إِنَّ ما نَعْنيهِ بِالرَّأْسِمالِ الثَّقافِيّ، في هَذا السِّياق، يَتَجاوَزُ الجانِبَ المَعْرِفِيَّ وَالكَفاءاتِ العِلْمِيَّةَ، سَواءٌ على المُسْتَوى الذّاتِيِّ المُتَّصِلِ بِالتَّمَثُّلاتِ الشَّخْصِيَّةِ وَالأَنْماطِ السُّلوكِيَّةِ الفَرْدِيَّة، أَوْ على المُسْتَوى المَوْضوعِيِّ المُتَمَثِّلِ في الأَشْياءِ الثَّقافيةِ المادِّيَّةِ مِنْ كُتُبٍ وَمَكْتَباتٍ وَأَشْياءَ فَنِّيَّةٍ وَمُوسيقِيَّة، أَوْ على المُسْتَوى المُؤَسَّساتِيِّ الذي يُحيلُ إلى الشَّهاداتِ الجامِعِيَّةِ وَالأَلْقابِ العِلْمِيَّةِ التي تَحْظى بِاعْتِرافٍ رَسْمِيّ. إِذْ يَتَعَدّى كُلَّ ذَلِكَ إلى الجانِبِ الوَظيفِيِّ لِلثَّقافَةِ بِصِفَتِها آلِيَّةَ ضَبْطٍ وَتَوْجيهٍ لِلسُّلوكِ الإِنْسانِيِّ مِثْلَما خَلُصَ إلى ذَلِكَ "كليفورْد غيرْتز". وَبِهَذا المَعْنى يَتَقاطعُ الرَّأْسِمالُ الثَّقافِيُّ مَعَ الرَّأْسِمالِ الرَّمْزِيِّ بِحُكْمِ أَنَّهُما يَتَعاضَدانِ مَعًا في تَوْفيرِ فُرَصِ تَغْييرِ التَّصَوُّراتِ وَالتَّطَلُّعاتِ السّائِدَةِ نَحْوَ آفاقٍ جَديدَة.
تهميش النخب المثقّفة وتنامي ظاهرة المُدوّنين وصُنّاع المحتوى
لا نَحْتاجُ إلى إِحْصائِيّاتٍ رَسْمِيَّةٍ لِلاسْتِدْلالِ على إِهْدارِ الرَّأْسِمالِ الثَّقافِيِّ العَرَبِيّ، إِذْ يَكْفي في هَذا الصَّدَدِ العَوْدَةُ إلى نِسَبِ المُتَخَرِّجينَ وَحَمَلَةِ الشَّهاداتِ الجامِعِيَّةِ العُلْيا الذينَ يُضافونَ سَنَوِيًّا إلى قائِمَةِ المُعَطِّلينَ عَنِ العَمَل. وَالأَمْرُ لا يَخْتَلِفُ نَوْعِيًّا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ أَسْعَفَهُمُ الحَظُّ فَتَبَوَّأوا مَواقِعَ أَكاديمِيَّةً وَمِهْنِيَّةً مَرْموقَة. إِذْ يَظَلُّ تَأْثيرُ تِلْكَ النُّخَبِ المُثَقَّفَةِ هامِشِيًّا مَحْدودًا، سَواءٌ في رَسْمِ السِّياساتِ العامَّةِ أَوْ في نِقاشاتِ المَجالِ العُمومِيِّ وَجَدَلِه. فَمِنَ النّادِرِ جِدًّا أَنْ تَقَعَ دَعْوَةُ النُّخَبِ المُخْتَصَّةِ في عِلْمِ الاجْتِماعِ وَعِلْمِ النَّفْسِ وَالتّاريخِ وَالاسْتِشْرافِ على سَبيلِ المِثالِ في تِلْكَ النِّقاشات. وَيُقابِلُ تَهْميشَ تِلْكَ النُّخَبِ المُثَقَّفَةِ تَنامي ظاهِرَةِ حُضورِ المُدَوِّنينَ وَصُنّاعِ المُحْتَوى وَما يُعْرَفُ بِـ"الانستغراموز" وَ"الكرونيكور". فَهُمْ وَحْدَهُمْ مَنْ يَتَحَدَّثونَ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الرِّياضَةِ وَالفَنِّ إلى السِّياسَةِ الدّاخِلِيَّةِ وَالخارِجِيَّةِ وَعِلْمِ الفَلَكِ وَالأَجْرامِ السَّماوِيَّة!.
لا يُعَدُّ ذَلِكَ التَّمَشّي عَفَوِيًّا أَوْ وَليدَ الثَّوْرَةِ المَعْلوماتِيَّةِ وَالاتِّصالِيَّةِ التي أَتاحَتْ لِلْجَميعِ فُرَصَ الحَديثِ وَالإِفْصاحِ عَنْ مَواقِفِهِم، وَإِنَّما اقْتَرَنَ ذَلِكَ التَّحَوُّلُ الخَطيرُ في مَهامِّ المُثَقَّفِ العَرَبِيّ - مِنَ الفاعِلِيَّةِ خِلالَ عَصْرِ النَّهْضَةِ وَمَرْحَلَةِ النِّضالِ ضِدَّ الاسْتِعْمارِ إلى النُّكوصِ وَالخُمولِ وَالوَهَنِ مُنْذُ بِدايَةِ النِّصْفِ الثّاني مِنَ القَرْنِ العِشْرين - بِانْحِرافِ الدَّوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ عَنْ مَسارِها المَنْشودِ في بِناءِ دَوْلَةِ المُواطَنَةِ وَالمُؤَسَّساتِ إلى دَوْلَةِ الانْفِرادِ بِالسُّلْطَةِ وَالاسْتِئْثارِ بِها وَطاعَةِ الزَّعيمِ الأَوْحَدِ مِمّا جَعَلَ قِيَمَ الطّاعَةِ وَالوَلاءِ مَدْخَلًا أَساسِيًّا لِنَيْلِ الهَيْبَةِ وَالاعْتِرافِ وَالمَكانَةِ وَالحَظْوَة. فَتَمَّ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ إِقْصاءُ أَصْحابِ الثَّقافَةِ الجادَّةِ وَالرُّموزِ التّاريخِيَّةِ وَالثَّقافِيَّةِ شَديدَةِ الدَّلالَةِ وَالإيحاء. فَلَيْسَ صُدْفَةً إِذَنْ أَنْ يَسْتَحْوِذَ فَنّانُو الإِيقاعاتِ السَّريعَةِ وَلاعِبو كُرَةِ القَدَمِ على المَجالِ العُمومِيِّ بِما أَنَّهُمْ يُسْهِمونَ في "تَخْديرِ" الوَعْيِ وَتَأْجيلِ إِثارَةِ القَضايا الحَيَوِيَّةِ مِثْلَ التَّعْليمِ وَالتَّنْمِيَةِ وَالتَّهَرُّمِ السُّكّانِيِّ وَالتَّعَدُّدِيَّةِ إلى أَقْصى أَمَدٍ مُمْكِن.
الإنسان العربي لا يقلّ قيمةً عن غيره من الأجناس التي استطاعت الدخول في مُعترك الحضارة الحديثة والمعاصرة
لا يَحْتاجُ حُسْنُ اسْتِثْمارِ الرَّأْسِمالِ الثَّقافِيِّ إلى ضَخِّ اعْتِماداتٍ مالِيَّةٍ كُبْرى، وَإِنَّما إلى وَضْعِ اسْتراتيجِيّاتٍ طَويلَةِ المَدى تَنْتَهي بِتَكْريسِ سِياساتٍ عَمَلِيَّةٍ في ذَلِكَ الاسْتِثْمارِ النَّوْعِيّ، إِذا كانَ الرِّهانُ الحَقيقِيُّ مُتَوَجِّهًا فِعْلًا إلى تَحْريرِ الإِنْسانِ العَرَبِيِّ وَتَنْمِيَةِ مَلَكاتِهِ وَقُدُراتِه، لِأَنَّهُ لا يَقِلُّ قيمَةً أَوْ شَأْنًا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأَجْناسِ الأُخْرى التي اسْتَطاعَتْ كَسْبَ التَّحَدّي وَالدُّخولَ بِجِدِّيَّةٍ وَجَسارَةٍ في مُعْتَرَكِ الحَضارَةِ الحَديثَةِ وَالمُعاصِرَة. وَلَعَلَّ في التَّجْرِبَةِ التُّرْكِيَّةِ المُتاخِمَةِ لِلْعالَمِ العَرَبِيِّ أَقْرَبَ مِثال، إِذْ نَجَحَتِ النُّخَبُ السِّياسِيَّةُ التُّرْكِيَّةُ خِلالَ العُقودِ الأَخيرَةِ في السَّيْرِ بِتُرْكيا صَوْبَ آفاقٍ جَديدَةٍ بَعْدَ تَجاوُزِ انْقِساماتِها وَتَرْشيدِ طاقاتِها نَحْوَ قَضاياها الحَقيقِيَّة. فَصُوَرُ أَتاتورك وَتَماثيلُهُ ما زالَتْ راسِخَةً إلى اليَوْمِ على الرَّغْمِ مِنْ هَيْمَنَةِ حِزْبِ "العَدالَةِ وَالتَّنْمِيَةِ" ذي المَرْجِعِيَّةِ الإِسْلامِيَّةِ على السُّلْطَةِ مُنْذُ سَنَةِ 2002.
إِذا كانَ بَعْضُ المُحَلِّلينَ العَرَبِ يَرَوْنَ أَنَّ طَبيعَةَ أَزْمَةِ الأَقاليمِ الدّاخِلِيَّةِ أَوْ ما يُعْرَفُ بِمَناطِقِ الظِّلِّ أَوِ "الذُّلِّ" في الوَطَنِ العَرَبِيِّ اقْتِصادِيَّةٌ نَظَرًا لِغِيابِ المَشاريعِ التَّنْمَوِيَّة، فَإِنَّها في عُمْقِها أَزْمَةٌ ثَقافِيَّةٌ حَضارِيَّةٌ أَساسًا وَقَبْلَ كُلِّ شَيْء. إِذْ لَمْ تَسْعَ الدَّوْلَةُ الوَطَنِيَّةُ إلى تَطْويرِ التَّمَثُّلاتِ الاجْتِماعِيَّةِ السّائِدَةِ بِواسِطَةِ سِياساتٍ ثَقافِيَّةٍ ناهِضَة، وَإِنَّما اقْتَصَرَ الأَمْرُ على تَظاهُراتٍ اسْتِعْراضِيَّةٍ مُناسَباتِيَّةٍ مِثْلَ المَهْرَجاناتِ الصَّيْفِيَّةِ المُتَّصِلَةِ بِبَهْرَجِ الفولْكلورِ المَحَلِّيّ. وَهُوَ ما أَفْقَدَ الأُطُرَ الرَّسْمِيَّةَ مِصْداقِيَّتَها وَنَجاعَتَها. فَلَمْ يَتِمَّ تَطْويرُ الوَعْيِ الاجْتِماعِيِّ في تِلْكَ المَناطِقِ بِما يُشَجِّعُ المُسْتَثْمِرينَ وَيَسْتَقْطِبُهُم، فَتَحَوَّلَتْ إلى مَناطِقَ طارِدَةٍ لِسُكّانِها وَتَفاقَمَ نُزوحُهُمْ إلى العاصِمَةِ وَالمُدُنِ السّاحِلِيَّةِ مِثْلَما كَشَفَ عَنْهُ التَّعْدادُ السُّكّانِيُّ الأَخيرُ في تونِسَ لِسَنَةِ 2024.
(خاص "عروبة 22")

