وجهات نظر

مآلاتُ التَّوَحُّشِ كَمِعْيارٍ وَحيدٍ لِلنَّصْر!

طَبْعًا جَميعُنا يَعْرِفُ أَنَّ العَلاقَةَ بَيْنَ أَميرْكا والكِيانِ الصُّهْيونِيِّ هِيَ أَكْبَرُ وَأَعْقَدُ وَأَعْمَقُ كَثيرًا مِنْ ذَلِكَ الوَصْفِ الشّائِعِ بِأَنَّها "عَلاقَةٌ خاصَّة"، لَكِنَّ البَعْضَ مِنَ النّاسِ رُبَّما يَفوتُهُمْ حَقيقَةُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُما يُشْبِهُ الآخَرَ خُصوصًا في طَبيعَةِ النَّشْأَة، لا سِيَّما الطّابِعُ الدَّمَوِيُّ المُتَوَحِّشُ والِاغْتِصابِيُّ الَّذي رَسَمَ صورَةَ خُروجِهِما إلى الوُجودِ مِنَ العَدَم.

مآلاتُ التَّوَحُّشِ كَمِعْيارٍ وَحيدٍ لِلنَّصْر!

يَرْتَبِطُ بِالسُّطورِ السّابِقَة، أَنَّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ الأَميرْكِيَّةَ بِوَصْفِها الزَّعيمَ الأَوْحَدَ لِلتَّجَمُّعِ الإِمْبِرْيالِيِّ الغَرْبِيِّ حالِيًّا، وانْسِجامًا مَعَ طَبيعَةِ نَشْأَتِها، أَجْرَتْ عَمَلِيَّةَ تَغْييرِ جنسٍ تامٍّ وجَذْرِيٍّ لِمَعْنى وَمَفْهومِ الحَرْبِ على النَّحْوِ الذي اسْتَقَرَّ أَوْ كادَ في الوَعْيِ الإِنْسانِيِّ مُنْذُ نِهايَةِ عُصورِ الهَمَجِيَّةِ التي اسْتَغْرَقَتْ أَغْلَبَ عُمْرِ البَشَرِ على الأَرْضِ مِنْ يَوْمِ أَنْ عَرَفوا الحَياةَ في تَجَمُّعاتٍ وَمُجْتَمَعاتٍ ظَلَّتْ تَتَصارَعُ وَتَتَقاتَلُ حَتّى بَدَأَ نورُ الحَضارَةِ يَبْزُغُ وَيَتَمَدَّدُ ضِياؤُهُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا.

معنى الحرب في المفهوم الأميركي عدوان وتخريب وقتل

الواقِعُ أَنَّ أَميرْكا ارْتَدَّتْ بِمَفْهومِ الحَرْبِ إلى قُرونٍ بَعيدَة، إِذْ جَعَلَتْهُ أَقْرَبَ إلى مِهْرَجانٍ دَمَوِيٍّ صاخِبٍ يَخْتَلِطُ فيهِ التَّدْميرُ والتَّخْريبُ والقَتْلُ واسِعُ النِّطاق، وَمُنْذُ نِهايَةِ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَةِ خاضَتْ كُلَّ حُروبِها العُدْوانِيَّةِ مِنْ دونِ التَّقَيُّدِ بِأَيِّ قَواعِدَ أَوْ أَخْلاقٍ أَوْ قَوانين، وَأَظْهَرَ عَدَدٌ كَبيرٌ مِنْ هَذِهِ الحُروبِ الأَخيرَةِ أَنَّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ غَيَّرَتْ بِالفِعْلِ المَعْنى الذي اسْتَقَرَّ في ذِهْنِيَّةِ النُّخَبِ السِّياسِيَّةِ والعَسْكَرِيَّةِ في العالَمِ مُنْذُ اخْتَصَرَهُ المُنَظِّرُ الِاسْتراتيجِيُّ الأَشْهَرُ الجِنِرالُ كارْل فون كْلاوْزفيتْز (Carl von Clausewitz)، في كَلِماتٍ مَعْدودَةٍ تَقول: "إِنَّ الحَرْبَ هِيَ امْتِدادٌ لِلسِّياسَةِ بِوَسائِلَ أُخْرى".

إِذَن، صارَ مَعْنى الحَرْبِ في المَفْهومِ الإِمْبِرْيالِيِّ الأَميرْكِيِّ الرّاهِنِ مُجَرَّدَ عُدْوانٍ وَتَخْريبٍ وَقَتْلٍ، وَفِعْلٍ عَبَثِيٍّ يَتَجَلّى على الأَرْضِ كَلُعْبَةٍ وَحْشِيَّةٍ مَحْض، تُخاصِمُ السِّياسَةَ كَما كُلَّ اعْتِبارٍ إِنْسانِيٍّ آخَر... فَضْلًا عَنْ حَقيقَةِ أَنَّ الحَرْبَ هِيَ شَرْطٌ لازِمٌ لِاسْتِمْرارِ دَوَرانِ عَجَلَةِ المُجَمَّعِ الصِّناعِيِّ العَسْكَرِيِّ الإِمْبِرْيالِيِّ الذي رُفِدَ مُؤَخَّرًا بِمُجَمَّعِ إِنْتاجِ التِّكْنولوجْيا المُتَقَدِّمَةِ التي اقْتَحَمَتْ بِقُوَّةٍ تَصامِيمَ الأَسْلِحَة.

إِنَّ نَظْرَةَ تَأَمُّلٍ واحِدَةً في تاريخِ الإِمْبَراطورِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ التي بِالكادِ يَبْلُغُ عُمْرُها قَرْنَيْنِ وَنِصْفَ القَرْن، اسْتَهْلَكَتْ أَكْثَرَ مِنْ 90% مِنْ هَذَا العُمْر (222 سَنَة) في شَنِّ حُروبٍ عُدْوانِيَّةٍ بَلَغَ عَدَدُها 95 حَرْبًا أَغْلَبُها شَنَّتْها على بُلْدانٍ في أَميرْكا الوُسْطى وَأَميرْكا الجَنوبِيَّة، وَقَدْ سانَدَتْ في هَذِهِ الحُروبِ نُظُمًا ديكْتاتورِيَّةً فاسِدَة، أَوْ مَكَّنَتْ عِصاباتٍ إِجْرامِيَّةً مِنْ مَقاعِدِ السُّلْطَةِ في البُلْدانِ الضَّحِيَّة.

أَمّا الحُروبُ العُدْوانِيَّةُ الأَميرْكِيَّةُ على بُلْدانٍ في قاراتٍ أُخْرى بَعيدَةٍ عَنِ الأَميرْكَتَيْن، فَإِنَّها كُلَّها تَقْريبًا كانَتْ غاياتُها هِيَ الغاياتِ الفَجَّةَ السّابِقَةَ ذاتَها.

مَسيرَةُ حُروبِ الإِجْرامِ الأَميرْكِيَّةِ بَدَأَتْ مُبَكِّرًا جِدًّا، على ما يَشي بِهِ قِيامُها بِشَنِّ حَرْبَيْنِ عُدْوانِيَّتَيْنِ على المِكْسيك، أولاهُما في العامِ 1846 واحْتَلَّتْ خِلالَها مَساحَةً شاسِعَةً مِنَ المِكْسيكِ قامَتْ بِضَمِّها إلى أَراضيها، وَهِيَ التي صارَتْ تُعْرَفُ الآنَ بِوِلايَةِ تِكْساس، وَمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ بِعامَيْنِ اثْنَيْنِ فَقَطْ أَيْ في العامِ 1848 قامَتْ بِغَزْوٍ آخَرَ لِلمِكْسيكِ واحْتَلَّتْ هَذِهِ المَرَّةَ جُزْءًا جَديدًا مِنْ أَراضيها ثُمَّ أَعْلَنَتْ ضَمَّ الأَراضي المُحْتَلَّةِ لِتَصيرَ وِلايَةَ نْيو مِكْسيكو حالِيًّا.

صار التفوُّق في قتل أعداد كثيرة من البشر المعيار الأميركي شبه الوحيد للانتصار ولو لم يتحقّق أيّ هدف سياسي

ضِمْنَ هَذا السِّياق، وَفي واحِدَةٍ مِنْ تَجَلِّياتِ جَهْلِهِ المُشْبَعِ بِالإِجْرام، رَأى العالَمُ كُلُّهُ كَيْفَ بَدَأَ دونالْد ترامب وِلايَتَهُ الحالِيَّةَ مُسْتَلْهِمًا تاريخَ التَّوَسُّعِ الأَميرْكِيّ، مُطالِبًا عَلَنًا بِضَمِّ دَوْلَةِ كَنَدا لِكَيْ تَصيرَ الوِلايَةَ رَقْمَ 51، وَظَلَّ أَسابِيعَ طَوِيلَةً يُلِحُّ وَيُكَرِّرُ هَذَا المَطْلَبَ المَجْنونَ قَبْلَ أَنْ يَنْتَقِلَ إلى آيَةٍ أُخْرَى مِنْ آياتِ الجُنونِ مُطالِبًا بِضَمِّ أَرْضِ جَزيرَةِ غْرينْلانْد إلى الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَمُهَدِّدًا بِاحْتِلالِها بِالقُوَّةِ إِذا لَمْ تُوافِقْ مَمْلَكَةُ الدَّنْمارِك التي تَتْبَعُ الجَزيرَةُ لَها على إِهْدائِها لَهُ!.

وَقَبْلَ أَيّامٍ قَليلَةٍ عادَ إلى جُنونِهِ العُدْوانِيِّ الفَجّ، قائِلًا إِنَّهُ يُفَكِّرُ جِدِّيًّا في ضَمِّ فِنِزْويلا إلى الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، بَعْدَما قامَتْ قُوّاتُهُ بِعَمَلِيَّةٍ عَسْكَرِيَّةٍ تُحاكي نَهْجَ عِصاباتِ قُطّاعِ الطُّرُقِ وَقامَتْ بِاخْتِطافِ رَئيسِها وَزَوْجَتِهِ وَوَضْعِهِما في سِجْنٍ أَميرْكِيّ، وَهُوَ يُريدُ الآنَ تَتْويجَ هَذِهِ الجَريمَةِ بِخَطْفِ فِنِزْويلا نَفْسِها!.

نَعودُ إلى عَمَلِيَّةِ تَغْييرِ جِنْسِ الحَرْبِ وَقَطْعِ كُلِّ عَلاقَةٍ لَها بِالسِّياسَةِ وَتَحْويلِها لِأَفْعالٍ جُرْمِيَّةٍ خالِصَة، وَضِمْنَ هَذا المَفْهومِ الشّاذِّ تَغَيَّرَ مَفْهومُ النَّصْرِ وَصارَ التَّفَوُّقُ في قَتْلِ أَعْدادٍ كَثيرَةٍ مِنَ البَشَر، وَهُوَ المِعْيارُ الأَميرْكِيُّ شِبْهُ الوَحيدِ لِلِانْتِصارِ وَلَوْ لَمْ يَتَحَقَّقْ أَيُّ هَدَفٍ سِياسِيٍّ أَوْ حَتّى تَحَقَّقَ العَكْس.

لِذَلِكَ يُلاحَظُ أَنَّ كُلَّ حُروبِ أَميرْكا بَعْدَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَةِ مِنْ دونِ اسْتِثْناءٍ واحِد، خاسِرَةٌ تَمامًا بِأَيِّ مِقْياسٍ سِياسِيّ.

وَنَنْتَقي مِثالَيْنِ اثْنَيْن، أَوَّلُهُما الحَرْبُ الأَميرْكِيَّةُ على فْيِتْنام التي انْتَهَتْ بَعْدَ عَشْرِ سَنَواتٍ كامِلَةٍ بِحَصيلَةِ جُثَثٍ بَلَغَتْ نَحْوَ أَكْثَرَ مِنْ مِلْيونٍ وَنِصْفِ المِلْيونِ فْيِتْنامِيٍّ، مُقابِلَ أَقَلَّ مِنْ 60 أَلْفَ قَتيلٍ مِنَ الجُنودِ الأَميرْكِيّين، وَمَعَ ذَلِكَ مُنِيَتِ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ في هَذِهِ الحَرْبِ بِهَزيمَةٍ تاريخِيَّةٍ مُذِلَّةٍ وَمُزَلْزِلَة.

لا يبدو أنّ نتيجة الحرب على إيران ستكون مختلفة كثيرًا عن الحروب الأميركية السابقة

أَمّا الحَرْبُ الثّانِيَة، فَهِيَ تِلْكَ التي شَنَّتْها الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ على العِراق، فَكانَتْ كَثيرَةَ الشَّبَهِ بِحَرْبِ فْيِتْنام، وَعلى الرَّغْمِ مِنْ قَتْلِ أَكْثَرَ مِنْ مِلْيونِ عِراقِيّ، مُقابِلَ أَقَلَّ مِنْ 5 آلافِ جُنْدِيٍّ أَميرْكِيٍّ قَتيل، فَإِنَّ النَّتيجَةَ لَمْ تَكُنْ أَقَلَّ إِذْلالًا مِمّا جَرى في فْيِتْنام، إِذْ تَرَكَتْ أَميرْكا العِراقَ مُخَرَّبًا وَمُدَمَّرًا وَواقِعًا عَمَلِيًّا في أَسْرِ إيرانَ التي تَشُنُّ عَلَيْها الآن، بِمُشارَكَةِ الكِيانِ الصُّهْيونِيّ، حَرْبًا عُدْوانِيَّةً أُخْرى وَبِمَعاييرِهِما ذَاتِها، وَلا يَبْدو في الأُفُقِ أَنَّ النَّتيجَةَ سَتَكونُ مُخْتَلِفَةً كَثيرًا عَنِ الحُروبِ الأَميرْكِيَّةِ السّابِقَة!.

هَذَا التَّشابُهُ المُذْهِلُ بَيْنَ الكِيانِ الصُّهْيونِيِّ وَأَميرْكا الذي يَبْدو أَقْرَبَ إلى التَّطابُق، لَيْسَ مُتَعَلِّقًا فَحَسْبُ بِصورَةِ النَّشْأَةِ وَإِنَّما بِتَفاقُمِ التَّوَحُّشِ مَعَ الزَّمَن، إِذْ تَبَنّى الصَّهايِنَةُ مِعْيارَ ضَخامَةِ أَكْوامِ الجُثَث، واعْتِمادَ "الإِبادَةِ البَشَرِيَّة" كَمِعْيارٍ وَحيدٍ تَقْريبًا لِلنَّصْر، والواقِعُ أَنَّ أَيَّ نَصْرٍ بِالمَعْنى السِّياسِيِّ الِاسْتراتيجِيِّ لَمْ يَتَحَقَّق، وَإِنَّما العَكْسُ تَمامًا هُوَ ما حَدَثَ وَيُؤَكِّدُ صِحَّةَ الحِكْمَةِ القائِلَةِ "إِنَّ الجَريمَةَ لا تُفيد"!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن