المُجْتَمَعاتُ الإِنْسانِيَّةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كُتَلٍ مادِّيَّة، تَفْعَلُ انْطِلاقًا مِنْ دَوافِعِها الحَيَوِيَّةِ فَقَط (الدافِعُ الغِذائِيُّ، الدافِعُ الجِنْسِيُّ، الدافِعُ التَّمَلُّكِيُّ ...) بَل إِنَّ نُقْطَةَ الِانْطِلاقِ البَعيدَةَ إِنَّما هِيَ الأَفْكار، وَلَيْسَتْ هِيَ الأَشْياء؛ فَالأَفْكارُ هِيَ القُوى الدّافِعَةُ والحافِزَةُ والرّافِعَةُ لِلمُجْتَمَعاتِ التي تَبْتَغي خَوْضَ تَجْرِبَةٍ حَضارِيَّةٍ إِنْسانِيَّة؛ وَهَكَذا، كانَ الشَّأْنُ في تاريخِ الحَداثَةِ الغَرْبِيَّة، فَفِكْرَةُ الإِصْلاحِ الدّينِيِّ وَفِكْرَةُ النَّهْضَةِ والتَّنْويرِ وَأَفْكارُ التَّقَدُّمِ وَقيمَةُ الإِنْسان؛ هِيَ الرِّياحُ التي كانَتْ تَمْنَحُ الحَرَكَة، لِفِعْلِ التَّحْديث.
التوتّر هو سرّ تفجُّر العقل في الاكتشافات العلمية
وَإِذْ بانَتْ هَذِهِ الحَقيقَة، فَإِنَّنا نَصْرِفُ سَعْيَنا إلى أَنَّ المُجْتَمَعاتِ العَرَبِيَّةَ لا تُعاني مِنْ نَقْصٍ في الأَشْياء، فَباطِنُ الأَرْضِ وَظاهِرُها غَنِيٌّ بِالإِمْكاناتِ الحَضارِيَّة؛ كَما لا تُعاني مِنْ نَقْصٍ في عالَمِ أَشْخاصِها، فَنِسْبَةُ الشَّبابِ في العالَمِ العَرَبِيِّ والإِسْلامِيِّ نِسْبَةٌ ظاهِرَة، وَهِيَ بِخِلافِ المُجْتَمَعاتِ الغَرْبِيَّةِ حالِيًّا، التي بِسَبَبِ نِظامِ الفَرْدانِيَّةِ واكْتِساحِ أَشْكالِ ما بَعْدَ الأُسْرَةِ الإِنْسانِيَّة (المِثْلِيَّةُ وَغَيْرُها)، تَتَّجِهُ نَحْوَ الشَّيْخوخَةِ والنَّقْصِ في النَّوْع؛ فَبَقِيَ إِذَن، أَنْ نَصْرِفَ القَوْل، إلى أَنَّ جَذْرَ الخَلَلِ إِنَّما هُوَ في عالَمِ الأَفْكار، فَالإِنْسانُ لا يَعْمَلُ وِفْقَ دَوافِعِ الرَّغْبَةِ فَقَط، بَل إِنَّ سِمَةَ فِعْلِه، إِنَّما يَأْتي مِنَ العَمَل، وِفْقَ مُخَطَّطاتٍ فِكْرِيَّة، وَمَنْظوماتٍ روحِيَّة، تُحَرِّكُ الأَشْخاصَ كَيْ يَقوموا بِأَدْوارِهِمْ في البِناءِ والتَّمْكين. لِأَجَلِ ذَلِك؛ فَإِنَّ مَطْلوبَنا هُنا، فَضْلًا عَنِ الوَعْيِ بِطاقَةِ الأَفْكار، أَنَّنا نَقومُ بِرَسْمِ المَعالِمِ التي يَهْتَدي بِها الإِنْسان، في مُجْتَمَعاتِنا العَرَبِيَّةِ اليَوْم، كَيْ يَقْوى على القِيامِ والإِنْجازِ مِنْ جَديد، وهِيَ تَوالِيًا:
أَوَّلًا - الأَفْكارُ تَخْلُقُ حالَةَ التَّوَتُّر:
إِنَّ التَّوَتُّرَ الداخِلِيَّ بِسَبَبِ الأَفْكارِ التي يَتَشَرَّبُها الوَعْي، هِيَ التي تَجْعَلُهُ يُحَقِّقُ الطُّموحاتِ والإِنْجازات، أَمّا حالَةُ جُمودِ الدَّمِ والسُّكونِ النَّفْسِيِّ والرِّضا بِاليَوْمِيّ؛ فَتُعادِلُ في مَعْناها حالَةَ اللّاوُجودِ واليَأْس؛ يَقولُ مالِكُ ابْنُ نَبِيّ: "في مَجالِ الفيزْياء، مَثَلًا، لا يُمْكِنُ لِلتَّوَتُّرِ الكَهْرَبائِيِّ النّاقِصِ أَنْ يُنْتِجَ الإِضاءَة، بَل إِنَّهُ يَتَسَبَّبُ أَحْيانًا في انْطِفاءِ المِصْباح. إِذَنْ، فَلا بُدَّ مِنْ بُلوغِ نَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ القُوَّةِ المُحَرِّكَة، "Voltage" مِنْ أَجْلِ إِحْداثِ نَوْعٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الآثَار". وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ المُجْتَمَع، الذي لا يَمْلِكُ طاقَةَ التَّوَتُّر، المَكْنونَةَ في عالَمِ الأَفْكار، هُوَ مُجْتَمَعٌ تَضْعُفُ فَعّالِيَّتُهُ وَيَقِلُّ إِنْتاجُه، وَحَتّى في مَجالِ التَّفْكيرِ العِلمِيّ، يَكونُ التَّوَتُّرُ هُوَ سِرَّ تَفَجُّرِ العَقْلِ في الِاكْتِشَافَاتِ العِلْمِيَّة.
لِنَقُل إِذَنْ، بِأَنَّ إِخْلاءَ المَشاريعِ مِنْ طاقَةِ الأَفْكار، هُوَ تَهْيِئَةٌ لا تُقَدَّرُ لِلإِضْعافِ والقابِلِيَّةِ لِلهَزيمَة، وَيُؤْسِفُنا أَنْ نَقُولَ اليَوْم؛ إِنَّ الأَرْقامَ التي هِيَ تَحْتَ عُنْوان: القُوَّةُ العَرَبِيَّة، هِيَ أَكْثَرُ مِنَ الأَرْقامِ التي هِيَ تَحْتَ عُنْوان: القُوَّةُ الإِسْرائيلِيَّة، مِنْ حَيْثُ عَدَدُ الجُيوش؛ لَكِنَّ النَّتائِجَ حَجَبَتْ هَذِهِ الأَرْقام، والسَّبَبُ هُوَ اسْتِقْرارُ التَّوَتُّرِ الدّاخِلِيِّ لَدى القُوَّةِ الثّانِيَةِ وَضَعْفُهُ لَدى القُوَّةِ الأولى!.
ثانيًا - الأَفْكارُ تُظْهِرُ قُوَّةَ الِانْدِماج:
إِنَّ الأَوْطانَ كَما أَقَرَّ ذَلِكَ ابْنُ خَلْدون؛ الكَثيرَةَ العَصائِبِ والقَبائِلِ قَلَّ أَنْ تَسْتَحْكِمَ فيها الدَّوْلَة؛ وَنَحْنُ نَقُولُ قَلَّ أَنْ تَسْتَحْكِمَ المَشاريعُ الحَضارِيَّةُ البِنائِيَّة.
الخلافات الثقافية تُعطّل أيّ جهد جماعي
إِنَّ الِانْدِماجَ يُعادِلُ التَّجْسيمَ والتّأْليفَ والتَّجْميع، وَأَصْلُ هَذا، إِنَّما هُوَ وَحْدَةُ الأَفْكار، التي تَتَجَلّى في وَحْدَةِ السُّلوكِ وَوَحْدَةِ الهَدَف، والتَّعاوُنِ بَيْنَ الأَشْخاصِ لِأَجَلِ الحَرَكَةِ والإِنْجاز، لِذا تَرى خُبَراءَ الصِّراعِ الفِكْرِيِّ دَوْمًا، يَسْعَوْنَ إلى تَحْريكِ الأُطُرِ السّابِقَةِ على الوَحْدَةِ الثَّقافِيَّةِ لِلمُجْتَمَع (ثَقافاتٍ فَرْعِيَّة، أَحْداثٍ تاريخِيَّة...)، والغَرَضُ البَعيدُ إِنَّما هُوَ إِبْقاءُ المُجْتَمَعِ في تَشَتُّتٍ وَفُقْدانٍ لِنُقْطَةِ الِانْطِلاق؛ وَكَذا إِحْباطُ طُموحاتِهِ وَإِبْعادُهُ عَنِ الأَهْدافِ المُسَطَّرَة، حَيْثُ تَكونُ النَّتيجَةُ إِدامَةَ الخِلافاتِ الثَّقافِيَّة، تَعْطيلًا لِأَيِّ جُهْدٍ جَماعِيٍّ جَديد.
ثالثًا - الأَفْكارُ مِنَصَّةٌ لِلتَّوْجيه:
قَدْ تَمْتَلِكُ تَوَتُّرًا داخِلِيًّا، وَقُوَّةَ انْدِماجٍ اجْتِماعِيٍّ مُسْتَعِدَّةً لِلعَمَلِ والبِناء؛ لَكِنَّكَ إِذا فَقَدْتَ التَّوْجيهَ نَحْوَ أَهْدافٍ مَرْسومَةٍ أَوْ لَفَّها الغُموض؛ فَإِنَّكَ لَنْ تَصِلَ إلى مَطالِبِكَ وَلَوْ كانَتْ بَيْنَ يَدَيْكَ أَعْتى إِمْكاناتِ التِّقْنِيَّة؛ وَعَلَيْه، فَإِنَّ التَّوْجيهَ في حُضورِه؛ يُماثِلُ الضَّرْبَةَ التي تُوَجِّهُها طائِرَةٌ مُقاتِلَةٌ إلى هَدَفِها، فَإِنْ هِيَ انْحَرَفَتِ الضَّرْبَةُ عَنِ الهَدَف، ضاعَ الهَدَفُ أَيْضًا وَتَبَدَّد؛ وَإِنَّ الذي يُقابِلُ التَّوْجيه، إِنَّما هُوَ تَشْتيتُ القُوى وَبَعْثَرَةُ جُهودِها في اتِّجاهاتٍ مُتَناقِضَة.
توجيه الأبحاث العلمية كي تكون مؤسسات المعرفة في مسار الخادم للمشروع الوطني العام
إِنَّ التَّوْجيهَ الذي يَكونُ مَكينًا، هُوَ الذي يُوَجِّه، حَتّى طَبيعَةَ الأَبْحاثِ العِلْمِيَّةِ في الجامِعاتِ والمَراكِزِ البَحْثِيَّة، كَيْ تَكونَ مُؤَسَّساتُ المَعْرِفَةِ في مَسارِ الْخادِمِ لِلمَشْروعِ الوَطَنِيِّ الْعامّ، فَالأَخْذُ بِقِطاعاتِ المُجْتَمَعِ ضِمْنَ خَطٍّ مُتَكامِلٍ هُوَ تَسْرِيعٌ لِلفِعْلِ وارْتِفاعٌ بِالوُجودِ الِاجْتِماعِيِّ نَحْوَ مَطالِبِ الأَفْكارِ والقُوَّةِ الحَضارِيَّة.
لِنَقُل إِذَنْ، بِأَنَّ لِلأَفْكارِ لَيْسَ فَقَطْ أَجْنِحَةً لِتَطيرَ بِها كَما كانَ يَقولُ أَفْلاطون، بَل لَدَيْها طاقَةُ التَّجَلّي الحِسِّيَّة: إِنَّها توجِدُ التَّوَتُّرَ الدّاخِلِيَّ في ذاتِ الإِنْسان؛ بِوَصْفِهِ نُقْطَةَ الِانْطِلاقِ نَحْوَ الفَعّالِيَّةِ والحَرَكَة؛ والتَّوَتُّرُ بِدَوْرِه؛ هُوَ الذي يَخْلُقُ قُوَّةَ التَّأْليفِ والتَّجْميع؛ المُتَجَلِّيَةَ في التَّكَتُّلاتِ الِاجْتِماعِيَّة؛ التي تَشْتَغِلُ مِثْلَ نِظامِ الآلَةِ التَّرابُطِيِّ أَوْ مِثْلَ أَعْضاءِ الجِسْمِ الواحِد، ثُمَّ إِنَّ ذَيْنِكَ المُحَدِّدَيْن: أَيِ التَّوَتُّرَ والِانْدِماج، عِنْدَما يَجْتَمِعُ إِلَيْهِما التَّوْجيه، فَإِنَّ الثَّمَرَةَ سَتَكونَ هِيَ تَحْديدَ مَجْرى التّاريخ، نَحْوَ الأَهْدافِ المَنْشودَةِ بِمَعْزِلٍ عَنِ الإِسْرافِ في الوَقْتِ والشَّيْء.
(خاص "عروبة 22")

