صحافة

إيران: من تصدير الثورة إلى العدوان المباشر

عمرو حمزاوي

المشاركة
إيران: من تصدير الثورة إلى العدوان المباشر

تُظهر الاعتداءات الإيرانية المتكررة على دول الخليج في سياق الحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل نمطًا مركبًا من السلوك السياسي والاستراتيجي لا يمكن اختزاله في كونه مجرد رد فعل ظرفي أو تكتيكي. فمن ناحية، تسعى الجمهورية الإسلامية بوضوح إلى رفع كلفة الحرب على خصومها عبر توسيع مسرح العمليات ليشمل الجوار العربي الخليجي، بما يخلق ضغوطًا إضافية على واشنطن وتل أبيب ويدفعهما إلى إعادة حساباتهما. غير أن هذا البعد، على أهميته، لا يكفي لفهم طبيعة هذه الاعتداءات، إذ يتداخل معه نزوع أعمق وأكثر رسوخًا في سلوك الدولة الإيرانية منذ عام 1979، وهو نزوع يقوم على توظيف الجوار الإقليمي لخدمة مصالحها الاستراتيجية، دون اكتراث حقيقي بمفاهيم السيادة الوطنية أو الأمن القومي للدول الأخرى.

في منطق إدارة الصراع، تدرك طهران أن نقل المواجهة إلى الخليج يحقق لها عدة أهداف متزامنة. فهو أولًا يوسّع نطاق التهديد بما يتجاوز حدودها الجغرافية، ويجعل من استقرار أسواق الطاقة والممرات البحرية العالمية رهينة لتطورات الحرب. وهو ثانيًا يضع الدول الخليجية أمام معادلة صعبة، إذ تصبح هذه الدول متضررة مباشرة من استمرار العمليات العسكرية، ما قد يدفعها إلى الضغط على الولايات المتحدة لاحتواء التصعيد. كما يمنح إيران ورقة تفاوضية إضافية، إذ تتحول قدرتها على الإضرار بالبيئة الإقليمية إلى عنصر مساومة في أي ترتيبات لوقف إطلاق النار أو إدارة الصراع.

غير أن قراءة هذه الاعتداءات في إطارها التكتيكي فقط تغفل البعد البنيوي في السلوك الإيراني. فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية، تشكّل تصور خاص للعلاقات مع الجوار العربي قائم على فكرة النفوذ والتأثير، لا على قاعدة الاحترام المتبادل للسيادة. هذا التصور يستند إلى مزيج من الاعتبارات الأيديولوجية والأمنية، حيث ترى طهران في محيطها الإقليمي مجالًا حيويًا يجب أن يُدار بما يخدم رؤيتها ومصالحها، حتى وإن جاء ذلك على حساب استقرار الدول الأخرى. وهنا، تصبح الاعتداءات المباشرة على دول الخليج امتدادًا طبيعيًا لسياسات أقدم وأكثر رسوخًا، وليست مجرد انحراف ظرفي فرضته الحرب.

في هذا السياق، لا تختلف الضربات المباشرة التي تستهدف بنى تحتية أو منشآت حيوية في الخليج كثيرًا، من حيث الجوهر، عن سياسات توظيف الأذرع الإقليمية التي انتهجتها إيران على مدى عقود. ففي العراق، دعمت طهران مجموعات مسلحة وسياسية عملت على تكريس نفوذها داخل مؤسسات الدولة وخارجها، ما أضعف من قدرة الدولة العراقية على احتكار العنف الشرعي وأدخل البلاد في دوامات متكررة من عدم الاستقرار. وفي اليمن، أسهم دعمها للحوثيين في إطالة أمد الحرب وتعقيد مسارات التسوية، مع ما ترتب على ذلك من كلفة إنسانية وسياسية باهظة. أما في لبنان، فقد أدى دعمها لحزب الله إلى خلق وضعية مزدوجة للسلطة، حيث تتعايش الدولة مع قوة مسلحة تفوقها في بعض الأحيان، ما يقوّض السيادة الوطنية ويحدّ من إمكانات الإصلاح والاستقرار.

الجامع بين هذه الحالات هو أن إيران لم تتعامل مع هذه الدول باعتبارها كيانات مستقلة ذات سيادة كاملة، بل بوصفها ساحات يمكن توظيفها لخدمة استراتيجيتها الإقليمية. هذا التوظيف لم يقتصر على البعد العسكري، بل شمل أيضًا التأثير السياسي والاقتصادي والإعلامي، ما خلق شبكات نفوذ معقدة يصعب تفكيكها. وفي جميع الأحوال، كان الثمن الذي دفعته الشعوب العربية في هذه البلدان كبيرًا، سواء من حيث الأمن أو التنمية أو الاستقرار الاجتماعي.

من هنا، فإن الانتقال إلى الاعتداءات المباشرة على دول الخليج في لحظة الحرب لا يمثل قطيعة مع هذا النهج، بل تطورًا في أدواته. فحين تتعرض إيران لضغوط عسكرية مباشرة، تلجأ إلى توسيع دائرة الصراع باستخدام الوسائل المتاحة، سواء عبر الأذرع أو عبر الضربات المباشرة. وفي الحالتين، يظل الهدف واحدًا: حماية النظام وتعظيم نفوذه، حتى لو جاء ذلك على حساب استقرار الجوار.

هذا السلوك يطرح إشكالية عميقة تتعلق بمستقبل العلاقات الإقليمية في الشرق الأوسط. فالدول الخليجية، التي كانت في السنوات الأخيرة تميل إلى انتهاج سياسات أكثر براغماتية وانفتاحًا، تجد نفسها اليوم أمام واقع أمني متدهور يفرض عليها إعادة ترتيب أولوياتها. ومع تكرار الاعتداءات، تتآكل الثقة في إمكانية بناء علاقات مستقرة مع طهران، ويزداد الميل إلى تبني سياسات ردع أكثر صرامة، سواء عبر تعزيز القدرات الدفاعية أو عبر تعميق الشراكات الأمنية مع قوى خارجية.

كما أن هذه الاعتداءات تترك آثارًا عميقة على المستوى المجتمعي، إذ تعزز من مشاعر القلق وعدم اليقين لدى المواطنين، وتغذي خطابًا سياسيًا وإعلاميًا أكثر تشددًا تجاه إيران. وفي ظل هذه الأجواء، يصبح من الصعب الحفاظ على مساحات الحوار أو الدفع نحو ترتيبات إقليمية قائمة على التعاون. بل إن الاتجاه العام قد يسير نحو مزيد من الاستقطاب، حيث تتبلور اصطفافات جديدة تعيد إنتاج منطق الصراع بدلًا من تجاوزه.

ولا يمكن إغفال أن هذا النهج الإيراني يضعف أيضًا من فرص تحقيق استقرار طويل الأمد داخل الدول التي تشهد حضورًا لأذرعها. فحين تتداخل المصالح الوطنية مع أجندات خارجية، تصبح عملية بناء الدولة أكثر تعقيدًا، وتتراجع قدرة المؤسسات على الاستجابة لتطلعات المواطنين. وهذا بدوره يخلق بيئات هشّة يمكن أن تنفجر في أي لحظة، ما يضيف طبقة أخرى من عدم الاستقرار إلى المشهد الإقليمي.

في المحصلة، تعكس الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج تداخلًا بين حسابات الحرب الآنية ونمط أعمق من السلوك السياسي الذي يقوم على توظيف الجوار دون احترام كافٍ لسيادته. وإذا كانت طهران تسعى من خلال هذه الاعتداءات إلى تحسين موقعها التفاوضي ورفع كلفة المواجهة على خصومها، فإنها في الوقت ذاته تعيد إنتاج سياسات أثبتت في تجارب سابقة أنها تفضي إلى مزيد من عدم الاستقرار والتوتر في المنطقة. وبينما قد تحقق هذه السياسات مكاسب قصيرة الأمد، فإن كلفتها على المدى الطويل، سواء بالنسبة لإيران أو لجوارها العربي، تبدو مرتفعة للغاية.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الضروري التفكير في مقاربات إقليمية جديدة تقوم على إعادة الاعتبار لمبادئ السيادة وعدم التدخل، وعلى بناء آليات جماعية لإدارة الأمن الإقليمي بعيدًا عن منطق الهيمنة أو التوظيف. غير أن تحقيق ذلك يظل رهينًا بتغيرات عميقة في سلوك الفاعلين الرئيسيين، وفي مقدمتهم إيران، التي ستحتاج إلى مراجعة جذرية لنهجها إذا أرادت أن تكون جزءًا من نظام إقليمي أكثر استقرارًا وتوازنًا. وحتى يحدث ذلك، ستظل المنطقة عرضة لدورات متكررة من التصعيد، تدفع شعوبها أثمانها الباهظة.

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن