حُروبُ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ: نِهايَةُ عُصورِ الجُيوشِ التَّقْليدِيَّة!

القاهرة - أحمد أبو المعاطي

المشاركة

تَكْتُبُ آلاتُ القَتْلِ الحَديثَة، المُصَمَّمَةُ بِتَقْنِيّاتِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ، نِهايَةَ عُصورٍ ظَلَّتْ خِلالَها الجُيوشُ التَّقْليدِيَّةُ بِمَفْهومِها الكْلاسيكِيِّ تُمَثِّلُ القُوَّةَ الضّارِبَةَ لِلْعَديدِ مِنَ الدُّوَلِ حَوْلَ العالَم، قَبْلَ أَنْ تُحَوِّلَها الحُروبُ الحَديثَةُ إلى أَثَرٍ بَعْدَ عَيْن.

حُروبُ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ: نِهايَةُ عُصورِ الجُيوشِ التَّقْليدِيَّة!

تُجَسِّدُ الدّْروناتُ الحَديثَةُ وَغَيْرُها مِنَ الآلِيّاتِ العَسْكَرِيَّةِ المُوَلَّدَةِ بِالذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ، مَفْهومَ القُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ في العَصْرِ الحالِيّ، الذي أَصْبَحَتْ فيهِ تِقْنِيّاتُ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ بِمَثابَةِ القائِدِ العَسْكَرِيِّ الأبْرَز، بِما تَمْلِكُهُ مِنْ قُدُراتٍ غَيْرِ مَحْدودَةٍ على تَحْديدِ الثَّغَراتِ واخْتِراقِها، وَهُوَ الأمْرُ الذي يُحَوِّلُ تِلْكَ التِّقْنِيّاتِ لَدى الغالِبِيَّةِ العُظْمى مِنْ بُلْدانِ عالَمِنا العَرَبِيّ، مِنْ مَجَرَّدِ رَفاهِيَّةٍ تِقْنِيَّة، إلى رَكيزَةٍ أَساسِيَّةٍ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَيْها الأمْنُ القَوْمِيُّ العَرَبِيّ، في مُواجَهَةِ ما يُحيطُهُ مِنْ أَخْطارٍ وَتَحَدِّيات.

مُنْذُ سَنَواتٍ وَمَفْهومُ "الجَيْشِ الذَّكِيِّ الصَّغير"، يَتَصَدَّرُ العَديدَ مِنَ الدِّراساتِ الحَديثَةِ المُتَخَصِّصَةِ في العُلومِ العَسْكَرِيَّة، وَهُوَ ذَلِكَ الجَيْشُ الذي لا يَعْتَمِدُ على كَثْرَةِ عَدَدِ الجُنودِ والآلِيّاتِ العَسْكَرِيَّةِ التَّقْليدِيَّة، بِقَدْرِ ما يَعْتَمِدُ على دَمْجِ الأنْظِمَةِ الذَّكِيَّةِ والمُتَطَوِّرَةِ في بُنْيَتِهِ العَسْكَرِيَّة، وَهُوَ الأمْرُ الذي لَعِبَ دَوْرًا كَبيرًا في اتِّجاهِ العَديدِ مِنْ بُلْدانِ العالَمِ إلى تَقْليصِ حَجْمِ قُوّاتِها المُسَلَّحَة، والتَّرْكيزِ على تَطْويرِ التَّسْليحِ والقُدُراتِ التِّكْنولوجِيَّة، بِهَدَفِ بِناءِ قُوّاتٍ أَكْثَرَ مَرونَةً وَسُرْعَةً في الاسْتِجابَة، عَبْرَ تِقْنِيّاتِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ، التي لَعِبَتْ دَوْرًا كَبِيرًا في تَغْييرِ مَفْهومِ التَّسْليحِ على نَحْوٍ جَذْرِيٍّ، بَعْدَ ظُهورِ ما يُعْرَفُ بِـ"الأسْلِحَةِ ذاتِيَّةِ التَّشْغيل"، لِلْدَّرَجَةِ التي يُمْكِنُ مَعَها مُسْتَقْبَلًا، حَسْبَما يَقولُ الدُّكْتورُ حُسَيْن حَنَفي عُمَر، أُسْتاذُ القانونِ الدَّوْلِيِّ العامِّ في كُلِّيَّةِ الحُقوقِ بِجامِعَةِ بَنْها، الاسْتِغْناءَ عَنِ الإِنْسانِ تَدْريجِيًّا في المَجالِ العَسْكَرِيّ، على نَحْوٍ لَنْ يُغَيِّرَ فَحَسْبُ مِنْ مَفاهيمِ القُوَّة، وَإِنَّما أَيْضًا مِنْ طَبيعَةِ النِّزاعاتِ والحُروبِ التي باتَتْ تَتَّسِمُ بِقُدُراتٍ تَدْميرِيَّةٍ كَبيرَة، تَصِلُ حَدَّ الإِبادَةِ الجَماعِيَّة.

تَتَّسِمُ الجُيوشُ الحَديثَة، بِصِغَرِ حَجْمِها النِّسْبِيِّ مُقارَنَةً بِالجُيُوشِ التَّقْليدِيَّة، لَكِنَّها تُعَوِّضُ ذَلِكَ بِدَمْجِ التِّقْنِياتِ المُتَقَدِّمَةِ مِثْلَ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيِّ وَتَحْليلِ البَياناتِ الضَّخْمَة، إلى جانِبِ الرّوبوتاتِ والحَوْسَبَةِ السَّحابِيَّة، حَيْثُ تَعْمَلُ تِلْكَ العَناصِرُ في تَكامُلٍ تِكْنولوجِيّ، يُؤَدّي إلى رَفْعِ كَفاءَةِ القُوّاتِ إلى أَقْصى حَدٍّ مُمْكِن، على نَحْوٍ يُمَكِّنُها مِنْ تَحْقيقِ تَفَوُّقٍ نَوْعِيٍّ في مَجالِ المَعْرَكَة، مَعَ الحِفاظِ على انْخِفاضِ التَّكاليفِ العامَّة، مِنْ خِلالِ الاعْتِمادِ على قُدْرَةٍ تِكْنولوجِيَّةٍ مُتَطَوِّرَةٍ قادِرَة، حَسْبَما تَقولُ الدُّكْتورَة رَشا عَطْوَة، أُسْتاذَةُ العُلومِ السِّياسِيَّةِ في كُلِّيَّةِ التِّجارَةِ بِجامِعَةِ قَناةِ السُّوَيْس، على إِحْداثِ التَّأْثيرِ المُسْتَهْدَف، عَبْرَ اعْتِمادِها على السُّرْعَةِ في جَميعِ مَراحِلِ العَمَلِ العَسْكَرِيّ، إلى جانِبِ ضَمانِ السَّيْطَرَةِ على العَمَلِيّات، سَواءً على الأرْض، أَوْ في مَجالِ الإِشاراتِ اللّاسِلْكِيَّةِ والبُنْيَةِ الأساسِيَّةِ لِلاتِّصالات.

تَتَصَدَّرُ المُسَيَّراتُ (Drones) قائِمَةَ الأسْلِحَةِ في الجُيوشِ الحَديثَة، نَظَرًا لِما تَمْتَلِكُهُ مِنْ إِمْكانات، فَهِيَ مِنْ جِهَةٍ لا تَحْتاجُ إلى مَطاراتٍ مُجَهَّزَةٍ لِلإِقْلاعِ والهُبوط، إلى جانِبِ ما تَتَمَيَّزُ بِهِ مِنْ انْخِفاضِ كُلْفَةِ الإِنْتاج، فَضْلًا عَنْ قُدْرَتِها على الطَّيَرانِ بِسُرْعاتٍ كَبيرَةٍ وَلِمَسافاتٍ أَطْوَل، وَهُوَ ما يَجْعَلُها تُمَثِّلُ عُنْصُرًا رَئيسِيًّا مِنَ العَناصِرِ المُؤَسِّسَةِ لِما يُعْرَفُ بِـ"الجَيْشِ الذَّكِيِّ الصَّغِير" (Smart Small Army)، حَيْثُ تَكْمُنُ قُوَّةُ هَذَا النَّموذَجِ في اعْتِمادِهِ على العَديدِ مِنَ الأنْظِمَةِ المُتَطَوِّرَةِ مِثْلَ الطّائِراتِ الشَّبَحِيَّةِ وَأَنْظِمَةِ الصَّواريخِ الذَّكِيَّةِ بَعيدَةِ المَدى، إلى جانِبِ الأَقْمارِ الاصْطِناعِيَّةِ العَسْكَرِيَّةِ مُتَعَدِّدَةِ الأَطْياف، القادِرَةِ على تَوْفيرِ قُدُراتٍ اسْتِخْباراتِيَّةٍ وَهُجومِيَّةٍ غَيْرِ مَسْبوقَة، وَهُوَ ما يُتيحُ قُوَّةَ نيرانٍ دَقيقَةً وَمَرِنَة، فَضْلًا عَنِ الاسْتِجابَةِ بِفاعِلِيَّةٍ لأيِّ تَهْديداتٍ مُفاجِئَة، عَبْرَ تَقْنِيّاتِ الاسْتِشْعارِ عَنْ بُعْد، والحُروبِ السّيبْرانِيَّةِ إِذا ما اسْتَدْعى الامْرُ ذَلِك، على نَحْوِ ما جَرى خِلالَ الحَرْبِ الأَميرْكِيَّةِ - الإِسْرائيلِيَّةِ الأَخيرَةِ على إِيران، التي شَهِدَتْ وفْقَ تَعْبيرِ الدُّكْتورَة وَلاء عَبد المَرْضي، الباحِثَةُ بِوَحْدَةِ الدِّراساتِ الإِسْرائيلِيَّةِ في مَرْكَزِ الدِّراساتِ الاسْتراتيجِيَّةِ وَتَنْمِيَةِ القِيَم، "مُفاجآتٍ مُدَوِّيَة"، بَعْدَما واجَهَتِ البُنْيَةُ التَّحْتِيَّةُ الإِسْرائيلِيَّة، سَيْلًا مِنَ الهَجَماتِ السّيبْرانِيَّةِ الإِيرانِيَّة، وَصَلَتْ إلى عُمْقِ الأَنْظِمَةِ الحَيَوِيَّةِ داخِلَ الكِيان، عَبْرَ سِلْسِلَةٍ مِنَ العَمَلِيّاتِ اسْتَهْدَفَتْ عَصَبَ الحَياةِ اليَوْمِيَّة.

وفي خِضَمِّ النُّسَخِ الجَديدَةِ مِنَ الحُروبِ الحَديثَة، تَقِفُ الجُيوشُ العَرَبِيَّةُ في مُواجَهَةِ تَحَدِّياتٍ كُبْرى تَتَطَلَّبُ المُضِيَّ قُدُمًا في إِجْراءِ تَحَوُّلاتٍ جَذْرِيَّةٍ في بُنْيَتِها الرَّئيسِيَّة، بِدْءًا مِنْ أَعْدادِ الجُنودِ وَلَيْسَ انْتِهاءً بِتَطْويرٍ شامِلٍ لِلآلِيّاتِ والمُعِدّات، التي أَصْبَحَتِ السِّلاحَ النّاجِزَ في العَديدِ مِنَ الحُروبِ السَّريعَة، التي تَحَوَّلَ فيها الجُنْدِيُّ إلى جُزْءٍ مِنْ مَنْظومَةٍ مُتَكامِلَة، تَجْمَعُ بَيْنَ القُدُراتِ البَشَرِيَّةِ والآلِيَّةِ المُتَطَوِّرَة، وَلا بَديلَ هُنا عَنِ المَزيدِ مِنَ التَّدْرِيبِ على الحُروبِ الإِلِكْتْرونِيَّةِ الحَديثَة، التي يَتَواصَلُ تَطْويرُها على مَدارِ السّاعَة.

وَيَقولُ "مَعْهَدُ ماساتْشُوسِتْسِ لِلتِّكْنولوجْيا المُتَقَدِّمَةِ" إِنَّ نَحْوَ 65% مِنَ الهَجَماتِ الإِلِكْتْرونِيَّةِ المُتَوَقَّعَةِ حَتّى عامِ 2030، سَوْفَ تَسْتَهْدِفُ على وَجْهِ التَّحْدِيدِ أَنْظِمَةَ الطّائِراتِ المُسَيَّرَة، مِنْ خِلالِ اعْتِراضِ إِشاراتِ الـ"GPS" التي تَعْتَمِدُ عَلَيْها تِلْكَ الطّائِراتُ وَتَزْويرِها، والعَمَلِ على اخْتِراقِ قَنَواتِ التَّحَكُّمِ فيها، عَبْرَ عَمَلِيّاتِ تَشْويشٍ ذَكِيّ، تُحَيِّدُ تِلْكَ القَنابِلَ الطائِرَة، وَتَحُدُّ مِنْ قُوَّتِها الضَّارِبَة.

وَيَرى الكَثيرُ مِنَ الخُبَراءِ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ أَمامَ العَرَبِ بَديلٌ في مُواجَهَةِ تِلْكَ التَّحَوُّلاتِ الكُبْرى، سِوى تَكْثيفِ الاسْتِثْماراتِ المُخَصَّصَةِ لِلْبَحْثِ والتَّطْويرِ في مَجالاتِ الأَسْلِحَةِ الذَّكِيَّة، بِالتَّزامُنِ مَعَ تَكْثيفِ بَرامِجِ التَّدْريبِ على الاسْتِخْدامِ الفَعّالِ لِلتِّكْنولوجْيا الحَديثَة، وَتَعْزيزِ أَمانِ الأَنْظِمَةِ العَسْكَرِيَّةِ الرَّقْمِيَّة، والعَمَلِ على إِعادَةِ هَيْكَلَةِ بُنْيَتِها التَّنْظيمِيَّةِ بِاسْتِمْرار، لِمُواكَبَةِ التَّحَدِّياتِ التي تَفْرِضُها حُروبُ العَصْرِ الحَديثِ الذَّكِيَّةِ والهَجينَة.Haut du formulaire

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن