِ الخارِجِيَّةِ وَسَلاسِلِ الإِمْدادِ البَعيدةِ خِيارًا بالِغَ الخُطورَةِ في السَّنواتِ المُقْبِلَة.

وَفي هذا السِّياق، لَمْ يَعُدِ الحَديثُ عَنِ الأَمْنِ الغِذائِيِّ يَقْتَصِرُ عَلى تَكْوينِ مَخْزونٍ اسْتراتيجِيٍّ أَوْ زِيادَةِ الوارِدات، بَلْ أَصْبَحَ يَرْتَبِطُ بِمَفْهومٍ أَوْسَعَ هُوَ "سِيادَةُ سَلاسِلِ القيمَة"، أَيْ امْتِلاكُ القُدْرَةِ عَلى الإِنْتاجِ وَالتَّصْنيعِ وَالنَّقْلِ وَالتَّخْزينِ وَالتَّوْزيعِ داخِلَ المَجالِ العَرَبِيِّ قَدْرَ الإِمْكان. فَالدُّوَلُ الَّتي لا تَمْتَلِكُ حَلَقاتِ إِنْتاجِها الأَساسِيَّةَ تَظَلُّ مُنْكَشِفَةً لِلصَّدَماتِ الخارِجِيَّة، مَهْما بَلَغَتْ قُدْرَتُها المالِيَّة. وَمِنْ هُنا، فَإِنَّ التَّحَوُّلَ مِنْ "إِدارَةِ الأَزَمات" إِلى "بِناءِ القُدْرَةِ الذّاتِيَّة" وَ"الاعْتِمادِ العَرَبِيِّ المُتَبادَل" يُمَثِّلُ التَّحَدِّيَ الحَقيقِيَّ أَمامَ العالَمِ العَرَبِيِّ في عامِ 2026.

رقمنة القطاع الزراعي أصبحت ضرورة لا رفاهية

وَيَبْرُزُ في هذا الإِطارِ مَفْهومُ التَّكامُلِ الزِّراعِيِّ العَرَبِيِّ بِاعْتِبارِهِ أَحَدَ أَهَمِّ المَساراتِ الواقِعِيَّةِ القابِلَةِ لِلتَّنْفيذ. فَالْمِنْطَقَةُ العَرَبِيَّةُ تَمْتَلِك، إِذا ما أُحْسِنَ تَوْظيفُها، عَناصِرَ تَكامُلٍ نادِرَة؛ إِذْ تَتَوافَرُ الأَراضي الزِّراعِيَّةُ الواسِعَةُ في السّودانِ وَموريتانيا وَالعِراق، بَيْنَما تَتَوافَرُ القُدُراتُ التَّمْويلِيَّةُ في دُوَلِ الخَليج، وَالخِبْراتُ الفَنِّيَّةُ وَالعَمالَةُ المُدَرَّبَةُ في مِصْرَ وَالمَغْرِبِ وَتونس. غَيْرَ أَنَّ المُشْكِلَةَ التّاريخِيَّةَ كانَتْ دائِمًا في غِيابِ الرُّؤْيَةِ التَّكامُلِيَّةِ طَويلَةِ الأَجَل، وَسَيْطَرَةِ الاعْتِباراتِ السِّياسِيَّةِ الضَّيِّقَةِ عَلى حِسابِ المَصالِحِ الاقْتِصادِيَّةِ المُشْتَرَكَة.

وَمِنْ هُنا تَبْرُزُ الحاجَةُ إِلى إِطْلاقِ مَشْروعاتٍ عَرَبِيَّةٍ عابِرَةٍ لِلْحُدودِ تَسْتَهْدِفُ إِنْتاجَ السِّلَعِ الِاسْتِراتيجيَّة، وَفي مُقَدِّمَتِها القَمْحُ وَالذُّرَةُ وَالزُّيوتُ النَّباتِيَّةُ وَالأَعْلاف. وَيُمْكِنُ لِهذِهِ المَشْروعاتِ أَنْ تَعْتَمِدَ عَلى إِنْشاءِ أَحْزِمَةٍ زِراعِيَّةٍ مُتَرابِطَةٍ مَدْعومَةٍ بِشَبَكاتِ تَخْزينٍ وَصَوامِعَ اسْتِراتيجيَّةٍ وَمَراكِزَ لوجيستِيَّةٍ مُرْتَبِطَةٍ بِطُرُقٍ بَرِّيَّةٍ وَسِكَكٍ حَديدِيَّةٍ تُقَلِّلُ الاعْتِمادَ عَلى المَمَرّاتِ البَحْرِيَّةِ المُهَدَّدَة. كَما أَنَّ نَجاحَ بَعْضِ التَّجارِبِ العَرَبِيَّةِ في اسْتِصْلاحِ الأَراضي، وَعلى رَأْسِها مَشْروعُ "الدِّلْتا الجَديدَة" في مِصْر، يَفْتَحُ البابَ أَمامَ نَماذِجَ أَوْسَعَ لِلتَّعاوُنِ الإِقْليمِيِّ في إِدارَةِ المَوارِدِ الزِّراعِيَّةِ وَالمائِيَّة.

التحوّلات الجيوسياسية تفرض الاستثمار في "الجسور البرّية العربية" وشبكات الطرق والسكك الحديدية

وَفي الوَقْتِ ذاتِه، لا يُمْكِنُ تَحْقيقُ أَمْنٍ غِذائِيٍّ مُسْتَدامٍ مِنْ دونِ ثَوْرَةٍ حَقيقِيَّةٍ في التِّكْنولوجيا الزِّراعِيَّة. فَالْعالَمُ يَتَّجِهُ اليَوْمَ نَحْوَ الزِّراعَةِ الذَّكِيَّةِ المُعْتَمِدَةِ عَلى البَياناتِ وَالذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ وَالاسْتِشْعارِ عَنْ بُعْد، بَيْنَما لا تَزالُ قِطاعاتٌ واسِعَةٌ مِنَ الزِّراعَةِ العَرَبِيَّةِ تَعْتَمِدُ عَلى أَساليبَ تَقْليدِيَّةٍ تَسْتَهْلِكُ المِياهَ وَالطّاقَةَ بِكَفاءَةٍ مُتَدَنِّيَة. وَفي ظِلِّ تَزايُدِ نُدْرَةِ المِياهِ وَارْتِفاعِ دَرَجاتِ الحَرارَة، فَإِنَّ إِنْتاجِيَّةَ الفَدّانِ لَمْ تَعُدْ تَرْتَبِطُ فَقَطْ بِخُصوبَةِ التُّرْبَة، بَلْ بِقُدْرَةِ المُزارِعِ عَلى الوُصولِ إِلى التِّكْنولوجْيا وَالمَعْلوماتِ وَالأَسْواق.

وَمِنْ هُنا، فَإِنَّ رَقْمَنَةَ القِطاعِ الزِّراعِيِّ أَصْبَحَتْ ضَرورَةً لا رَفاهِيَّة، سَواءٌ مِنْ خِلالِ تَطْبيقاتٍ تَرْبِطُ المُزارِعينَ مُباشَرَةً بِالأَسْواقِ وَمَراكِزِ التَّوْزيع، أَوْ عَبْرَ اسْتِخْدامِ أَنْظِمَةِ الرَّيِّ الذَّكِيِّ وَالزِّراعَةِ الدَّقيقَة، أَوْ مِنْ خِلالِ نَشْرِ تِقْنِيّاتِ حِفْظِ المَحاصيلِ وَتَقْليلِ الفاقِدِ الغِذائِيّ. وَتُشيرُ التَّقْديراتُ إِلى أَنَّ نِسْبَةَ الفاقِدِ في بَعْضِ المَحاصيلِ العَرَبِيَّةِ تَتَجاوَزُ 25% إِلى 30% مِنَ الإِنْتاج، وَهِيَ نِسْبَةٌ تُعادِلُ في بَعْضِ الأَحْيانِ حَجْمَ الفَجْوَةِ الغِذائِيَّةِ ذاتَها. وَلِذلِكَ فَإِنَّ الِاسْتِثْمارَ في سَلاسِلِ التَّبْريدِ وَالتَّجْفيفِ وَالتَّخْزينِ قَدْ يَكونُ أَقَلَّ تَكْلِفَةً وَأَكْثَرَ جَدْوًى مِنَ التَّوَسُّعِ الأُفُقِيِّ غَيْرِ المَدْروسِ في الرُّقْعَةِ الزِّراعِيَّة.

الأمن الغذائي لم يعُد مجرّد قضية اقتصادية بل أصبح قضية سيادة واستقرار

كَما أَنَّ الحَديثَ عَنِ الأَمْنِ الغِذائِيِّ يَظَلُّ ناقِصًا إِذا لَمْ يَمْتَدَّ إِلى تَوْطينِ صِناعَةِ المُدْخَلاتِ الزِّراعِيَّةِ ذاتِها. فَالاعْتِمادُ عَلى اسْتيرادِ الأَسْمِدَةِ وَالتَّقاوِي وَالمُبيداتِ يَجْعَلُ الإِنْتاجَ المَحَلِّيَّ هَشًّا وَمُعَرَّضًا لِلتَّقَلُّباتِ الدَّوْلِيَّة. وَقَدْ كَشَفَتْ أَزْمَةُ سَلاسِلِ الإِمْدادِ الأَخيرَةُ كَيْفَ يُمْكِنُ لِنَقْصِ الأَسْمِدَةِ أَوِ ارْتِفاعِ أَسْعارِها أَنْ يُهَدِّدَ مَواسِمَ زِراعِيَّةً كامِلَة. وَهُنا تَبْرُزُ فُرْصَةٌ اسْتراتيجِيَّةٌ أَمامَ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ الَّتي تَمْتَلِكُ احْتِياطِيّاتٍ ضَخْمَةً مِنَ الغازِ الطَّبيعِيِّ وَالفوسْفات، مِثْلَ مِصْرَ وَالمَغْرِبِ وَالسُّعودِيَّةِ وَالجَزائِر، لِبِناءِ صِناعَةٍ إِقْليمِيَّةٍ مُتَكامِلَةٍ لِلْأَسْمِدَةِ وَالتَّقاوِي المُحَسَّنَة.

وَفي ظِلِّ التَّحَوُّلاتِ الجِيوسياسِيَّةِ الرّاهِنَة، لَمْ يَعُدِ الاعْتِمادُ الكامِلُ عَلى النَّقْلِ البَحْرِيِّ عَبْرَ المَضائِقِ المُهَدَّدَةِ خِيارًا آمِنًا، الأَمْرُ الَّذي يَفْرِضُ عَلى العالَمِ العَرَبِيِّ إِعادَةَ رَسْمِ خَريطَةِ التِّجارَةِ وَاللّوجيستِيّاتِ عَبْرَ الِاسْتِثْمارِ في "الجُسورِ البَرِّيَّةِ العَرَبِيَّة" وَشَبَكاتِ الطُّرُقِ وَالسِّكَكِ الحَديدِيَّةِ الَّتي تَرْبِطُ الخَليجَ بِالمَشْرِقِ وَمِصْرَ وَشَمالَ أَفْريقْيا، بِما يُقَلِّلُ التَّكْلِفَةَ وَالمَخاطِرَ وَيُعَزِّزُ التَّكامُلَ الاقْتِصادِيّ. وَفي هذا السِّياقِ، يُمَثِّلُ عامُ 2026 لَحْظَةً فارِقَة؛ فَإِمّا أَنْ تَسْتَمِرَّ المِنْطَقَةُ في إِدارَةِ أَزماتِها الغِذائِيَّةِ بِمَنْطِقِ رَدِّ الفِعْلِ المُؤَقَّت، وَإِمّا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلى بِناءِ مَنْظومَةِ إِنْتاجٍ وَتَخْزينٍ وَتَوْزيعٍ أَكْثَرَ اسْتِقْلالًا وَقُدْرَةً عَلى الصُّمود، لِأَنَّ الأَمْنَ الغِذائِيَّ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ قَضِيَّةٍ اقْتِصادِيَّة، بَلْ أَصْبَحَ قَضِيَّةَ سِيادَةٍ وَاسْتِقْرار، في عالَمٍ تَتَحَوَّلُ فيه سَلاسِلُ الإِمْدادِ وَالغِذاءُ إِلى أَدَواتِ نُفوذٍ وَقُوَّة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن