تقدير موقف

الحَرْبُ التي صَنَعَتِ "الجُمْهورِيَّة"!

حينَ انْدَلَعَتِ الحَرْبُ بَيْنَ إيرانَ والعِراقِ في سِبْتَمْبَر/أَيْلول 1980، كانَتِ الجُمْهورِيَّةُ الإِسْلامِيَّةُ في إيرانَ لا تَزالُ في طَوْرِ إِعادَةِ البِناء؛ مُؤَسَّساتُها قَيْدَ التَّشَكُّل، تَوازُناتُها الدّاخِلِيَّةُ مُضْطَرِبَة، والجَيْشُ التَّقْليدِيُّ يَخْرُجُ مِنْ مَرْحَلَةِ تَطْهيرٍ واسِعَةٍ أَعْقَبَتْ سُقوطَ المَلَكِيَّة.

الحَرْبُ التي صَنَعَتِ

جاءَ الهُجومُ العِراقِيُّ لِيَضَعَ النِّظامَ الوَليدَ أَمامَ اخْتِبارٍ وُجودِيٍّ مُبَكِّر، فَتَحَوَّلَتِ الْمُواجَهَةُ إلى لَحْظَةِ إِعادَةِ صِياغَةٍ شامِلَةٍ لِبُنْيَتِهِ السِّياسِيَّةِ والأَمْنِيَّة. تَحْتَ ضَغْطِ الحَرْب، أَعادَ الدّاخِلُ إِنْتاجَ تَماسُكِه، وأُعيدَ تَرْتيبُ الأَوْلَوِيّاتِ حَوْلَ بَقاءِ الدَّوْلَةِ وَحِمايَةِ الثَّوْرَة، فَتَرَسَّخَ نَمَطُ حُكْمٍ قائِمٍ على التَّعْبِئَةِ المُسْتَمِرَّةِ والِانْضِباطِ الأَمْنِيِّ وَإدارَةِ المُجْتَمَعِ بِمَنْطِقِ الطَّوارِئ. هَكَذا لَمْ تَكُنِ الحَرْبُ مُجَرَّدَ صِراعٍ حُدودِيّ، بَلْ تَجْرِبَةً تَأْسيسِيَّةً صَقَلَتِ الجُمْهورِيَّة، وَمَنَحَتْها خِبْرَةَ العَيْشِ في بيئَةِ حِصارٍ وَصِدامٍ دائِم.

انْدَلَعَ الهُجومُ في لَحْظَةِ ارْتِباكٍ داخِلِيّ؛ اقْتِصادٌ مُثْقَلٌ بِالتَّحَوُّلات، إِدارَةٌ تُعيدُ تَرْتيبَ هَياكِلِها، وَصِراعٌ سِياسِيٌّ لَمْ يُحْسَمْ بَيْنَ القُوى التي أَفْرَزَتْها الثَّوْرَة. غَيْرَ أَنَّ الحَرْبَ مَنَحَتِ النِّظامَ عُنْصُرًا حاسِمًا كانَ يَفْتَقِدُه: خَصْمًا خارِجِيًّا واضِحَ المَعالِمِ أَعادَ تَوْجيهَ البَوْصَلَةِ الوَطَنِيَّة.

فكرة "الدفاع المُقدّس" أسهمت في صهر المجتمع داخل إطار تعبوي عزّز تماسك النظام

سُرْعانَ ما جَرى تَأْطيرُ المواجَهَةِ في الخِطابِ الرَّسْمِيِّ بِاعْتِبارِها مَعْرَكَةَ وُجود، يَتَجاوَزُ مَعْناها حُدودَ النِّزاعِ الإِقْليمِيِّ إلى الدِّفاعِ عَنِ الثَّوْرَةِ وَبَقائِها. هَذا التَّحَوُّلُ في تَعْريفِ الصِّراعِ نَقَلَ الجُمْهورِيَّةَ مِنْ حالَةِ تَنازُعٍ داخِلِيٍّ إلى حالَةِ تَعْبِئَةٍ عامَّة، حَيْثُ أُعيدَ تَرْتيبُ الأَوْلَوِيّاتِ تَحْتَ شِعارِ الصُّمود.

تَدَفَّقَ المُتَطَوِّعونَ إلى الجَبَهاتِ بِأَعْدادٍ كَبيرَة، وَتَكَوَّنَتْ سَرْدِيَّةٌ جَماعِيَّةٌ جَديدَةٌ تَرى في الجُمْهورِيَّةِ كِيانًا مُسْتَهْدَفًا بِمُحاوَلَةِ اقْتِلاع. في هَذا السِّياق، تَبَلْوَرَتْ فِكْرَةُ "الدِّفاعِ المُقَدَّس"، التي تَحَوَّلَتْ إلى رَكيزَةٍ في الذاكِرَةِ الوَطَنِيَّة، وَأَسْهَمَتْ في صَهْرِ المُجْتَمَعِ داخِلَ إِطارٍ تَعْبَوِيٍّ عَزَّزَ تَماسُكَ النِّظامِ في سَنَواتِهِ الأولى...

عَسْكَرَةُ المُجْتَمَع: مِنَ الثَّوْرَةِ إلى الجَبْهَة

تَحَوَّلَتِ الحَرْبُ إلى عَمَلِيَّةِ إِعادَةِ تَشْكيلٍ واسِعَةٍ لِلْمُجْتَمَع، تَجاوَزَتْ حُدودَ المواجَهَةِ العَسْكَرِيَّةِ إلى إِعادَةِ هَنْدَسَةِ المَجالِ الْعام. وَفي هَذا السِّياق، شُكِّلَتْ قُوّاتُ التَّعْبِئَةِ الشَّعْبِيَّةِ "الباسيج"، التي لَعِبَتْ دَوْرًا مَرْكَزِيًّا في تَعْبِئَةِ المُجْتَمَعِ وَرَبْطِ الجَبْهَةِ بِالدّاخِل، وانْتَشَرَتْ صُوَرُ القَتْلى في الشَّوارِع، وَصارَ المَوْتُ في الجَبْهَةِ يُقَدَّمُ بِاعْتِبارِهِ ذُرْوَةَ الفِداءِ الوَطَنِيِّ والدّينِيِ، فَتَكَرَّسَتْ ثَقافَةُ تَضْحِيَةٍ يَوْمِيَّةٍ أَعادَتْ تَعْريفَ العَلاقَةِ بَيْنَ الفَرْدِ والدَّوْلَة.

نَشَأَ جيلٌ كامِلٌ في ظِلِّ صَفّاراتِ الإِنْذارِ وَإيقاعِ الجَبهات، وَتَوَحَّدَ خِطابُ المَدارِسِ والجامِعاتِ وَوَسائِلِ الإِعْلامِ حَوْلَ تَمْجيدِ الصُّمودِ وَرَفْضِ التَّراجُع. وَمَعَ امْتِدادِ الحَرْبِ لِثَماني سَنَوات، تَرَسَّخَتْ حالَةُ الطَّوارِئِ كاطارٍ دائِمٍ لِإِدارَةِ السِّياسَةِ والمُجْتَمَع، لا كاسْتِثْناءٍ عابِر.

في هَذا المُناخ، انْكَمَشَتْ مَساحَةُ المُعارَضَةِ إلى حَدِّها الأَدْنى؛ فَالنَّقْدُ عُدَّ تَهْديدًا لِوَحْدَةِ الصَّفِ، وَأُدْرِجَ الخِلافُ ضِمْنَ خانَةِ الإِضْرارِ بِالجَبْهَةِ الدّاخِلِيَّة. تَحْتَ ضَغْطِ الضَّرورَةِ الوَطَنِيَّةِ اسْتَكْمَلَ النِّظامُ إِحْكامَ قَبْضَتِه، وَأَعادَ تَرْتيبَ التَّوازُناتِ الدّاخِلِيَّةِ بِما عَزَّزَ مَرْكَزِيَّتَهُ وَأَضْعَفَ خُصومَه.

صُعودُ "الحَرَس": مِنْ قُوَّةٍ ثَوْرِيَّةٍ إلى مُؤَسَّسَةٍ مُهَيْمِنَة

أَنْشَأَتِ الثَّوْرَةُ الحَرَسَ الثَّوْرِيَّ الإيرانِيّ، غَيْرَ أَنَّ الحَرْبَ مَعَ العِراقِ هِيَ التي رَسَّخَتْ مَكانَتَهُ وَحَدَّدَتْ وَزْنَهُ الحَقيقِيَّ داخِلَ بُنْيَةِ النِّظام. في ساحاتِ القِتالِ ظَهَرَ الحَرَسُ بِوَصْفِهِ القُوَّةَ الأَكْثَرَ انْدِفاعًا وانْضِباطًا، فَانْتَقَلَ تَدْريجِيًّا مِنْ مَوْقِعِ القُوَّةِ الرَّديفَةِ إلى مَرْكَزِ الثِّقْلِ العَسْكَرِيِّ والعَقائِدِيّ، وَأَصْبَحَ أَحَدَ أَعْمِدَةِ حِمايَةِ الدَّوْلَةِ الجَديدَة.

الحرس الثوري لاعب مركزي في مفاصل الدولة وصياغة توجهاتها الاستراتيجية

مَنَحَتِ الحَرْبُ الحَرَسَ ثَلاثَةَ مَكاسِبَ اسْتْراتيجِيَّةٍ واضِحَة: شَرْعِيَّةً قِتالِيَّةً قَدَّمَ مِنْ خِلالِها نَفْسَهُ حَامِيَ الوَطَنِ والثَّوْرَة، خِبْرَةً تَنْظيمِيَّةً عَزَّزَتْ قُدُراتِهِ على التَّخْطيطِ وَإِدارَةِ العَمَلِيّاتِ غَيْرِ التَّقْلِيدِيَّة، وَشَبَكاتِ عَلاقاتٍ بَيْنَ قادَتِهِ تَطَوَّرَتْ لاحِقًا إلى نُفوذٍ سِياسِيٍّ واقْتِصادِيٍّ واسِع.

عِنْدَ انْتِهاءِ الحَرْبِ عامَ 1988 لَمْ يَعُدْ مُمْكِنًا تَقْليصُ دَوْرِهِ أَوْ إِعادَتُهُ إلى حُدودِ التَّأْسيسِ الأولى؛ فَقَدْ خَرَجَ مِنْها مُؤَسَّسَةً كُبْرى مُتَجَذِّرَةً في الأَمْنِ والدِّفاع، وَمُهَيَّأَةً لِلتَّوَسُّعِ في الِاقْتِصادِ والسِّياسَة، لِتَغْدُوَ لاعِبًا مَرْكَزِيًًا في مَفاصِلِ الدَّوْلَةِ وَصِياغَةِ تَوَجُّهاتِها الِاسْتْراتيجِيَّة.

اقْتِصادُ الحَرْب: بُذورُ الدَّوْلَةِ المُحاصَرَة

اسْتَنْزَفَتْ ثَماني سَنَواتٍ مِنَ الحَرْبِ المَوارِدَ وَأَلْحَقَتْ أَضْرارًا واسِعَةً بِالبُنْيَةِ التَّحْتِيَّة، وَدَفَعَتِ البِلادَ إلى أَزْمَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ عَميقَة، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ البيئَةَ القاسِيَةَ أَرْسَتْ أَيْضًا أُسُسَ ما عُرِفَ لاحِقًا بِثَقافَةِ "اقْتِصادِ المُقاوَمَة".

الشعور الدائم بالحصار استُخدم لتبرير توسيع النفوذ الإقليمي

تَحْتَ ضَغْطِ الحِصارِ وَنَقْصِ التَّسْليحِ اتَّجَهَتْ إيرانُ إلى تَطْويرِ صِناعاتٍ عَسْكَرِيَّةٍ مَحَلِّيَّةٍ والبَحْثِ عَنْ بَدائِلَ ذاتِيَّة، فَتَشَكَّلَتِ البِداياتُ الأولى لِبَرْنامَجِها الصّارُوخِيِّ بِوَصْفِهِ خِيارًا دِفاعِيًّا أَقَلَّ كُلْفَةً مِنْ بِناءِ سِلاحِ جَوٍّ مُتَطَوِّرٍ لَمْ يَكُنْ مُتاحًا في ظِلِّ العُزْلَة.

في الوَقْتِ ذاتِه، تَرَسَّخَ إِدْراكٌ اسْتْراتيجِيٌّ بِأَنَّ الدَّوْلَةَ تَتَحَرَّكُ ضِمْنَ بيئَةٍ إِقْليمِيَّةٍ مُعادِيَة، وَبِأَنَّ الِاعْتِمادَ على الخارِجِ مَحْفوفٌ بِالمَخاطِر. هَذا الشُّعورُ الدّائِمُ بِالحِصارِ تَحَوَّلَ إلى عُنْصُرٍ ثابِتٍ في التَّفْكيرِ الأَمْنِيّ، اسْتُخْدِمَ لاحِقًا لِتَبْريرِ تَوْسيعِ النُّفوذِ الإِقْليمِيِّ وَتَعْزيزِ القُدُراتِ العَسْكَرِيَّة، مَعَ تَقْديمِ أَوْلَوِيَّةِ الأَمْنِ على مُتَطَلِّباتِ التَّنْمِيَةِ الِاقْتِصادِيَّة.

تَثْبيتُ بُنْيَةِ الحُكْم: مِنَ الثَّوْرَةِ إلى الدَّوْلَةِ الأَمْنِيَّة

مَعَ انْتِهاءِ الحَرْبِ كانَتِ الجُمْهورِيَّةُ الإِسْلامِيَّةُ قَدْ انْتَقَلَتْ مِنْ طَوْرِ الثَّوْرَةِ إلى طَوْرِ الدَّوْلَة؛ اكْتَسَبَتْ خِبْرَةَ إِدارَةِ الأَزَماتِ وَأَدَواتِ الضَّبْط، وَتَبَلْوَرَتْ مَلامِحُ نِظامٍ أَمْنِيٍّ قادِرٍ على الِاسْتِمْرار. لَمْ يَعُدِ الهَمُّ تَثْبيتَ الشَّرْعِيَّةِ فَحَسْب، بَلْ تَنْظيمَها ضِمْنَ بُنْيَةٍ مُؤَسَّسِيَّةٍ أَكْثَرَ إِحْكامًا.

عامَ 1989 أُدْخِلَتْ تَعْديلاتٌ دُسْتورِيَّةٌ أَعادَتْ تَوْزيعَ الصَّلاحِيّاتِ وَرَسَّخَتْ مَوْقِعَ المُرْشِدِ مَرْجِعِيَّةً عُلْيا، مَعَ تَعْزيزِ دَوْرِ المُؤَسَّساتِ الرَّقابِيَّةِ في تَنْظيمِ المَجالِ السِّياسِيِّ وَضَبْطِ إيقاعِه. بَقِيَتِ الِانْتِخاباتُ جُزْءًا مِنَ المَشْهَد، لَكِنَّها جَرَتْ ضِمْنَ أُطُرٍ مُحَدَّدَةٍ سَلَفًا تَضْمَنُ عَدَمَ خُروجِها عَنِ الخَطِّ العامِّ لِلنِّظام.

أَدَّتِ الحَرْبُ وَظيفَةً مُزْدَوَجَة: وَفَّرَتْ شَرْعِيَّةً مُسْتَنِدَةً إلى التَّضْحِيّات، وَأَتاحَتْ إِعادَةَ تَرْتيبِ الدّاخِلِ في مُناخٍ يُقَدِّمُ الِاسْتِقْرارَ على الجَدَل. مُجْتَمَعٌ أَنْهَكَتْهُ سَنَواتُ القِتالِ مالَ إلى البَحْثِ عَنِ الأَمانِ وَإِعادَةِ البِناء، فَتَرَسَّخَتْ أَوْلَوِيَّةُ الِاسْتِقْرارِ حَتّى على حِسابِ تَوْسيعِ الهامِشِ السِّياسِيّ.

الجُمْهورِيَّةُ التي خَرَجَتْ مِنَ الخَنادِق

عِنْدَما وَقَفَ إِطْلاقُ النّارِ عامَ 1988 لَمْ تَخْرُجْ إيرانُ بِنَصْرٍ عَسْكَرِيٍّ حاسِم، لَكِنَّها خَرَجَتْ بِنِظامٍ أَشَدَّ تَماسُكًا مِمّا كانَ عَلَيْهِ عِنْدَ انْدِلاعِ الحَرْب. صاغَتِ المواجَهَةُ ما يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ بِالجُمْهورِيَّةِ الثّانِيَة؛ كِيانًا تَشَكَّلَ وَعْيُهُ السِّياسِيُّ حَوْلَ الْجاهِزِيَّةِ الدّائِمَة، وَرَسَّخَ شَرْعِيَّتَهُ في سَرْدِيَّةِ الصُّمودِ والتَّضْحِيَة.

بنية أمنية - مؤسساتية تُحكم السيطرة على مفاصل الدولة

مُنْذُ ذَلِكَ المُنْعَطَف، باتَتِ السِّياسَةُ الإيرانِيَّةُ تُقْرَأُ عَبْرَ عَدَسَةِ الأَمْن؛ القَراراتُ الدّاخِلِيَّةُ والخارِجِيَّةُ تُقاسُ بِمِعْيارِ البَقاءِ والِاسْتِمْرار. مِنْ رَحِمِ تِلْكَ التَّجْرِبَةِ تَبَلْوَرَتْ لاحِقًا عَقيدَةُ الرَّدْعِ الصَّارُوخِيّ، واسْتْراتيجِيَّةُ تَوْسيعِ النُّفوذِ الإِقْليمِيّ، وَفِكْرَةُ نَقْلِ خُطوطِ المواجَهَةِ إلى خارِجِ الحُدودِ بِاعْتِبارِها ضَمانَةً وِقائِيَّة.

أَصْبَحَتِ الحَرْبُ هِيَ المَدْرَسَةَ التي تَعَلَّمَ فيها النِّظامُ إِدارَةَ الضَّغْطِ وَتَحْويلَهُ إلى عُنْصُرِ تَثْبِيت. وَمِنْ هُنا يَنْتَقِلُ المَسارُ إلى سُؤَالِ الدّاخِل: كَيْفَ تَكَرَّسَتْ بُنْيَةٌ أَمْنِيَّةٌ - مُؤَسَّساتِيَّةٌ مُحْكَمَة، تُحْكِمُ السَّيْطَرَةَ على مَفاصِلِ الدَّوْلَة، وَتُعيدُ صِياغَةَ السِّياسَةِ ضِمْنَ مَنْطِقِ البَقاءِ الدّائِم؟.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن