لَقَدْ أَثارَ الجَدَلُ الأَخيرُ حَوْلَ مَواقِفِ هابِرْماس مِنْ أَحْداثِ 7 أُكْتوبَر/تِشْرينِ الأَوَّل، وَخُصوصًا دِفاعُهُ عَنْ "حَقِّ إِسْرائيلَ في الدِّفاعِ عَنْ نَفْسِها"، مَوْجَةَ انْتِقاداتٍ واسِعَةٍ في الفَضاءِ العَرَبِيّ، وَصَلَتْ أَحْيانًا إلى حَدِّ القَطيعَةِ مَعَ مُجْمَلِ مَشْروعِهِ الفِكْرِيّ. غَيْرَ أَنَّ هَذَا التَّفَاعُل، على الرَّغْمِ مِنْ مَشْروعِيَّتِهِ الفِكْرِيَّة، يَكْشِفُ عَنْ نَزْعَةٍ مُقْلِقَة: اخْتِزالِ المُفَكِّرينَ في مَواقِفَ ظَرْفِيَّة، بَدَلَ التَّعامُلِ مَعَ إِرْثِهِمْ بِوَصْفِهِ مَوْرِدًا نَقْدِيًّا يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَخْدِمَهُ لِمُساءَلَتِهِم.
كانَ بِالإِمْكان، أَوْ قُلْ كانَ مِنَ الأَجْدَرِ أَنْ نَسْتَخْدِمَ هابِرْماس ضِدَّ هابِرْماس نَفْسِه، لَكِنْ داخِلَ فَضاءٍ عُمومِيٍّ حَيّ، يُشارِكُ فيهِ مُفَكِّرونَ عَرَبٌ في مُناقَشَةِ أَطْروحاتِهِ عَبْرَ الحِوارِ والتَّفاعُلِ المُباشِر، لا عَبْرَ رُدودٍ أُحادِيَّةِ الِاتِّجاه، غالِبًا ما تَكْتَفي بِتَأْكيدِ قَناعاتٍ مُسْبَقَةٍ وَتَلْبِيَةِ رَغَباتِ طَرَفٍ دونَ آخَر، سَواءُ الطَّرَفِ الهابِرْماسِيِّ أَوِ العَرَبِيِّ على حَدٍّ سَواء.
التحدي لم يعُد سياسيًا فقط بل أصبح معرفيًا في العمق
يَنْتَمي هابِرْماس إلى الجيلِ الثّاني مِنْ مَدْرَسَةِ فْرانْكْفورْت النَّقْدِيَّة، وَكانَ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ امْتِدادٍ لَها. فَبَيْنَما غَلَبَ على الجيلِ الأَوَّلِ تَشاؤُمٌ عَميقٌ تُجاهَ الحَداثَةِ والعَقْل، حاوَلَ هُوَ إِنْقاذَ فِكْرَةِ العَقْلِ مِنَ الِانْهِيار، عَبْرَ إِعادَةِ تَأْسيسِها على التَّواصُلِ بَدَلَ الهَيْمَنَة. في المُقابِل، تَشَبَّعَ الفِكْرُ العَرَبِيُّ - إلى حَدِّ التُّخْمَة - بِبَعْضِ قِراءاتِ هَذِهِ المَدْرَسَة، حَيْثُ ساهَمَتْ أَطْروحاتٌ يَسارِيَّةٌ في تَرْسيخِ رُؤْيَةٍ لِلعالَمِ تَخْتَزِلُ المُجْتَمَعاتِ في صِراعاتٍ صِفْرِيَّة، يُنْظَرُ فيها إلى الواقِعِ بِاعْتِبارِهِ ساحَةَ تَناقُضاتٍ حَتْمِيَّةٍ تَنْتَهي دائِمًا بِغَلَبَةِ طَرَفٍ على آخَر. وَهَكَذا ظَلَّ التَّفْكيرُ العَرَبِيّ، في كَثيرٍ مِنَ الأَحْيَان، أَسيرَ سُؤال: مَنْ يَنْتَصِر؟ بَدَلَ أَنْ يَسْأَل: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ نَتَفاهَم؟ وَكَيْفَ نَصِلُ إلى حُلولٍ تُرْضي الجَميع؟ وَهُنا بِالضَّبْطِ تَتَجَلّى أَهَمِّيَّةُ ما قَدَّمَهُ هابِرْماس: فَتْحُ أُفُقٍ نَظَرِيٍّ جَديدٍ يَرى أَنَّ المُشْكِلاتِ المُجْتَمَعِيَّةَ والسِّيَاسِيَّةَ لا تُحَلُّ فَقَطْ عَبْرَ الصِّراع، بَل يُمْكِنُ أَيْضًا، بَل يَجِبُ أَنْ تُدارَ عَبْرَ الحِوار، والتَّفَاوُض، والتَّفاهُمِ العَقْلانِيّ.
كانَ سُؤالُهُ بَسيطًا وَعَميقًا في آن: كَيْفَ يُمْكِنُ تَجاوُزُ إِرْثِ الأَنْظِمَةِ الشُّمولِيَّةِ في أوروبّا مِنْ دونِ التَّخَلّي عَنِ الحَداثَةِ نَفْسِها؟ جَوابُهُ لَمْ يَكُنْ في هَدْمِ العَقْل، بَل في إِعادَةِ تَعْريفِهِ بِوَصْفِهِ عَقْلًا تَواصُلِيًّا، يَقومُ على الحِوارِ والتَّبْريرِ والِاعْتِرافِ المُتَبادَل.
مِنْ هُنا، لا تُسْتَمَدُّ الشَّرْعِيَّةُ مِنَ القُوَّة، وَلا مِنَ الهُوِيَّة، وَلا مِنَ العَقيدَة، بَل مِنَ القُدْرَةِ على الإِقْناعِ داخِلَ فَضاءٍ عُمومِيٍّ حُرّ. لَكِنَّ هابِرْماس يُحَذِّرُ أَيْضًا مِنِ اخْتِزالِ الدّيموقْراطِيَّةِ في مُجَرَّدِ آلِيَّاتٍ انْتِخابِيَّة. فَالتّاريخُ الأوروبِّيُّ نَفْسُهُ يُقَدِّمُ مِثالًا صادِمًا: صُعودُ الأَنْظِمَةِ الشُّمولِيَّةِ تَمَّ عَبْرَ تَعْبِئَةٍ جَماهيرِيَّةٍ داخِلَ أُطُرٍ بَدَتْ "ديموقْراطِيَّة"، قَبْلَ أَنْ تَنْقَلِبَ إلى كَوارِثَ سِيَاسِيَّةٍ وَإِنْسانِيَّة. لِذَلِكَ يُعيدُ تَرْتيبَ العَلاقَةِ بَيْنَ النِّقاشِ والتَّصْويت: قَبْلَ أَنْ نُصَوِّت، يَجِبُ أَنْ نَتَحاوَر؛ وَقَبْلَ أَنْ نَحْتَكِمَ إلى الأَرْقام، يَجِبُ أَنْ نَحْتَكِمَ إلى الحُجَج. فَالدّيموقْراطِيَّةُ لَيْسَتْ حُكْمَ أَغْلَبِيَّةٍ صامِتَة، بَل بِناءُ إِرادَةٍ جَماعِيَّةٍ عَقْلانِيَّةٍ تَتَشَكَّلُ عَبْرَ نِقاشٍ حُرٍّ وَمُتَعَدِّد.
إِذا كانَ هابِرْماس قَدْ واجَهَ شُمولِيَّاتِ القَرْنِ العِشْرينَ في أوروبّا، فَإِنَّ العالَمَ العَرَبِيَّ يَعيشُ اليَوْمَ أَشْكالًا مُتَعَدِّدَةً مِنَ الشُّمولِيّات: سُلطَوِيّاتٍ سِياسِيَّة، تَعَصُّباتٍ دينِيَّة، نَزعاتٍ قَوْمِيَّةٍ إِقْصائِيَّة، وَحَتّى راديكالِيّاتٍ إيدْيولوجِيَّةٍ طائِفِيَّةٍ لا تَقِلُّ انْغِلاقًا وَتَدْميرًا. غَيْرَ أَنَّ التَّحَدِّيَ لَمْ يَعُدْ سِياسِيًّا فَقَط، بَل أَصْبَحَ مَعْرِفِيًّا في العُمْق.
التعليم هو الفاعل القادر على إنجاح الفضاء العمومي
في ظِلِّ التَّوَسُّعِ الْهائِلِ لِلفَضاءاتِ الرَّقْمِيَّة، لَمْ يَعُدْ "الفَضاءُ العُمومِيُّ" فَضاءً لِلنِّقاشِ العَقْلانِيّ، بَل تَحَوَّلَ - في الكَثيرِ مِنَ السِّياقاتِ العَرَبِيَّة - إلى سوقٍ فَوْضَوِيَّةٍ لِلِانْتِباه، تُديرُها خَوارِزْمِيّاتٌ لا تَبْحَثُ عَنِ الحَقيقَة، بَل عَنِ الإِثارَة. فَهِيَ تُكافِئُ المُحْتَوى الأَكْثَرَ تَطَرُّفًا، وَتَدْفَعُ النِّقاشاتِ نَحْوَ الِاسْتِقْطاب، وَتُعيدُ تَشْكيلَ الإِدْراكِ الجَماعِيِّ على أَساسِ الِانْفِعالِ لا العَقْل. وَزادَ الذَّكاءُ الِاصْطِناعِيُّ الأُمورَ بِلَّةً بِإِغْراقِ الفَضاءِ العُمومِيِّ الِافْتِراضِيِّ بِتَزْييفٍ عَميقٍ لا يُمْكِنُ إِدْراكُهُ إِلّا مِنْ قِبَلِ خَبير.
وَقَدْ بَيَّنَتْ دِراساتٌ حَديثَةٌ في عِلْمِ اجْتِماعِ المَعْرِفَة أَنَّ "تَحْريرَ سوقِ الأَفْكارِ" في البيئَةِ الرَّقْمِيَّةِ لا يُؤَدّي إلى انْتِصارِ الحَقيقَة، بَل إلى هَيْمَنَةِ ما هُوَ أَكْثَرُ جَذْبًا، حَتّى لَوْ كانَ أَقَلَّ صِدْقِيَّة. وَفي العالَمِ العَرَبِيّ، حَيْثُ تَضْعُفُ مُؤَسَّساتُ التَّحَقُّقِ المُسْتَقِلَّة، تُصْبِحُ هَذِهِ الخَوارِزْمِيّاتُ مُسَرِّعًا لِلتَّضْليل، لا مُجَرَّدَ وَسيطٍ مُحايِد. النَّتيجَةُ لَيْسَتْ فَقَطْ انْتِشارَ الأَخْبارِ الزّائِفَة، بَل تَآكُلَ الثِّقَةِ في المَعْرِفَةِ نَفْسِها: تَضْخيمٌ لِنَظَرِيّاتِ المُؤامَرَة، شَيْطَنَةٌ لِلخُصوم، وانْهِيارٌ تَدْريجِيٌّ لِفِكْرَةِ النِّقاشِ العُمومِيِّ العَقْلانِيّ.
في هَذا السِّياق، لا يَكْفي أَنْ نَدْعُوَ إلى اسْتِعادَةِ "الفَضاءِ العُمومِيِّ" بِالمَعْنى الهابِرْماسِيّ، بَل يَجِبُ أَنْ نَسْأَل: مَنْ هُوَ الفاعِلُ القادِرُ على إِنْجاحِ هَذا الفَضاء؟ وَنَعْتَقِدُ أَنَّ الجَوابَ يَبْدَأُ مِنَ التَّعْليم. فَمِنْ دونِ تَرْبِيَةٍ نَقْدِيَّةٍ حَقيقِيَّة، يَتَحَوَّلُ أَيُّ فَضاءٍ مَفْتوحٍ إلى مُجَرَّدِ امْتِدادٍ لِلفَوْضى الرَّقْمِيَّة.
الخروج من دوائر العنف يبدأ من إعادة الاعتبار للعقل
في ظِلِّ هَذَا المُناخِ الإِقْليمِيِّ المَشْحونِ بِالحُروبِ والعُنْف، حَيْثُ تَتَقَدَّمُ لُغَةُ السِّلاحِ على لُغَةِ العَقْل، وَتُخْتَزَلُ السِّياسَةُ في مَنْطِقِ القُوَّةِ والغَلَبَة، تَبْدو العَوْدَةُ إلى هابِرْماس أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ اسْتِعادَةٍ فِكْرِيَّة؛ إِنَّها حاجَةٌ أَخْلاقِيَّةٌ وَسِيَاسِيَّةٌ مُلِحَّة. فَنَحْنُ لا نَحْتاجُ هابِرْماس بِوَصْفِهِ فَيْلَسوفًا أوروبِّيّا، بَل بِوَصْفِهِ مُفَكِّرًا قَدَّمَ لَنا أَدَواتٍ لِفَهْمِ كَيْفَ يُمْكِنُ لِمُجْتَمَعاتٍ مُمَزَّقَةٍ مِثْلَ أَلمانْيا بَعْدَ هِتْلِر أَنْ تُعيدَ بِناءَ نَفْسِها على أَساسِ الحِوارِ بَدَلَ الإِقْصاء، وَعلى الحُجَّةِ بَدَلَ الرَّصاص.
في لَحْظَةٍ يَعْلو فيها الضَّجيج، وَتُسْحَقُ فيها الأَصْواتُ المُعْتَدِلَة، يُصْبِحُ التَّذْكيرُ بِقيمَةِ الفَضاءِ العُمومِيّ، وَبِأَوْلَوِيَّةِ النِّقاشِ العَقْلانِيّ، وَبِإِمْكانِيَّةِ التَّفاهُمِ حَتّى في أَحْلَكِ الظُّروف، فِعْلًا مُقاوِمًا في حَدِّ ذاتِه.
لا يُقَدِّمُ لَنا هابِرْماس حُلولًا جاهِزَةً لِأَزماتِ الشَّرْقِ الأَوْسَط، لَكِنَّهُ يُذَكِّرُنا بِشَيْءٍ أَكْثَرَ أَهَمِّيَّة: إِنَّ الخُروجَ مِنْ دَوائِرِ العُنْفِ لا يَبْدَأُ مِنْ مَوازينِ القُوَّة، بَل مِنْ إِعادَةِ الِاعْتِبارِ لِلكَلِمَة، وَلِلعَقْل، وَلِلقُدْرَةِ على أَنْ نُصْغِيَ إلى بَعْضِنا، قَبْلَ كُلِّ شَيْء.
(خاص "عروبة 22")

