جميع المؤشرات السياسيّة والميدانيّة توحي بأننا أمام حرب استنزافٍ طويلة الأمد، ومن دون أفقٍ واضحةٍ، ما عدا أنها ستُسهم في تغيير شكل المنطقة وتوازناتها وتحالفاتها. فعلى الرغم من الجهود المُضنية والحركة المكوكية الديبلوماسيّة من أجل العودة إلى لغة الحوار ووقف التداعيات الخطيرة للحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، إلا أن التعنت ورفض "الحلول الوسطية" والتمسك بالشروط يُعيق أي محادثات. فبعد الاجتماع الرباعي في العاصمة إسلام آباد، الذي ضم كل من باكستان والسعودية ومصر وتركيا، اتجهت الأنظار أمس إلى جدة التي احتضنت لقاءً ثلاثيًا جمع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، أمير دولة قطر تميم بن حمد آل ثاني، والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني من أجل بحث مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، والجهود المبذولة لخفض التصعيد وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة، ناهيك عن الهجمات الإيرانية على دول الخليج.
ولا يمكن النظر إلى هذا الاجتماع بمعزلٍ عن التحديات المتصاعدة جراء استمرار إغلاق مضيق هُرمز، وما يُخلّفه من تداعيات على إمدادات الطاقة العالمية واستقرار أسواقها. كما على رسم ملامح مرحلة جديدة، خصوصًا أن الدول الخليجية تراجع حساباتها وتعد العدة لـ"اليوم التالي" بعد تعرّض منشآتها الحيوية لضربات إيرانية متتالية، أسفرت عن أضرارٍ كبيرة وخسائر جسيمة، لكنها تركت أيضًا "ندوبًا" لن تُعالج بسهولة بعد ما كشفته هذه الحرب من فقدانٍ للثقة وإعادة تقييم العلاقات. وفي اليوم الثاني والثلاثين لبدء القتال، لا يزال المشهد على حاله، إذ أعلنت "مؤسسة البترول الكويتية" أن ناقلة نفط خام كويتية تعرضت لاستهدافٍ إيراني أثناء وجودها في ميناء دبي، مشيرةً إلى أن الهجوم أسفر عن أضرارٍ ماديةٍ في بدن السفينة واندلاع حريق، مع احتمال حدوث تسربٍ نفطي في المياه المحيطة. وفي الإمارات، لفتت الجهات المختصة إلى استهداف المبنى الإداري لـ"شركة الثريا للاتصالات" في إمارة الشارقة بطائرة مُسيّرة آتية من طهران. أما في البحرين، فكشفت وزارة الداخلية عن خلية إرهابية مكونة من 3 أشخاص تنتمي إلى "حزب الله"، موضحةً أنها تلقت تدريباتٍ في لبنان وجمعت أموالًا تحت غطاء العمل الخيري بهدف دعم نشاطات الحزب، وتنفيذ مخططات وأعمال إرهابية داخل المملكة. وهذا الإعلان المتكرّر عن خلايا في قلب الدول الخليجية يُزيد من الأعباء الملقاة على عاتق الحكومة اللبنانية، ويطرح أكثر من علامة استفهام حول الأهداف والغايات والتوقيت، خصوصًا أن الكويت سبق وكشفت عن تفكيك 3 خلايا مرتبطة بـ"حزب الله"، كذلك فعلت أبو ظبي الأسبوع الماضي.
وتستنفر هذه الدول من أجل حفظ أمنها واستعادة الاستقرار، بينما تتحرك على أكثر من صعيدٍ لنسج تحالفاتٍِ جديدةٍ كما الحدّ من آثار الحرب، خصوصًا أن واشنطن وطهران ترفعان من سقف التصريحات الكلامية والعمليات العسكرية التي "تتفلت" من كل الضوابط. فأمس الاثنين، حذّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قريبًا، وإذا لم يُفتح مضيق هُرمز فورًا أمام الحركة التجارية، فإن الولايات المتحدة ستنهي "وجودها" في إيران عبر "تدميرٍ كاملٍ" لجميع محطات توليد الكهرباء وآبار النفط وجزيرة "خرج". وأضاف أن القائمة قد تشمل أيضًا "جميع محطات تحلية المياه". لكن "حفلة" الوعيد والتهديد ترافقت مع الحديث عن إجراء "محادثات جادة" مع إيران، مشيرًا إلى أن إدارته اليوم "تتعامل مع مجموعةٍ جديدةٍ من الأشخاص.. وحتى الآن، هم أكثر عقلانية". وتتزامن هذه التصريحات عن تقدم دبلوماسي في وقتٍ تتكثف فيه الحشود العسكرية في المنطقة وسط تحذيراتٍ من عمليةٍ بريةٍ محتملةٍ مع بروز عدة سيناريوهات، أبرزها السيطرة على الجزر المتحكمة في مضيق هُرمز، أو استهداف جزيرة "خرج" التي تُمثل شريان تصدير النفط الإيراني، أو الجمع بين الخيارين لفرض خنق اقتصادي وميداني في آنٍ واحد.
على المقلب الآخر، لا تهادن طهران وتنفي كل مساعي المفاوضات وتصرّ على "الدفاع عن نفسها". وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن "ما حدث هو تقديم طلب للتفاوض مرفقًا بمقترحات أميركية، وقد وصلتنا عبر بعض الوسطاء بينهم باكستان"، مضيفًا: "موقفنا واضح. في الوقت الحالي، نكرس كل جهودنا للدفاع عن سيادتنا في ظل استمرار العدوان.. لن ننسى الخيانة التي تعرضت لها الدبلوماسية مرتين خلال أقل من عام واحد"، في إشارةٍ إلى مفاوضات جنيف ومسقط. وفي الميدان، واصل الجيش الإسرائيلي إعلان توسيع ضرباته، متحدثًا عن استهداف موقعٍ إضافي في قلب طهران داخل مجمع جامعة الإمام الحسين، التي وصفها بأنها المؤسسة الأكاديمية العسكرية الرئيسية التابعة لـ"الحرس الثوري"، وتعمل أيضًا كمرفق احتياطي للهيئات العسكرية التابعة للنظام. كما أفاد بقصف نحو 40 منشأة مرتبطة بإنتاج الأسلحة والبحث والتطوير، وإطلاق 80 قذيفة على مواقع إنتاج الأسلحة التابعة للنظام. وأعلن أن الأهداف شملت منشأة لتجميع صواريخ أرض - جو بعيدة المدى، وموقعًا لتصنيع مكونات صواريخ مضادة للدبابات وصواريخ صغيرة مضادة للطائرات، ومنشأة لإنتاج محركات الصواريخ الباليستية والبحث والتطوير فيها.
في المقابل، أعلن "الحرس الثوري" أن موجةً جديدةً من الهجمات استهدفت مواقع تضم مراكز قيادة وتحكم، وحظائر طائرات مسيّرة، ومنشآت دعم تسليحي، إضافةً إلى مواقع لتمركز عسكريين وطيارين أميركيين وإسرائيليين. وقال إن الهجمات شملت مواقع في 5 "قواعد أميركية" في المنطقة، إلى جانب أهداف في جنوب ووسط وشمال إسرائيل، من بينها حيفا وكريات شمونة وتل أبيب وبئر السبع وديمونا. وفي ظل هذا التصعيد، أكدت طهران مقتل قائد الوحدة البحرية في "الحرس الثوري"، علي رضا تنغسيري، متأثرًا بجروحٍ اُصيب بها، بعد أكثر من 96 ساعة على الإعلان الأميركي - الإسرائيلي عن مقتله. ويُعد الأخير من القادة الأكثر ارتباطًا باستراتيجية إيران البحرية في الخليج ومضيق هُرمز، ويأتي مقتله في لحظةٍ شديدة الحساسية مع "جمود" المحادثات. وينضم تنغسيري إلى لائحةٍ طويلةٍ من القادة والشخصيات الإيرانية من الصف الأول التي اغتيلت، بينما يحاول "نظام الثورة الإسلامية" الحفاظ على التماسك الداخلي وفرض قيود صارمة. وفي هذا السيّاق، أشارت وكالة "رويترز" إلى أن طهران تحاول إطفاء أي شرارة للاضطرابات الداخلية من خلال "اعتقالات وعمليات إعدام وانتشار مكثف لقوات الأمن والمؤيدين في الشوارع"، بل وحتى "تجنيد الأطفال للعمل في نقاط التفتيش"، عازية السبب إلى "خشية المسؤولين من أن يؤدي الضرّر الذي لحق بالاقتصاد المنهك أصلًا إلى إثارة معارضة متصاعدة ضد النظام الحاكم بمجرد انتهاء الصراع".
إلى ذلك، ارتفعت المزيد من الأصوات الإيرانية المطالبة بمراجعة عضوية طهران في معاهدة حظر الانتشار النووي. واعتبر عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان علاء الدين بروجردي أن "الوقت قد حان" لخروج إيران من هذه المعاهدة. وأضاف: "نحن لا نسعى إلى قنبلةٍ نوويةٍ، لكن ليس من المفترض أن نلتزم بقواعد اللعبة فيما نتعرض للقصف". ويبدو واضحًا أن النظام الإيراني يتمسك بشروطه "التعجيزية"، التي نشرتها صحيفة "كيهان"، وتتضمن 9 بنود لاعتبار الحرب منتهية، وهي: انسحاب القوات الأميركية من المنطقة، وتفكيك قواعدها في غرب آسيا، وإقرار نظام قانوني لعبور السفن في مضيق هرمز تحت "سيادة" إيران، ورفع العقوبات، وإعادة الأصول المجمدة، وإعلان واشنطن وتل أبيب طرفين معتديين، ودفع تعويضات، وإنهاء مطالبة الإمارات بالجزر الثلاث، وضمان وقف دائم للحرب والاغتيالات. وهذه السقوف العالية من المطالب يقابلها "الاستغلال" الإسرائيلي للوقائع، إذ أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن وجود أفكار "مثيرة للاهتمام" لمرحلة ما بعد الحرب، تتعلق بتحويل خطوط أنابيب الطاقة والنفط من الخليج إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط، موضحًا أن الحرب على إيران "حققت أكثر من نصف أهدافها"، من دون أن يحدد موعدًا لانتهائها، معتبرًا أيضًا أن التقدم يُقاس "على صعيد المهام، وليس بالضرورة على صعيد الوقت".
والأخير، بحسب المحللين، هو من دفع الرئيس ترامب إلى الحرب التي "تمناها" طويلًا وخطط لها. فيما الداخل الإسرائيلي منقسمٌ إزاء ما يجري مع تصاعد العديد من الأصوات الرافضة لاستمرار "فواتير" الحرب الباهظة. وأمس الاثنين، تمكّن نتنياهو من تمرير زيادةٍ تاريخيةٍ لوزارة الدفاع بلغت 20% من مجموع الميزانية، إذ تخوض قواته حروبًا على جبهاتٍ عدة وسط مخاوف مقلقة من فتح جبهة اليمن بعد دخول الحوثيين على خط الحرب الإقليمية. ويمثل مضيق باب المندب الفاصل بين خليج عدن والبحر الأحمر النقطة المحورية اليوم، الذي تتجه إليه الانظار، خصوصًا مع الاضطرابات في مضيق هُرمز. فباب المندب ليس مجرد ممرٍ ثانوي، بل هو الحلقة الرئيسية التي تربط حركة النفط والمنتجات البترولية والتجارة الآسيوية - الأوروبية بقناة السويس، بينما يبقى هُرمز الشريان الأكبر لصادرات الخليج من النفط الخام والغاز المُسال. ودخول "أنصار الله" في الصراع الدائر أيضًا لا يمكن اعتباره تفصيلًا عابرًا بقدر ما يُجسد قدرة إيران على تحريك الساحات الحليفة لها، وتوظيفها في خدمة مصالحها. ويكاد لبنان يكون الشاهد الأهم على القدرة الإيرانية واستخدامه "ورقةً" في بازار التحركات الجارية. فمنذ توريط "حزب الله" البلاد في هذه الحرب والأمور تسير من سيئٍ إلى أسوأ، خصوصًا أن إسرائيل تسعى إلى تغيير الواقع الجغرافي والديمغرافي جنوب لبنان وتستخدم "سيناريو غزّة" عينه لجهة استهداف المسعفين وعمال الإغاثة.
ولكن الأخطر هو الحوادث الدامية والمتكررة بحق قوات حفظ السلام الدولية "اليونيفيل" التي صرّحت، أمس الاثنين، عن مقتل اثنين من عناصرها في انفجارٍ "مجهول المصدر" في بلدة بني حيان الجنوبية، غداة الإعلان عن مقتل عنصرٍ ثالثٍ في وقتٍ سابق. وتسعى تل أبيب – على ما يبدو – إلى زيادة الضغوط على هذه القوات بهدف إخراجها من الجنوب، وبالتالي استكمال مخططاتها وتوسيع نطاق المنطقة العازلة. بدورها، دعت فرنسا إلى عقد اجتماعٍ طارئ لمجلس الأمن الدولي بعدما وصفت ما يجري بـ"الهجمات غير المقبولة وغير المبرّرة". وتتهرّب تل أبيب من تحمل المسؤولية وتتنكر لها في كثيرٍ من الأحيان، إذ قال الجيش الإسرائيلي، اليوم الثلاثاء، إنه باشر في التحقيق بمقتل عدد من جنود حفظ السلام في لبنان، ملمحًا إلى أن "حزب الله" قد يكون مسؤولًا عن مقتلهم. وهذه التطورات تأتي فيما استمر القصف الإسرائيلي طوال يوم أمس في الجنوب والبقاع الغربي بعد إنذارات بإخلاء 6 قرى هي زلايا، لبايا، يُحمر، سحمر، قلايا، ودلافي. كما واصل العدو استهداف الجيش اللبناني عبر قصف حواجزه وآخرها في منطقة العامريّة، جنوب صور، ما أدى إلى استشهاد عسكري وإصابة آخرين. أما الضاحية الجنوبية لبيروت، فكانت على موعدٍ مع غاراتٍ متتاليةٍ، كما استُهدفت شقةً سكنيةً في منطقة الرحاب المكتظة بالسكان والمحال التجارية، إذ قال الاحتلال إنه بدأ "قصف بنى تحتية إرهابية تابعة لحزب الله". وارتفعت حصيلة ضحايا الحرب إلى 1247 شخصًا و3680 مصابًا، في وقتٍ تواصلت فيه المعارك البرية الضارية التي أسفرت عن مقتل جندي إسرائيلي وإصابة ضابط في سلاح المدرّعات بجروحٍ وُصِفت بـ"الخطيرة"، بحسب وسائل إعلام عبرية.
هذا وتتواصل بيانات "حزب الله" عن استهدافات وعمليات عسكرية على مواقع ومراكز تمركز للجيش الإسرائيلي، بينما معارك الميدان لا تقل خطورةً عن المعارك السياسية المفتوحة على جميع الاعتبارات بعد "عدم احترام" السفير الإيراني المُعيّن في لبنان محمد رضا شيباني قرار وزارة الخارجية اللبنانية وإصراره على البقاء وممارسة عمله، ما أكده المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أيضًا. ويأتي ذلك كله في حين تشهد الوساطات "ركودًا" بعد فشل المبادرة الفرنسية والتحرك المصري في تقريب وجهات النظر، أو في صياغة اقتراح يلقى قبول الجميع. ومن بيروت إلى بغداد التي تتأثر أيضًا بالأحداث الجارية، إذ وجه وزير الداخلية العراقي عبد الأمير الشمري بإعفاء قيادات أمنية وإيداعهم الاحتجاز وفتح تحقيقٍ موسعٍ بعد تدمير طائرة عسكرية عراقية في مطار بغداد نتيجة صواريخ أطلقتها الفصائل الموالية لإيران. أما الأحداث الأهم فتأتي من سوريا التي أفادت بوقوع هجومٍ واسعٍ بعددٍ من الطائرات المسيَّرة، استهدف عدة قواعد للجيش السوري قرب الحدود العراقية فجر الاثنين، مؤكدة أنها "تدرس خياراتها، وستقوم بالرّد المناسب لتحييد أي خطر، ومنع أي اعتداء على أراضيها". ولا يبدو أن حياد دمشق سيطول كثيرًا إزاء تزايد المخاطر، بينما حط الرئيس السوري أحمد الشرع في برلين، في زيارةٍ هي الأولى من نوعها، منذ تسلمه مقاليد الحكم. وترّكزت اللقاءات حول عودة اللاجئين السوريين، خصوصًا أن ألمانيا تحتضن أكبر جالية سورية في الاتحاد الأوروبي.
وفي الأخبار الأخرى، استغلت إسرائيل انشغال العالم بالحرب على إيران ليمرّر "الكنيست" قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين وسط إدانات فلسطينية وعربية ودولية، اعتبرت الخطوة سابقة خطيرة وتكريسًا لنظام الفصل العنصري. ويعيش الفلسطينيون "نكبات متتالية" في حين تبرّر الولايات المتحدة إجرام "حليفتها"، تل ابيب، إذ أعلنت احترامها لما وصفته بـ"حق إسرائيل السيادي" في تحديد قوانينها وعقوباتها الخاصة، واعتبر متحدث باسم الخارجية الأميركية أن واشنطن تثق في تنفيذ هذه الإجراءات "في ظل محاكمة عادلة".
في الفقرة المخصصة للصحف العربية الصادرة اليوم، جولة على أهم ما ورد فيها:
كتبت صحيفة "البلاد" البحرينية أنه "من الواضح ومن دون غبش أو وهم لمتوهم أن إيران هي جار سوء ولا ثقة فيها ولا حياء يُرتجى منها، وأنه لا يمكن لأي متنطع أن يخادع نفسه ويبرر لها اعتداءها على جوارها؛ فهذه إيران تطلق الصواريخ علينا بذريعة العلاقات الأميركية معنا. ألم تجلس هي مع الولايات المتحدة تحت الطاولة ردحًا من الزمن ومنذ عهد الرئيس كارتر للتآمر على المنطقة وبتوطئة الجانب الغربي حتى تمكنت من بناء مشروعها النووي". ولكنها شددت على أن "دول الخليج اليوم ليست كما كانت في الستينات والسبعينات من القرن الماضي؛ فدول الخليج اليوم مجتمعة وعلى المستوى العسكري عمليًا تملك تسليحًا يفوق إيران بمراحل، خصوصًا على مستوى سلاح الجو، كما أن بنياتها الاجتماعية ومؤسساتها الرسمية اكتملت وقطعت شوطا في مفهوم منظومة "الدولة الأمة".
في إطارٍ متصل، رأت صحيفة "الخليج" الإماراتية أن "غياب الهدف يؤدي إلى التشتت وضياع البوصلة، ويجعل أي عمل عسكري عشوائيًا وعبثيًا يؤدي إلى حرب لا نهاية لها، وهو ما يمارسه النظام الإيراني في الحرب الحالية، إذ فقد القدرة على تحديد الهدف الأساسي، أي الخصم الذي يخوض الحرب ضده، في حين يوجه صواريخه وطائراته المسيّرة إلى دول جارة لا تناصبه العداء، بل بذلت جهودًا جبارة لمنع الحرب، والحؤول دون اندلاعها". وأكملت "إن استهداف النظام الإيراني لدول الخليج العربي تحديدًا، يُراد منه جعل هذه الدول طرفًا في الحرب بغية توسيعها، وجرها إلى حرب ليست حربها، للظهور بمظهر أنها ضحية أمام العالم، تتعرض لحرب متعددة الجبهات، واستخدام ذلك في إطار حشد الداخل الإيراني لدعم النظام القائم"، بحسب تعبيرها.
ولم تختلف المقاربة السعودية عبر صحيفة "عكاظ"، التي أوضحت أن "الإصرار على التصعيد رغم الظروف المعقدة التي تمر بها إيران داخليًا وخارجيًا، يعكس سلوكًا يبعد كثيرًا عن الإدارة العقلانية التي من المفترض أن تتحلى بها الأنظمة الحاكمة، ويعزز الانطباع بأننا أمام نظام يتخذ قراراته بمعزل عن منطق المصالح الوطنية، بل ويدفع بالمنطقة نحو مزيد من التوتر وعدم الاستقرار". وختمت: "لا شك أن ما نشهده اليوم لا يمكن تفسيره إلا أنه تعبير عن أزمة عميقة تضرب بنية صناعة القرار السياسي الإيراني، تتميّز بغياب الحسابات العقلانية وسيادة حسابات المغامرة، وهو ما يعني أن ما يحدث الآن من انتهاكات بحق دول الخليج لا تصدر إلا من نظام "فقد رشده"، غير أن الأمل لا يزال معقودًا في أن تدرك إيران خطورة ما تقوم به، وأن تعود إلى لغة العقل قبل أن تنزلق المنطقة إلى ما لا تُحمد عقباه".
الواقع في لبنان كان محط اهتمام صحيفة "اللواء" اللبنانية التي قالت إن "الحرب الدائرة وما خلّفته من دمارٍ وتهجير شكّلت اختبارًا قاسيًا للبنان، لكن الأخطر يتمثل في تداعياتها الداخلية، حيث عادت الانقسامات لتطفو على السطح بصورة أكثر حدّة. ولم يعد خافيًا أن البلاد تشهد انقسامًا متزايدًا بين "أكثرية" تتمسك بمنطق الدولة وقراراتها السيادية، وبين "أقلية" ترفض هذه القرارات أو تسعى إلى تقويضها تحت ذرائع مختلفة". وأكدت أن "وضع النقاط على الحروف اليوم ليس خيارًا، بل ضرورة. فإما أن يُعاد تثبيت منطق الدولة كمرجعية نهائية للجميع، أو يبقى البلد رهينة صراعات خارجية مفتوحة، تهدِّد ما تبقَّى من وحدته واستقراره، وتؤدي انعكاساتها الداخلية إلى سقوط السقف فوق رؤوس الجميع".
(رصد "عروبة 22")

