يَزْدادُ هَذا التَّعْقيدُ في ظِلِّ الخِطاباتِ السِّياسِيَّةِ المُتَضارِبَة، لا سِيَّما التَّصْريحاتِ الأَميرْكِيَّةِ التي تَتَراوَحُ بَيْنَ ادِّعاءِ تَحْقيقِ الِانْتِصارِ وَطَرْحِ سينارْيواتٍ مُتَبايِنَةٍ حَوْلَ مَسارِ الحَرْب. وَمَعَ ذَلِك، فَإِنَّ التَّفْكيرَ في "ما بَعْدَ الحَرْب"، يَظَلُّ ضَرورَةً تَحْليلِيَّة، نَظَرًا لِكَوْنِ هَذِهِ الحَرْبِ مُرَكَّبَةً في أَبْعادِها، وَمُمْتَدَّةً في تَأْثيراتِها الجُغْرافِيَّةِ وَالِاقْتِصادِيَّةِ وَالسِّياسِيَّةِ وَالثَّقافيةِ وَالِاجْتِماعِيَّة. كَما أَنَّ تَداعِياتِها لا تَقْتَصِرُ على إيرانَ أَوِ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة، بَل تَمْتَدُّ إلى النِّظامِ الدَّوْلِيِّ كَكُلّ، خاصَّةً في ما يَتَعَلَّقُ بِقَضايا الطّاقَةِ وَالتَّوازُناتِ الِاسْتْراتيجِيَّة.
مَفْهومُ "اليَوْمِ التّالي" أَوْ "ما بَعْدَ الحَرْب"، على الرَّغْمِ مِمّا يَبْدو عَلَيْهِ مِنْ وُضوح، يَظَلُّ إِشْكالِيًّا مِنْ حَيْثُ التَّحْديدِ العَمَلِيّ. فَحُدودُ الحَرْبِ نَفْسِها باتَتْ مُلْتَبِسَة، وَهُوَ ما أَبْرَزَتْهُ أَدَبِيّاتُ العُلومِ الِاجْتِماعِيَّةِ في تَناوُلِها لِلنِّزاعاتِ المُعاصِرَة، حَيْثُ لَمْ يَعُدِ الفَصْلُ بَيْنَ حالَتَيْ الحَرْبِ وَالسِّلْمِ أَمْرًا يَسيرًا كَما كانَ في الحُروبِ الكْلاسيكِيَّةِ التي كانَتْ تَبْدَأُ بِإِعْلانٍ رَسْمِيٍّ وَتَنْتَهي بِاتِّفاقٍ واضِحٍ. أَمّا اليَوْم، فَنَحْنُ أَمامَ حُروبٍ تَتَداخَلُ فيها المَراحِل، وَتَخْتَلِطُ فيها أَشْكالُ العُنْفِ المُباشِرِ وَغَيْرِ المُباشِر، مِمّا يَجْعَلُ تَحْديدَ نُقْطَةِ البِدايَةِ وَالنِّهايَةِ أَمْرًا إِشْكالِيًّا (الحَرْبُ على غَزَّة، نَمُوذَجًا).
الحرب الراهنة حالة ديناميكية غير ثابتة يصعب ضبط حدودها
تَبْدو هَذِهِ الحَرْبُ أَقْرَبَ إلى "حَرْبٍ مُمْتَدَّة"، ذاتِ جُذورٍ تاريخِيَّةٍ عَميقَة، تَتَجاوَزُ لَحْظَةَ المُواجَهَةِ العَسْكَرِيَّةِ المُباشِرَة. فَالهُجومُ الجَوِّيُّ الذي وَقَعَ في أَواخِرِ فِبْرايِرَ/شُباط 2026 قَدْ يُعَدُّ إِعْلانًا صَريحًا لِلحَرْب، لَكِنَّهُ لا يُمَثِّلُ بِالضَّرورَةِ نُقْطَةَ انْطِلاقِها الفِعْلِيَّة، إِذْ تَعودُ جُذورُها إلى عُقودٍ مِنَ التَّوَتُّراتِ وَالصِّراعاتِ المُعْلَنَةِ وَالخَفِيَّة، التي شَكَّلَتْ أَرْضِيَّةَ هَذا التَّصْعيد.
وَلا تَقْتَصِرُ صُعوبَةُ اسْتِشْرافِ نِهايَةِ الحَرْبِ على تَقَلُّباتِ المَيْدانِ أَوِ اخْتِلالِ مَوازينِ القُوى، بَل تَمْتَدُّ إلى إِشْكالِيَّةِ تَعْريفِ النَّصْرِ وَالهَزيمَةِ في حَدِّ ذاتِهِما. فَمَتى يُمْكِنُ اعْتِبارُ الحَرْبِ مُنْتَهِيَة؟ وَهَل يُقاسُ ذَلِكَ بِتَحْقيقِ الأَهْدافِ العَسْكَرِيَّة، أَمْ بِإِعادَةِ تَشْكيلِ التَّوازُناتِ السِّياسِيَّة؟ ثُمَّ مِنْ أَيِّ زاوِيَةٍ يُمْكِنُ تَقْييمُ ذَلِك: مِنْ مَنْظورِ إيرانَ أَمْ مِنْ مَنْظورِ التَّحَالُفِ الأَميرْكِيِّ ــ الإِسْرائيلِيّ؟.
مِنْ هَذا المُنْطَلَق، تَبْدو الحَرْبُ الرّاهِنَةُ حالَةً ديناميكِيَّةً غَيْرَ ثابِتَة، يَصْعُبُ ضَبْطُ حُدودِها أَوْ اسْتِشْرافُ نِهايَتِها بِشَكْلٍ دَقيق. كَما أَنَّ التَّبايُنَ العَميقَ في أَهْدافِ الأَطْرافِ المُتَحارِبَة، وَالتي تَقْتَرِبُ مِنَ الطّابَعِ الوُجودِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلى طَهْرانَ وَتَلْ أَبيب وَترامب الذي يَخْشى مِنَ اهْتِزازِ صورَتِهِ المُتَضَخِّمَة، يَزيدُ مِنْ تَعْقيدِ مَسْأَلَةِ الحَسْم، وَيَجْعَلُ نِهايَةَ الحَرْبِ ذاتَ دَلالاتٍ رَمْزِيَّةٍ وَسِياسِيَّةٍ تَتَجاوَزُ المَيْدانَ العَسْكَرِيّ.
أَمّا "ما بَعْدَ الحَرْب"، فَهُوَ بِدَوْرِهِ مَفْهومٌ لا يَقِلُّ غُموضًا. فَخِلافًا لِلتَّصَوُّرِ التَّقْليدِيِّ الذي يَفْتَرِضُ قَطيعَةً واضِحَةً بَيْنَ الحَرْبِ وَالسِّلْم، تُؤَكِّدُ العُلومُ الِاجْتِماعِيَّةُ على وُجودِ اسْتِمْرارِيَّةٍ بَيْنَ المَرْحَلَتَيْن. إِذْ تَسْتَمِرُّ الدّينامِيّاتُ الِاجْتِماعِيَّةُ وَالسِّياسِيَّةُ التي سَبَقَتِ الحَرْبَ في التَّأْثيرِ أَثْنَاءَها، كَما تَمْتَدُّ آثارُ الحَرْبِ وَفاعِلوها إلى مَرْحَلَةِ ما بَعْدَها. لِذَلِك، فَإِنَّ "الخُروجَ مِنَ الحَرْب" لَيْسَ لَحْظَةً فاصِلَةً بِقَدْرِ ما هُوَ مَسارٌ تَدْريجِيٌّ يَتَشَكَّلُ داخِلَ زَمَنِ الحَرْبِ نَفْسِه.
تنشأ داخل الحرب أشكال جديدة من السلطة والشرعية
في هَذا الإِطار، يُمْكِنُ القَوْلُ إِنَّ "ما بَعْدَ الحَرْب" يَتَشَكَّلُ بِالفِعْلِ في الحاضِر، مِنْ خِلالِ ما تُفْرِزُهُ الحَرْبُ مِنْ تَحَوُّلاتٍ في البُنى الِاجْتِماعِيَّةِ وَالعَلاقاتِ الدَّوْلِيَّةِ وَالثَّقَافيةِ وَالفِكْرِيَّة. فَعلى الرَّغْمِ مِنَ الدَّمارِ وَالتَّشْريدِ وَالخَسائِرِ البَشَرِيَّة، تَنْشَأُ داخِلَ الحَرْبِ أَنْماطٌ جَديدَةٌ مِنَ التَّنْظيمِ الِاجْتِماعِيّ، وَشَبَكاتُ تَضامُن، وَأَشْكالٌ جَديدَةٌ مِنَ السُّلطَةِ وَالشَّرْعِيَّة.
وَتُظْهِرُ الحالَةُ الإيرانِيَّة، في هَذا السِّياق، قُدْرَةً لافِتَةً على الصُّمود، على الرَّغْمِ مِنَ الضُّغوطِ العَسْكَرِيَّةِ وَالأَمْنِيَّة، وَالِاخْتِراقاتِ الِاسْتِخْباراتِيَّة، وَالرِّهاناتِ على انْهِيارِ الدَّوْلَةِ إِثْرَ اسْتِهْدافِ رُموزِها السِّياسِيَّةِ وَالعَسْكَرِيَّة. فَبَعْدَ أَسابيعَ مِنِ انْدِلاعِ المُواجَهَة، بَرَزَ نَوْعٌ مِنَ الِالتِفافِ المُجْتَمَعِيِّ حَوْلَ فِكْرَةِ الدِّفَاعِ عَنِ الوَطَن، وَهُوَ ما لا يَعْني بِالضَّرورَةِ تَأْييدَ السِّياساتِ الرَّسْمِيَّة، بِقَدْرِ ما يَعْكِسُ إِعادَةَ تَشَكُّلِ العَلاقَةِ بَيْنَ المُجْتَمَعِ وَالدَّوْلَةِ في سِياقِ الحَرْب.
وَقَدْ يُشَكِّلُ هَذا التَّحَوُّلُ أَحَدَ المُحَدِّداتِ الأَساسِيَّةِ لِمَرْحَلَةِ "ما بَعْدَ الحَرْب"، سَواءٌ مِنْ حَيْثُ تَعْزيزِ التَّماسُكِ الدّاخِلِيِّ أَوْ إِعادَةِ صِياغَةِ الشَّرْعِيَّةِ السِّياسِيَّة. كَما يَظَلُّ مُسْتَقْبَلُ التَّعافِيِّ الِاقْتِصادِيِّ وَالاجْتِماعِيِّ لِإيران، وَكَذَلِكَ لِدُوَلِ المِنْطَقَةِ المُتَأَثِّرَةِ مُباشَرَةً أَوْ غَيْرَ مُباشَرَةً بِالحَرْب، رَهينًا بِمَآلاتِ هَذا الصِّراع.
العلاقة بين الحرب والسّلم مسار يتشكّل تدريجيًا داخل الحرب
في المُقابِل، قَدْ تُفْرِزُ الحَرْبُ أَيْضًا إِعادَةَ تَشْكيلِ مَوازينِ القُوى الإِقْليمِيَّةِ إِذْ يُمْكِنُ أَنْ يَسْعى الكِيانُ الإِسْرائيلِيُّ إلى تَعْزيزِ مَوْقِعِهِ الِاسْتْراتيجِيِّ وَتَوْسيعِ نُفوذِه، بِما قَدْ يَنْعَكِسُ على مَساراتِ التَّطْبيعِ الإِقْلِيمِيّ، بِما في ذَلِكَ احْتِمالُ انْخِراطِ أَطْرافٍ جَديدَةٍ في تَرْتيباتٍ سِياسِيَّةٍ وَأَمْنِيَّةٍ مُوَسَّعَةٍ، وَمِنْها خاصَّةً لُبْنَان، بِالإِضافَةِ إلى تَداعِياتِها على المُجْتَمَعِ الإِسْرائيلِيِّ ذاتِه.
في المُحَصِّلَة، على الرَّغْمِ مِنْ شُيوعِ اسْتِخْدامِ مَفْهومِ "ما بَعْدَ الحَرْب"، فَإِنَّهُ يَظَلُّ مَفْهومًا إِجْرائِيًّا أَكْثَرَ مِنْهُ تَوْصيفًا دَقيقًا لِمَرْحَلَةٍ زَمَنِيَّةٍ مُحَدَّدَة. فَالأَدَبِيّاتُ الحَديثَةُ في العُلومِ الِاجْتِماعِيَّةِ تُؤَكِّدُ على اسْتِمْرارِيَّةِ العَلاقَةِ بَيْنَ الحَرْبِ وَالسِّلْم، بَدَلًا مِنَ القَطيعَةِ بَيْنَهُما بِاعْتِبارِهِ مَسارًا يَتَشَكَّلُ تَدْريجِيًّا داخِلَ الحَرْبِ ذاتِها. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ اسْتِشْرافَ مَرْحَلَةِ "ما بَعْدَ الحَرْبِ" لا يَقْتَضي انْتِظارَ نِهايَتِها، بَل يَتَطَلَّبُ تَحْليلَ التَّحَوُّلاتِ الجارِيَةِ في الحاضِر، بِاعْتِبارِها المُؤَشِّراتِ الأولى لِمُسْتَقْبَلٍ لَمْ تَتَحَدَّدْ مَعالِمُهُ بَعْد.
(خاص "عروبة 22")

