بصمات

المَخْطوطاتُ العَرَبِيَّةُ والتَّحَوُّلُ الرَّقْمِيّ!

تُعتَبَرُ المَخْطوطاتُ العَرَبِيَّةُ مِن أَهَمِّ مُكَوِّناتِ التُّراثِ الإِنْسانِيّ، الذي يَشْهَدُ لأَصالَةِ العَقْلِ العَرَبِيِّ في إنْتاجِ المَعْرِفَة، وتَطْويرِ الحَضارَةِ البَشَرِيَّةِ عَبْرَ عُصورٍ طَويلةٍ ماضِيَة.

المَخْطوطاتُ العَرَبِيَّةُ والتَّحَوُّلُ الرَّقْمِيّ!

في هَذا العَصْر، تَتَصَدَّرُ هَذِهِ المَخْطوطاتُ أَوْلَوِيّاتِ جُهودِ الرَّقْمَنَةِ في إِطارِ التَّحَوُّلِ الرَّقْمِيِّ العَرَبِيِّ بِعامَّة؛ خاصَّةً أَنَّها تَرتَكِزُ على حَقائِقَ مَلْموسَةٍ وتَوَجُّهاتٍ واقِعِيَّةٍ في بُلْدانِنا، أَهَمُّها:

ــ هَذا النَّوْعُ مِنَ التَّحَوُّلِ الرَّقْمِيِّ تَحْديدًا، هو عَمَلِيَّةٌ شامِلَةٌ تَهدِفُ إلى: نَقْلِ التُّراثِ المَخْطوطِ مِن شَكْلِهِ الوَرَقِيِّ التَّقْليدِيِّ إلى بيئَةٍ رَقْمِيَّةٍ ذَكِيَّة، تَتَمَيَّزُ بِإِمْكاناتِ الحِفْظِ والإِتاحَةِ والتَّحْليلِ العِلْمِيِّ المُتَقَدِّم.

ــ تَتَوَزَّعُ المَخْطوطاتُ في أَغْلَبِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة؛ غَيْرَ أَنَّ دُوَلًا بِعَيْنِها توجَدُ فيها أَعْدادٌ كَبيرَةٌ مِنْها، مُعْظَمُها مَخْطوطاتٌ أَصْلِيَّة، مِثْلُ مِصْرَ والمَغْرِبِ وليبْيا وتونُسَ وسورْيا واليَمَنِ والعِراق. آلافُ الكُتُبِ والمُؤَلَّفاتِ المَخْطوطَةِ توجَدُ في المُؤَسَّساتِ الحُكومِيَّةِ والأَهْلِيَّة، عِلْمِيَّةً وبَحْثِيَّة، في مَكتَباتٍ وأَراشيفَ مُتَنَوِّعَة.

نحو بناء منظومة معرفية ذكية تجعل مخطوطاتنا جزءًا من فضاء رقمي قابل للبحث والتحليل

ــ هَذا إلى جانِبِ أَنَّ كَثيرًا مِنَ المَخْطوطاتِ بِحَوْزَةِ أَصْحابِها في المَكْتَباتِ الخاصَّة، والمَساجِدِ القَديمَةِ والزَّوايا، فَضْلًا عَنِ الوَثائِقِ الخَطِّيَّةِ القَديمَةِ المَوْروثَة، الَّتي تُوَثِّقُ لأَحْداثٍ ومَواقِفَ تاريخِيَّة، واجْتِماعِيَّة، وتِجارِيَّة، ودينِيَّةٍ مُخْتَلِفَة.

ــ التَّحَوُّلُ الرَّقْمِيُّ لِلمَخْطوطِ العَرَبِيّ، لا يَقْتَصِرُ على جَمْعِهِ وحِفْظِهِ ورَقْمَنَتِه، بَل يَتَّجِهُ نَحْوَ بِناءِ مَنْظومَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ ذَكِيَّةٍ، تَجْعَلُ مَخطوطاتِنا ووَثائِقَنا الخَطِّيَّةَ بِأَنواعِها جُزءًا مِن فَضاءٍ رَقْمِيٍّ يُتيحُ الوُصول، ويَكونُ قابِلًا لِلبَحْثِ والتَّحْليلِ والتَّطْويرِ العِلْمِيِّ المُسْتَمِر.

لِذلِك، يَمُرُّ التَّحَوُّلُ الرَّقْمِيُّ لِلمَخْطوطاتِ العَرَبِيَّةِ بِسَبْعِ مَراحِلَ رَئيسِيَّة:

أَوَّلًا - الحَصْرُ والفَهْرَسَةُ العِلْمِيَّة: جَمْعُ المَخْطوطاتِ وتَوْثيقُها بِشَكْلٍ عِلْمِيٍّ دَقيق، يَتَضَمَّنُ البَياناتِ التَّعْريفِيَّةَ بِالمَخْطوط.

ثانِيًا - الرَّقْمَنَة: تَحْويلُ المَخْطوطِ إلى صيغَةٍ رَقْمِيَّة، بِواسِطَةِ المَسْحِ والتَّصْويرِ عالي الدِّقَّة، أَي حِفْظُ الصُّوَرِ والمَعْلوماتِ بِكُلِّ التَّفاصيل، مَثَلًا عَبْرَ تِقْنِيَّةِ "تَنْسيقِ مِلَفِّ الصّورَةِ المَوْسومَة" (TIFF).

ثالِثًا - المُعالَجَةُ الرَّقْمِيَّةُ لِلصُّوَر: تَحْسينُ جَوْدَةِ المادَّةِ المُصَوَّرَةِ بإزالَةِ التَّشْويشِ والبُقَع، وتَصْحيحِ المَيْلِ والانْحِراف، وتَحْسينِ الوُضوح.

رابِعًا - التَّعَرُّفُ الضَّوئِيُّ إلى النُّصوص: باسْتِخدامِ تِقْنِيّاتِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ مِثْلَ: (OCR) لِلنُّصوصِ المَطبوعَة، وَ(HTR) لِلنُّصوصِ الخَطِّيَّة.

خامِسًا - بِناءُ قَواعِدِ بَياناتٍ مَعرِفِيَّة: مِنَصّاتٌ لِفَهارِسَ قابِلَةٍ لِلبَحْث، مَعَ رَبْطِ المَخْطوطاتِ بِنُسَخِها الأُخْرى، ورَبْطِ النُّصوصِ بِالمُؤَلِّفينَ والمَوْضوعات.

سادِسًا - الإتاحَةُ والنَّشْرُ الرَّقْمِيّ: تَوْفيرُ المَخْطوطاتِ لِلباحِثينَ عَبْرَ مِنَصّاتٍ مَفْتوحَةِ الوُصول، وأَدواتِ بَحْثٍ مُتَقَدِّمَةٍ داخِلَ النُّصوص، وَإِمْكانِيَّةِ المُقارَنَةِ بَيْنَ النُّسَخِ المُخْتَلِفَة.

مشروع حضاري كبير ينقل تعامل المجتمع مع تراثه وإنتاجه المعرفي من الطرق التقليدية إلى الطرق الرقمية

سابِعًا - التَّحَوُّلُ إلى مَخْطوطاتٍ ذَكِيَّة: وهو المُستَوى المُتَقَدِّمُ مِنَ الرَّقْمَنَة، ويَشْمَلُ: تَحْليلَ النُّصوصِ باسْتِخدامِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ، واسْتِخْراجَ المَفاهيمِ والمَعاني تِلْقائِيًّا، ورَبْطَ المَخْطوطاتِ بِالمَعاجِمِ وقَواعِدِ المَعْرِفَة، وبِناءَ نُظُمِ "فَهْمٍ آلِيٍّ" لِلتُّراثِ العَرَبِيّ.

كُلُّ هَذِهِ المَراحِلِ المَذكورَة، تُنُجَزُ ضِمْنَ عَمَلِيَّةِ التَّحَوُّلِ الرَّقْمِيِّ لِلمُجتَمَع، لِيَنْتَقِلَ بِتَعامُلِهِ مَعَ تُراثِهِ وإنْتاجِهِ المَعْرِفِيِّ مِنَ الطُّرُقِ التَّقْليدِيَّةِ إلى الطُّرُقِ الرَّقْمِيَّة، وهِيَ في حَقيقَتِها مَشْروعٌ حَضارِيٌّ كَبير، شامِلٌ ومُتَكامِل، وأَمامَهُ عَوائِقُ عَديدَة، يُمْكِنُ عَرْضُها كَما يَلي:

ــ عَوائِقُ تِقْنِيَّةٌ: مِنْها، صُعوبَةُ قِراءَةِ الخُطوطِ العَرَبِيَّةِ لِتَنَوُّعِها، وضَعْفِ التِّقْنِيّاتِ المُتاحَةِ خاصَّةً تِقْنِيَّةَ (OCR)، ما يَتَطَلَّبُ تَطْويرَ نَماذِجَ ذَكِيَّةٍ لِلتَّعَرُّفِ إلَيْها، واسْتِخْدامَ تِقْنِيّاتِ التَّعَلُّمِ العَميق، وتَدْريبَ النَّماذِجِ الذَّكِيَّة، وإنْشاءَ بَنْكِ بَياناتٍ لِلخُطوطِ العَرَبِيَّةِ التّاريخِيَّة، وإنْشاءَ مَشاريعَ مُتَخَصِّصَة. أَيْضًا، ضَعْفُ البُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ الرَّقْمِيَّةِ، سِيَّما أَجْهِزَةَ التَّصْويرِ الاحْتِرافِيَّة. الأَمْرُ الذي يَتَطَلَّبُ إنْشاءَ مَرْكَزٍ وَطنِيٍّ خاصٍّ بِرَقْمَنَةِ المَخْطوطاتِ بِالكامِل، واسْتِخْدامَ الحَوْسَبَةِ السَّحابِيَّةِ لِلأَرْشَفَة.

ــ عَوائِقُ عِلْمِيَّةٌ: نَقْصُ المُتَخَصِّصينَ والكَفاءاتِ الَّتي تَجْمَعُ بَيْنَ عُلومِ المَخْطوطاتِ والحاسوبِ والمَعْلومات، ما يَعْني ضَرورَةَ تَوْفيرِ هذه الخِبْراتِ الفَنِّيَّةِ مَعَ الاهْتِمامِ بِالإِنْسانِيّاتِ الرَّقْمِيَّة، وتَدْريبَ الباحِثينَ على التِّقْنِيّاتِ الرَّقْمِيَّة، وبِناءَ فِرَقٍ مُتَعَدِّدَةِ التَّخَصُّصات. خاصَّةً أَنَّ كَثيرًا مِنَ المَخْطوطاتِ غَيْرُ مُفَهرَسَةٍ بِدِقَّة، ويَصْعُبُ رَقْمَنَتُها، ما يَعْني ضَعْفَ الفَهْرَسَةِ العِلْمِيَّة، الَّتي تَحْتاجُ إلى اعْتِمادِ مَعاييرَ عالَمِيَّةٍ لِلفَهْرَسَة، وإنْشاءِ فَهارِسَ وَطَنِيَّةٍ مُوَحَّدَةٍ لِلمَخْطوطات.

ــ عَوائِقُ قانونِيَّةٌ: بَعْضُ المُؤَسَّساتِ أو الأَفرادِ يَمْنَعونَ نَشْرَ المَخْطوطات، فَيَلْزَمُ وَضْعُ سِياساتِ الوُصولِ المَفتوحِ لِلتُّراث، وإبْرامُ اتِّفاقِيّاتِ تَعاوُنٍ مَعَ المالِكين، وتَوْفيرُ نُسَخٍ رَقْمِيَّةٍ مَعَ حِفظِ الحُقوق.

ــ عَوائِقُ مالِيَّةٌ: ارْتِفاعُ تَكاليفِ الرَّقْمَنَة، التي قَد تَصِلُ إلى مَلايينِ الدّولارات، وبِالأَخَصِّ التَّصْويرُ الاحْتِرافِيُّ والتَّخْزينُ الرَّقْمِيُّ وبِناءُ المِنَصّات. فَيَلْزَمُ تَوْفيرُ التَّمْويلِ الحُكومِيِّ لِلمَشاريعِ التُّراثِيَّة، والتَّعاوُنُ مَعَ المُنَظَّماتِ الدَّوْلِيَّة، وإِطْلاقُ مَشاريعَ تَمْويلٍ بَحْثِيٍّ مُشْتَرَك.

ــ عَوائِقُ تَنظيمِيَّةٌ: تَشَتُّتُ المَخْطوطات؛ فَهِيَ غالِبًا ما تَكونُ مُوَزَّعَةً بَيْنَ المَكْتَباتِ والمَساجِدِ والزَّوايا والأَفْراد، وتوجَدُ في أَماكِنَ مُتَباعِدَةٍ جُغْرافِيًّا، كَما أَشَرْنا. فَيَلْزَمُ إنْشاءُ شَبَكَةٍ وَطَنِيَّةٍ رَقْمِيَّةٍ لِلمَخْطوطات، وتَوْحيدُ قَواعِدِ البَيانات، وأَيضًا بِناءُ مِنَصَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ لِلبَحْث.

ومِنَ الأَهَمِّيَّةِ بِمَكانٍ، تَأْسيسُ ثَقافَةٍ مُجْتَمَعِيَّةٍ لِلتَّحَوُّلِ الرَّقْمِيِّ لِلمَخْطوطاتِ العَرَبِيَّة، باعْتِبارِهِ شَرْطًا أَساسِيًّا لِنَجاحِ أَيِّ مَشْروعِ رَقْمَنَةٍ لِلتُّراث، تَتَبَنّاهُ الدَّوْلَةُ أو بَعْضُ مُؤَسَّساتِها. فَالمُشْكِلَةُ في كَثيرٍ مِنَ الأَحْيانِ لَيْسَتْ تِقْنِيَّةً فَحَسْب، بَل هِيَ ثَقافِيَّةٌ واجْتِماعِيَّةٌ أَيْضًا، لِيُمْكِنَ ضَمانُ حِمايَةِ التُّراثِ المُشَتَّتِ مِنَ الضَّياع، وتَشْجيعُ المُشارَكَةِ المُجتَمَعِيَّة، واعْتِبارُ رَقْمَنَةِ التُّراثِ مَسْؤولِيَّةً جَماعِيَّة، وجَعْلُ الرَّقْمَنَةِ قيمَةً ثَقافِيَّةً مُشتَرَكَة.

كُلّما ترسّخت الثقافة المجتمعية للرّقمنة أصبح حفظ التراث العربي ونشره أسهل وأسرع وأكثر استدامة

في ظِلِّ دَعْمِ الوُصولِ المَفْتوحِ لِلمَعْرِفَة، وإتاحَةِ التُّراثِ لِلبَحْثِ والتَّحْليلِ والمَعْرِفَةِ الإنْسانيَّةِ المُشْتَرَكَة، يَتَحَقَّقُ القَبولُ الاجْتِماعِيُّ لِفِكْرَةِ النَّشْرِ الرَّقْمِيِّ لِلتُّراث، وتَقِلُّ مُقاوَمَةُ التَّغيير، كَالخَوْفِ مِنَ التِّكْنولوجْيا أو أَيِّ إِضْرارٍ بِالمَخْطوط؛ حَيْثُ إِنَّ نَشْرَ الثَّقافَةِ الرَّقْمِيَّةِ يُساعِدُ على تَجاوُزِ مِثْلِ هَذِهِ المَخاوِف.

بِطَبيعَةِ الحال، يَرْتَبِطُ الأَمْرُ بِالتَّوْعِيَةِ الإِعْلامِيَّةِ والتَّعْليمِ والفُنونِ والآداب، وتَعْزيزِ الثِّقَةِ الاجْتِماعِيَّة، وإطلاقِ مَشاريعَ مُجْتَمَعِيَّةٍ لِلرَّقْمَنَة، مِثْلَ حَمَلاتِ تَصْويرِ المَخْطوطاتِ الخاصَّة، والمِنَصّاتِ التَّطَوُّعِيَّةِ لِفَهْرَسَةِ التُّراث، والمُسابَقاتِ الطُّلّابِيَّةِ في رَقْمَنَةِ المَخْطوطات؛ مَعَ تَأْكيدِ حِفْظِ الحُقوق، وإرْجاعِ النُّسَخِ الأَصْلِيَّةِ لأَصْحابِها، وتَوْثيقِ المِلْكِيَّة... والخُلاصَة، أَنَّهُ كُلَّما تَرَسَّخَتِ الثَّقافَةُ المُجْتَمَعِيَّةُ لِلرَّقْمَنَة، أَصْبَحَ حِفْظُ التُّراثِ العَرَبِيِّ ونَشْرُهُ أَسْهَلَ وأَسْرَعَ وأَكْثَرَ اسْتِدامَة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن