الإِنْسانُ لا يَأْهَلُ الطَّبيعَةَ مِنْ حَيْثُ هِيَ مُكَوِّنٌ قَبْلِيٌّ لَهُ وُجودٌ سابِقٌ عَنْه، وَإِنَّما يَأْهَلُها بِاعْتِبارِها مَوْطِنًا لِلمَعاني وَفَضاءً لِدَلالاتِ الوُجود. وَعَلَيْه، فَإِنَّ أَيَّ آفَةٍ بيئِيَّةٍ تَتَثَوّى بِالضَّرورَةِ آفَةً حَضارِيَّةً تُؤَثِّرُ في عَلاقَةِ الإِنْسانِ بِالعالَمِ وَبِمَعانيهِ لِذاتِهِ وَلِلآخَر.
الدّين يجعل من فكرة المسؤولية والرقابة الذاتية تجاه البيئة أساسًا لقيمة الإنسان
لَقَدْ أَبانَتِ الأَنْثروبولوجِيَا الكْلاسِيَّةُ أَنَّ المُجْتَمَعاتِ التَّقْليدِيَّةَ لَمْ تَكُنْ تَسْتَوْعِبُ الطَّبيعَةَ بِاعْتِبارِها مَوْضوعًا خارِجِيًّا عَنِ الإِنْسان، بَلْ اعتَبَرَتْها جُزْءًا مِنْ نَسَقٍ رَمْزِيٍّ شامِلٍ تَتَفاعَلُ داخِلَهُ مُجْمَلُ العَلاقاتِ بَيْنَ الإِنْسانِ وَالأَشْيَاءِ وَالمَوْجودات. مِنْ هَذِهِ الزّاوِيَةِ يُمْكِنُ لَنا فَهْمُ المَنْزِلَةِ التي احْتَلَّتْها قيمَةُ الماءِ وَالأَرْضِ وَالثِّمارِ داخِلَ الثَّقافَةِ العَرَبِيَّةِ الإِسْلامِيَّة، لَيْسَ بِاعْتِبارِها مَوارِدَ جالِبَةً لِلنَّفْعِ أَوْ لِلزّينَة، وَإِنَّما بِوَصْفِها مُكَوِّناتٍ طَبيعِيَّةً تَطْفَحُ بِالدَّلالاتِ الرّوحِيَّةِ وَالِاجْتِماعِيَّة. لَيْسَ الماءُ مَثَلًا مَوْرِدًا لِلحَيَاةِ فَقَط، بَلْ دَليلٌ على الطَّهارَةِ وَالبَرَكَةِ وَالصَّفاء. بَيْنَما اخْتَصَّتِ الأَرْضُ بِقيمَةِ الاِسْتِخْلافِ المُرْتَبِطِ بِفِكْرَةِ الأَمانَةِ وَالمَسْؤولِيَّةِ وَلَيْسَ بِفِكْرَةِ التَّمَلُّكِ وَالِاسْتِحْواذ. وَهُنا كَما هُوَ واضِح، لا يَشْتَغِلُ الدّينُ كَنَسَقٍ عَقْدِيٍّ شَعائِرِيّ، بَل بِوَصْفِهِ نِظامًا رَمْزِيًّا يَمْنَحُ لِعَلاقَةِ الإِنْسانِ بِالطَّبيعَةِ مَعْنًى أَخْلاقِيًّا وَروحِيًّا يَجْعَلُ مِنْ فِكْرَةِ المَسْؤولِيَّةِ وَالرَّقابَةِ الذّاتِيَّةِ تُجاهَ البيئَةِ أَساسًا لِقيمَةِ الإِنْسانِ نَفْسِه.
إِنَّ فِكْرَةَ الاِسْتِخْلافِ وِفْقًا لِمُنْطَلَقِها الدّينِيِّ تَتَخَطّى مُثَبِّتَها الفِقْهِيَّ لِتَنْفَتِحَ على مُحَدِّداتٍ أَخْلاقِيَّةٍ وَأُنْطولوجِيَّةٍ واسِعَة، تَتَجاوَزُ دَلالَةَ الوُجوبِ الدّينِيِّ لِتُصْبِحَ شَرْطًا لِلوُجودِ نَفْسِهِ يُنَظِّمُ عَلاقَةَ الفَرْدِ بِالطَّبيعَةِ وَبِكائِناتِها بِمُخْتَلِفِ أَنْواعِها. هَكَذا باتَ مَفْهومُ الاِسْتِخْلافِ يُمَثِّلُ كَيْفِيَّةً خاصَّةً لِلوُجودِ الإِنْسانِيِّ يَتَقَوَّمُ بِمَفْهومٍ مُسْتَمَدٍّ مِنْه، وَهُوَ مَفْهومُ "الرِّعايَةِ" الذي يَعْني الِالتِزامَ بِالعَيْشِ الطَّبيعِيِّ في الطَّبيعَةِ مَعَ رِعايَتِها بِاعْتِبارِهِ جُزْءًا مِنْها وَعابِرًا فيها وَلَيْسَ مالِكًا مُهَيْمِنًا يَحِقُّ لَهُ العَبَثُ بِها مَتى شاء.
الاستخلاف ليس مجرّد مفهوم ديني حبيس النصوص الفقهية وإنما فلسفة للعيش في الطبيعة
بِذَلِكَ، يَضَعُ مَفْهومُ الاِسْتِخْلافِ الدّينِيُّ حُدودًا ميتافيزيقِيَّةً وَأَخْلاقِيَّةً للرغبة في تَّمَلُّكِ الطَّبِيعَةِ تَقومُ على المَسْؤولِيَّةِ وَالعَمَلِ على حِفْظِ تَوازُنِها، على عَكْسِ مَفْهومِ الاِسْتِخْلافِ بِمَعْناهُ الحَداثِيِّ الذي جَعَلَ الفَرْدَ مَرْكَزَ الكَوْنِ وَمَصْدَرَ الشَّرْعِيَّةِ المُطْلَقَةِ في اسْتِغْلالِ الطَّبيعَةِ وَاسْتِنْزافِها تَحْتَ غِطاءِ المَصالِح. فَلَمَّا ينْهى التَّصَوُّرُ الدّينِيُّ عَنِ الإِفْسادِ في الأَرْض، فَإِنَّهُ لا يُقَدِّمُ مُجَرَّدَ تَوْجيهٍ أَخْلاقِيّ، وَإِنَّما يَبْني تَصَوُّرًا إيكولوجِيًّا يَقومُ على الرِّعايَةِ وَالِاقْتِصادِ في اسْتِعْمالِ المَوارِدِ وَتَرْسيخِ شُروطِ الحَياةِ كَالمُحافَظَةِ على الماءِ وَصِيانَةِ التُّرْبَةِ وَحِمايَةِ الحَيَوان. بِهَذِهِ التَّوْصِياتِ الأَخْلاقِيَّةِ تَرْتَسِمُ مَعاني مَسْؤولِيَّةِ الإِنْسانِ في العالَم.
غَيْرَ أَنَّ السِّيَاقَ العَرَبِيَّ المُعاصِر، يَكْشِفُ أَنَّ مَفْهومَ الاِسْتِخْلافِ ظَلَّ حَبيسَ الخِطابِ الوَعْظِيِّ الدَّعَوِيّ، مِنْ دونِ أَنْ يَتَبَلْوَرَ إلى ثَقافَةٍ إيكولوجِيَّةٍ عَمَلانِيَّةٍ قابِلَةٍ لِلتَّرْجَمَةِ عَبْرَ سِياساتٍ تَرْبَوِيَّةٍ وَتَنْمَوِيَّةٍ تُعْلي مِنْ قيمَةِ المَسْؤولِيَّةِ وَالرِّعايَةِ بِمُخْتَلِفِ أَبْعادِها. وَلِذَلِك، فَإِنَّ مُمارَسَةَ الاِسْتِخْلافِ بِما يَنْبَغي أَنْ يَكونَ عَلَيْهِ تَقْتَضي تَأْويلًا مَوْضوعِيًّا مِنْ داخِلِ الحَياةِ اليَوْمِيَّةِ لِكَيْ يَكونَ دَليلًا على نَوْعٍ مِنَ السُّلوكِ الجَماعِيّ، لا يَكونُ فيهِ الاِسْتِخْلافُ مُجَرَّدَ مَفْهومٍ دينِيٍّ حَبيسَ النُّصوصِ الفِقْهِيَّة، وَإِنَّما فَلْسَفَةً لِلعَيْشِ في الطَّبيعَةِ يَكونُ مِنْ خِلالِها العالَمُ صورَةً لِتَوازُنِها وَلَيْسَ نَتيجَةً لِتَخْريبِها وَالإِفْسادِ فيها.
(خاص "عروبة 22")

