في هذِهِ الأَحْوالِ جَميعِها، يُمْكِنُنا أَنْ نَقيسَ التَّفَوُّقَ بِالمُعايَنَةِ المُجَرَّدَةِ التي تَضَـعُ النَّظائِرَ في ميزانِ المَقـارَنَة، تَمامًا مِثْلَما يَقْبَلُ هذا التَّفَوُّقُ قِـياسَهُ بِأَدَواتٍ حِسابِيَّةٍ أَدَقّ: ذِهْنِيَّةٍ وتَجْريبِيَّة. والنَّتيجَةُ أَنَّ وعْيَ ظاهِرَةِ التَّفَوُّقِ في الِاجْتِماعِ الإِنْسانِيِّ شَأْنٌ لا يَقَـعُ في بابِ المَعْسور، في الوَقْتِ عَيْنِهِ الذي لا يَكونُ فيهِ ذلِكَ الوَعْي، دائِمًا، وَعْيًا مُضَلِّلًا ومُضَلَّلًا أَوْ مُضْمِرًا لِلْأَوْهام.
على أَنَّ حِسْبانَنا التَّفَوُّقَ واقِـعًا مَوْضوعِيًّا في المُجْتَمَعِ والتّاريخِ يَقْـتَضينا أَنْ نُرْدِفَ ذلِكَ بِالقَوْلِ إِنَّهُ واقِـعٌ جُزْئِـيٌّ لا يَقْبَلُ التَّضْـخـيمَ والتَّعْميم، وبالتّالي، فَهُوَ نِسْبِيٌّ لا يَقْبَلُ الأَطْـلَقَـةَ (Absolutisation).
أسوأ أنواع الإصابة بوهم التفوُّق هو ما يُصيب نظامًا سياسيًا ما
إِنَّ الأَمْثِلَةَ التي سُقْـناها أَعْلاهُ لِصُوَرٍ مُمْكِنَةٍ لِتَفَوُّقٍ مَرْموقٍ أَوْ مَلْحوظٍ لا تَعْدو أَنْ تَكُونَ تَنْويهًا إلى تَفَوُّقـاتٍ جُزْئِـيَّةٍ تَقَـعُ في مَكانٍ أَوْ مَيْدانٍ دونَ آخَـر؛ فَقَـدْ لا يَكونُ المُتَفَوِّقُ في الدِّراسَةِ مُتَفَوِّقـًا، بِالضَّـرورَة، في كُلِّ المَوادّ، بَلْ في جُزْءٍ مِنْها؛ وكَذلِكَ الرِّياضِـيُّ مُتَفَوِّقٌ في رِياضَـتِهِ لا في سائِـرِ الرِّياضات؛ والعازِفُ مُتَفَوِّقٌ في العَزْفِ على آلَتِهِ لا على آلاتِ المُوسيقى جَميعِها.
ولَكَ أَنْ تَقـولَ الشَّيْءَ نَفْسَهُ عَنِ التَّفَوُّقِ الجُزْئِـيِّ لِلْحِزْبِ والمُنْشَأَةِ والدَّوْلَة... إِلخ. التَّفَوُّق، في هذِهِ الحالِ التي يَجْري عَلَيْها الكَلام، مَشْروطٌ بِسِياقٍ مُحَدَّدٍ وبِجُمْلَةِ شُروطٍ تَجْعَلُهُ أَمْرًا في عِدادِ الإِمْكان؛ أَكانَتْ شُروطـًا ذاتِيَّةً تَتَعَلَّقُ بِالكَفاءَةِ والِاقْتِـدارِ والمَلَكَة، التي يَتَمَتَّعُ بِها مَنْ سَيوصَفُ بِالمُتَفَوِّق، أَوْ شُروطـًا مَوْضوعِيَّةً تَتَعَلَّقُ بِظُروفِ التَّدافُعِ والمُنافَسَة، وبِما هُوَ مِنْها في حُكْمِ الدّافِعِ أَوْ في حُكْمِ النّابِذِ مِنَ العَوامِل. وعلى ذلِك، كُلَّما أَمْكَنَتْ مُلاحَظَةُ هذِهِ السِّياقـاتِ والشُّروطِ وأُحْسِنَ إِدْراكُ أَدْوارِها، أَمْكَنَ - بِالتَّبَعَة - تَعْيينُ وجْهِ التَّفَوُّقِ في فِعْلِ المُتَفَوِّق، أَيْ وعْيُ ذلِكَ التَّفَوُّقِ في مَيْدانِهِ الجُزْئِيِّ المُتَحَقِّـقِ فيهِ وعْيًا مُطابِقًا.
مِنَ البَيِّن، إِذَن، أَنَّ التَّفَوُّقَ حالَةٌ واقِعِيَّةٌ مُتَعَيِّنَة؛ أَيْ تَتَعَيَّنُ في دائِرَةِ مَوْضوعِها الذي يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ ذلِكَ الفِعْلُ الذي نَنْعَتُهُ بِصِفَةِ التَّفَوُّقِ لا خارِجَ ذلِكَ المَوْضوع. هُوَ، بِهذا المَعْنى، صِفَةٌ لِمُعْطًى واقِـعِيٍّ مُحَدَّدٍ ولَيْسَ ماهِيَّةً خارِجَ أَيِّ تَعْيينٍ مادِّيٍّ مَلْموسٍ بِحَيْثُ يُدْرَكُ وكَأَنَّهُ مُطْـلَق. مَنْ يَخالُ غَيْرَ ذلِك؛ مَنْ يَفْهَمُ التَّفَوُّقَ بِما هُوَ مُعْطًى مُطْلَق، يَنْتَقِـلُ بِه - حَتّى مِنْ دونِ أَنْ يَدْرِي - مِنْ حَيِّزِ الواقِـعِ المُمْكِن (أَوْ الإِمْكانِ الواقِـعِي) إلى حَيِّزِ الوَهْمِ أَو، في أَحْسَنِ الظَّنّ، إلى حَيْثُ يَصيرُ مُعْطًـى ذِهْنِيًّا مُمْتَنِعًا على التَّحَقُّـق. الْغالِبُ على مِثْلِ هذا التَّحَوُّلِ في مَعْنى التَّفَوُّقِ أَنْ يَحْصُلَ حينَ يَكُفُّ التَّفَوُّقُ عَنْ أَنْ يَكونَ مُجَرَّدَ فِكْرَةٍ عَنْ واقِعَةٍ مَلْموسَةٍ قابِلَةٍ لِلْقِياسِ لِيَصيرَ إلى عَقيدَةٍ تَتَلَبَّسُ بِالوَعْيِ وتَغْشاه، بَلْ تَفْعَلُ فيهِ ما تَفْعَلُهُ الأَوْهامُ مِنْ هَلْوَسات.
النظام النازي والنظام الصهيوني مثال للانحراف الذي حوّل القتل والإفناء إلى طقس
وكَما يُمْكِنُ أَنْ يُصابَ الفَرْدُ الواحِدُ بِهذا المُعْتَقَـد، فَيَعيشَ أَهْوالَهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ حالَةٌ باثولوجِيَّة، كَذلِكَ يُمْكِنُ أَنْ تُصابَ بِهِ جَماعةٌ أَوْ مُجْتَمَعٌ فَيَعْظُمَ بِذلِكَ خَطْبُهُ وتَنْهالَ على الرُّؤوسِ كَوارِثُه. لِكَنَّ أَسْوَأَ أَنْواعِ الإِصابَةِ بِوَهْمِ التَّفَوُّقِ هُوَ ما يُصيبُ نِظامًا سِياسِيًّا ما فَيَدْفَعُهُ إلى هَنْدَسَةِ سِياساتِهِ جُمْلَةً على فِكْرَةِ/وَهْمِ حِيازَةِ فائِضٍ كَبيرٍ مِنَ القـُوَّةِ الْمادِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ يَتَغَذّى بِهِ تَفَوُّقُـهُ على غَيْرِهِ مِنَ الأَنْظِمَةِ والدُّوَلِ في العالَمِ الخارِجِيّ، بِمِقْدارِ ما يَدْفَعُهُ إلى تَنْشِئَةِ وعْيٍ عُمومِيٍّ على الأَوْهامِ عَيْنِها وإِعادَةِ إِنْتاجِها بِاسْتِمْرارٍ.
ما وقَعَ مِثْلُ هذا الِانْحِرافِ بِفِكْرَةِ التَّفَوُّقِ مِنْ شَرْطَـنَتِها (Conditionnalisation) إلى أَطْلَقَتِها وتَصْييرِها، بالتّالي، مُعْتَقَدًا إِلَّا وتَوَلَّدَ مِنْ ذلِكَ ما لا حَصْرَ لَهُ مِنْ عَظيمِ المآسي الإِنْسانِيَّة. هَلْ نَذْكُر، هُنا، النِّظامَ النّازِيَّ أَمِ النِّظامَ الصُّهْيونِيَّ مِثالًا لِذلِكَ الِانْحِرافِ الذي حَوَّلَ القـَتْلَ والإِفْناءَ إلى طـَقْـس؟ كَثِيرَةٌ هِيَ الأَنْظِمَةُ التي تَغْرِفُ مِنْ هذا اليَنْبُوعِ الجَحيمِيِّ في العالَمِ اليَوْم، وإِنْ ظَلَّ النِّظامانِ المُشارُ إِلَيْهِما الأَظْهَرَ والأَشْهَرَ فيها جَميعًا.
(خاص "عروبة 22")

