صحافة

لماذا استثنت إيران تركيا من عدوانها؟

عبدالله المدني

المشاركة
لماذا استثنت إيران تركيا من عدوانها؟

بعد اعتداءات إيران السافرة على دول الخليج العربية منذ اليوم الأول للحرب المشتعلة بينها وبين الولايات المتحدة وإسرائيل، بحجة أن الضربات الأمريكية ضدها مصدرها قواعد عسكرية أمريكية تستضيفها هذه الدول. وهي ــ بطبيعة الحال ــ حجة واهية وباطلة ولا سند ولا أساس لها من الصحة، لسببين، أولهما أن دول الخليج العربية أعلنت وكررت مراراً أنها لن تسمح باستخدام أراضيها ومياهها الإقليمية للاعتداء على "الجارة إيران"، وثانيهما أن الهجمات الأمريكية على المواقع والمنشآت الإيرانية مصدرها حاملات الطائرات الأمريكية المرابطة في المياه الدولية.

مذاك تردد كثيراً السؤال عن أسباب عدم تعرض تركيا لعدوان إيراني مماثل وبالقوة نفسها، خصوصاً أن تركيا تحتضن قواعد عسكرية أمريكية معروفة منذ عقود مضت مثل قاعدة أنجرليك الجوية، وقاعدة كورجيك للرادار، ناهيك عن أن تركيا تحد إيران مباشرة من الشمال الغربي، وبينهما حدود مشتركة بطول 534 كيلومتراً، على العكس من دول الخليج العربية الست التي يفصلها عن إيران الخليج العربي.

وهكذا يتضح أن اعتداءات طهران على دول الخليج العربية بالصواريخ والمسيرات بصفة يومية منذ الثامن والعشرين من فبراير المنصرم، وتعمدها استهداف منشآت ومواقع مدنية مثل المطارات والفنادق وخزانات الوقود ومحطات المياه ومصافي النفط، هدفها الوحيد خلق الفوضى في المنطقة وزعزعة أمنها واستقرارها، لإيقاف عجلة التنمية والبناء والاستثمار.

وتدمير الاقتصاد الخليجي، وذلك انطلاقاً من نوازع انتقامية مرضية ذات صبغة طائفية، وغل وحقد تاريخي غابر.. لكنها لم تنجح في مخططاتها بفضل جاهزية الدفاعات الجوية في دول الخليج. ففي الوقت الذي قامت فيه إيران بشن اعتداءات يومية سافرة بالصواريخ والمسيرات على دول الخليج العربية، استهدفت المنشآت المدنية والبنى التحتية، فإنها تجنبت فعل الشيء ذاته مع تركيا (عدا مرتين أو ثلاث، ودون تأثير يذكر) خوفاً وجبناً. ويبدو جلياً أن صناع القرار في طهران خافوا من استعداء الجيش التركي الذي يمتلك خبرات قتالية مستمدة من حروبه ضد الأكراد الانفصاليين، وتدخلاته العسكرية في سوريا وليبيا وأرمينيا.

من جهة أخرى، يمكن القول إن بين الأسباب الأخرى التي منعت الحرس الثوري الإيراني من التحرش بتركيا وتوجيه ضربات صاروخية إلى القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة على أراضيها، هو الخوف من ردة فعل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، حيث تتمتع تركيا بعضوية الحلف منذ العام 1952. ويمكنها في حال وقوع أي اعتداء عليها، أن تطلب من الحلف تفعيل المادة الخامسة، الكفيلة بدخول الدول الأعضاء الاثنتين والثلاثين (وبينها دول كبرى) في معركة الدفاع عنها وتأديب المعتدي.

وفي هذا السياق، يمكن أيضاً الإشارة إلى عامل آخر من أسباب جبن الإيرانيين وتفاديهم الغضب التركي، هو العامل الأذري. ذلك أن أي اعتداء على تركيا يمكن أن يثير الأذريين، الذين يشتركون مع الأتراك في اللغة والثقافة. وهو ما قد يدفعهم إلى أعمال تخريب وتأجيج ضد طهران انطلاقاً من حدود أذربيجان المشتركة مع إيران بطول 765 كيلومتراً، خصوصاً مع وجود ثارات تاريخية/سياسية قديمة وانقسامات عرقية وثقافية بين الأذريين وإيران منذ معاهدتي كلستان سنة 1813، وتركمنجاي سنة 1828. ووجود تحالف معلن بين أنقرة وباكو ظهرت تجلياته في انتصار تركيا لأذربيجان في نزاع الأخيرة مع أرمينيا في حرب قرة باغ سنة 2020.

وجملة القول، النظام الإيراني أرسل صواريخه الباليستية ومسيراته إلى دول الخليج العربية الست، ولم يرسلها إلى تركيا، خوفاً من أن يقابل برد عسكري عنيف من قبل الجيش التركي أو قوات "الناتو"، قد يرافقه توغل عسكري تركي في الأراضي الإيرانية (على غرار ما فعلته أنقرة مع العراق وسوريا). وحينها لن يكون أمام إيران سوى خيار صد الأتراك بنشر قواتها شمالاً مع كل ما سيترتب على ذلك من خطر أن يصبح جيشها وقواتها أهدافاً سهلة للولايات المتحدة وإسرائيل.

ونختتم بإضافة عامل آخر لمنع قيام الحرس الثوري الإيراني بقصف تركيا بالشكل الذي قصفت به دول الخليج، هو ارتباط طهران وأنقرة بتعاون أمني وتجاري واقتصادي، وهو ما دعا الأتراك إلى أن يلعبوا أكثر من مرة دور الوسيط بين طهران والغرب. لذا فضل الإيرانيون الحفاظ على نافذتهم التركية بدلاً من تحطيمها أو إغلاقها. وهو ما لم يفعلوه مع النافذة العمانية التي وفرت لهم قنوات تواصل لمدد طويلة وسط ظروف معقدة، لكنهم أبوا إلا أن يقصفوها، لأنها في النهاية نافذة عربية تثير أحقادهم التاريخية الدفينة.

(البيان الإماراتية)

يتم التصفح الآن