تقدير موقف

الصَّواريخُ الباليستِيَّة: بَيْنَ الرَّدْعِ غَيْرِ المُتَكافِئِ واخْتِبارِ الفاعِلِيَّةِ العَمَلِيّاتِيَّة!

إِذا كانَ البَرْنامجُ النَّوَوِيُّ يُمَثِّلُ الغُموضَ الاسْتراتيجِيَّ في العَقيدَةِ الإيرانِيَّة، فَإِنَّ الصَّواريخَ الباليستِيَّةَ تُمَثِّلُ وَجْهَها الأَكْثَرَ وُضوحًا. فَهِيَ الأَداةُ الَّتي تَطْرَحُها طَهْرانُ بِاعْتِبارِها إِحْدى رَكائِزِ أَمْنِها القَوْمِيّ، في بيئَةٍ إِقْليمِيَّةٍ تَتَفَوَّقُ فيها إِسْرائيلُ جَوِّيًّا وَتَنْتَشِرُ فيها القَواعِدُ الأَميرْكِيَّة. وَفي ظِلِّ هذا الاخْتِلال، اتَّجَهَتْ إِيرانُ إلى بِناءِ قُدْرَةٍ صاروخِيَّةٍ تُعَوِّضُ قُصورَ القُوَّةِ الجَوِّيَّةِ وَتَمْنَحُها أَداةَ رَدْعٍ رَئيسِيَّة، وَإِنْ ظَلَّتْ فَعّالِيَّتُها الفِعْلِيَّةُ خاضِعَةً لاخْتِباراتٍ مَيْدانِيَّةٍ مُتَغَيِّرَة.

الصَّواريخُ الباليستِيَّة: بَيْنَ الرَّدْعِ غَيْرِ المُتَكافِئِ واخْتِبارِ الفاعِلِيَّةِ العَمَلِيّاتِيَّة!

تَعودُ الجُذورُ العَميقَةُ لِلعَقيدَةِ الصّاروخِيَّةِ الإيرانِيَّةِ إلى الحَرْبِ العِراقِيَّةِ - الإيرانِيَّة، وَلا سِيَّما "حَرْبِ المُدُنِ" الَّتي تَعَرَّضَتْ خِلالَها المَراكِزُ الحَضَرِيَّةُ الإيرانِيَّةُ لِقَصْفٍ صاروخِيٍّ تَرَكَ أَثَرًا نَفْسِيًّا وَاسْتراتيجِيًّا بالِغًا. وَمِنْ هذِهِ التَّجْرِبَةِ تَرَسَّخَ في التَّفْكيرِ الإيرانِيِّ إِدْراكٌ بِأَنَّ حِمايَةَ العُمْقِ الوَطَنِيِّ لا تَتَحَقَّقُ بِالدِّفاعِ وَحْدَه، بَلْ بِامْتِلاكِ قُدْرَةٍ هُجومِيَّةٍ تَرْفَعُ كُلْفَةَ الاسْتِهْدافِ وَتَفْرِضُ رَدْعًا مُقابِلًا. لِذلِك، شَرَعَتْ إِيرانُ مُنْذُ أَواخِرِ الثَّمانينِيّاتِ في بِناءِ بَرْنامجٍ صاروخِيٍّ تَطَوَّرَ مِنْ نَقْلِ التِّكْنولوجْيا إلى التَّصْنيعِ المَحَلِّيِّ وَالاسْتِقْلالِيَّةِ العَسْكَرِيَّة.

فعالية الردع لا تُقاس بامتلاك الصواريخ وحده بل بقدرتها على اختراق الدفاعات الجوية وتحقيق إصابات استراتيجية

تَشَكَّلَ هذا الخِيارُ في ظِلِّ اخْتِلالٍ واضِحٍ في ميزانِ القُوَّةِ الجَوِّيَّة؛ فَسِلاحُ الجَوِّ الإيرانِيُّ لا يَزالُ يُعاني قُصورًا في التَّحْديثِ مُقارَنَةً بِالتَّفَوُّقِ الإِسْرائيلِيِّ المَدْعومِ أَميرْكِيًّا في الطَّيَرانِ وَالتَّسْليحِ وَالاسْتِخْبارات. وَمَعَ الكُلْفَةِ الباهِظَةِ لِبِناءِ قُوَّةٍ جَوِّيَّةٍ مُنافِسَة، بَرَزَ الخِيارُ الصّاروخِيُّ بِاعْتِبارِهِ المَسارَ الأَكْثَرَ اتِّساقًا مَعَ مَنْطِقِ الرَّدْعِ غَيْرِ المُتَكافِئ، لِما يُوَفِّرُهُ مِنْ كُلْفَةٍ أَقَل، وَمُرونَةٍ تَشْغيلِيَّةٍ أَكْبَر، مَعَ القُدْرَةِ على التَّأْثيرِ مِنْ دونِ فَرْضِ سَيْطَرَةٍ جَوِّيَّةٍ مُباشِرَة. وَهكَذا أَعادَتْ إِيرانُ تَعْريفَ مَيْدانِ المُواجَهَةِ بِنَقْلِ الصِّراعِ إلى ساحَةٍ تَرى أَنَّها قادِرَةٌ فيها على فَرْضِ كُلْفَةٍ اسْتراتيجِيَّة، وَإِنْ كانَتْ هذِهِ القُدْرَةُ غَيْرَ مُطْلَقَة.

مِنَ الكَمِّ إلى الدِّقَّة: تَطَوُّرُ فَلْسَفَةِ الرَّدْعِ الصّاروخِيّ

لَمْ يَبْقَ البَرْنامجُ الصّاروخِيُّ الإيرانِيُّ أَسيرَ مَنْطِقِ العَدَدِ وَالمَدى، بَلْ تَطَوَّرَ نَحْوَ قُدْرَةٍ أَكْثَرَ تَعْقيدًا تَرْتَكِزُ على الدِّقَّةِ وَالفاعِلِيَّةِ العَمَلِيّاتِيَّة. فَمَعَ الانْتِقالِ إلى مَنْظوماتٍ مِثْلَ "سِجّيل" وَ"عِماد" وَ"قَدْر" وَ"خُرَّمْشَهْر"، اتَّسَعَ نِطاقُ الرَّدْعِ الإيرانِيِّ على المُسْتَوى الإِقْليمِيّ، كَما عَزَّزَ تَطْويرُ أَنْظِمَةِ التَّوْجيهِ قُدْرَةَ بَعْضِ المَنْظوماتِ على التَّحَوُّلِ مِنْ أَدَواتِ رَدْعٍ رَمْزِيَّةٍ إلى أَدَواتِ تَهْديدٍ عَمَلِيّاتِيّ.

غَيْرَ أَنَّ الاخْتِباراتِ المَيْدانِيَّةَ الحَديثَةَ أَظْهَرَتْ أَنَّ فَعّالِيَّةَ الرَّدْعِ لا تُقاسُ بِامْتِلاكِ الصَّواريخِ وَحْدَه، بَلْ بِقُدْرَتِها على اخْتِراقِ الدِّفاعاتِ الجَوِّيَّةِ وَتَحْقيقِ إِصاباتٍ اسْتراتيجِيَّةٍ مُؤَثِّرَة. كَما كَشَفَتِ المُواجَهاتُ المُباشِرَةُ الأَخيرَةُ أَنَّ الدِّقَّةَ التِّقْنِيَّةَ وَحْدَها لا تَكْفي، إِذْ تَرْتَبِطُ الفاعِلِيَّةُ أَيْضًا بِقُدْرَةِ المُهاجِمِ على اسْتِنْزافِ مَنْظوماتِ الاعْتِراضِ ضِمْنَ مَعْرَكَةٍ زَمَنِيَّةٍ وَمادِّيَّةٍ مُعَقَّدَة. وَبِذلِكَ انْتَقَلَ النِّقاشُ مِنْ سُؤالِ الامْتِلاكِ إلى سُؤالِ الفاعِلِيَّةِ العَمَلِيّاتِيَّةِ الفِعْلِيَّة.

الارْتِباطُ بِالاسْتراتيجِيَّةِ الإِقْلِيمِيَّة

لا يُفْهَمُ البَرْنامجُ الصّاروخِيُّ الإيرانِيُّ بِمَعْزِلٍ عَنْ بُنْيَتِهِ الإِقْليمِيَّة، حَيْثُ يَرْتَبِطُ بِشَبَكَةٍ مِنَ الحُلَفاءِ وَالقُوى المُتَحالِفَةِ الَّتي تَمْتَلِكُ قُدُراتٍ عَسْكَرِيَّةً وَصاروخِيَّةً بِدَرَجاتٍ مُتَفاوِتَة. غَيْرَ أَنَّ فَعّالِيَّةَ هذا الامْتِدادِ لَمْ تَعُدْ ثابِتَةً كَما كانَت، إِذْ تَعَرَّضَتْ أَذْرُعٌ حَليفَةٌ لاسْتِنْزافٍ واضِح، بَيْنَما احْتَفَظَتْ ساحاتٌ أُخْرى بِقُدْرَتِها على الإِزْعاجِ العَمَلِيّاتِيّ، بِما يَجْعَلُ الرَّدْعَ الشَّبَكِيَّ الإيرانِيَّ أَكْثَرَ تَفاوُتًا مِنْ صورَتِهِ النَّظَرِيَّة. وَمَعَ ذلِك، تَظَلُّ هذِهِ البُنْيَةُ عامِلًا في تَعْقيدِ حِساباتِ الخُصومِ وَتَوْسيعِ نِطاقِ أَيِّ مُواجَهَةٍ مُحْتَمَلَة.

الفصل الذي حاولت إيران ترسيخه بين البرنامج الصاروخي والملف النووي أصبح أقل وضوحًا

احْتَفَظَ البَرْنامجُ الصّاروخِيُّ بِمَكانَةٍ خاصَّةٍ في العَقيدَةِ الأَمْنِيَّةِ الإيرانِيَّةِ بِاعْتِبارِهِ جُزْءًا مِنَ السِّيادَةِ الدِّفاعِيَّة، وَهُوَ ما يُفَسِّرُ رَفْضَ طَهْرانَ إِدْخالَهُ بِسُهولَةٍ في مَساراتِ التَّفاوُض. غَيْرَ أَنَّ الفَصْلَ الَّذي حاوَلَتْ إيرانُ تَرْسيخَهُ بَيْنَ البَرْنامجِ الصّاروخِيِّ وَالمِلَفِّ النَّوَوِيِّ أَصْبَحَ أَقَلَّ وُضوحًا، مَعَ تَنامي النَّظَرِ الغَرْبِيِّ وَالإِقْليمِيِّ إلى الصَّواريخِ بِاعْتِبارِها جُزْءًا مِنْ مُعادَلَةِ التَّهْديدِ الأَوْسَع. وَهُنا تَتَشَكَّلُ مُعْضِلَةُ الإِدْراكِ الأَمْنِيّ؛ فَبَيْنَما تَرى إيرانُ في هذِهِ التُّرْسانَةِ ضَمانَةً لِلبَقاء، يَنْظُرُ خُصومُها إِلَيْها على أَنَّها عُنْصُرٌ يُفاقِمُ التَّهْديدَ وَيُعيدُ تَشْكيلَ التَّوازُناتِ الإِقْلِيمِيَّة.

بَيْنَ الرَّدْعِ وَالتَّصْعيد

شَهِدَ البَرْنامجُ الصّاروخِيُّ الإيرانِيُّ خِلالَ السَّنواتِ الأَخيرَةِ انْتِقالًا مِنْ إِطارِ البِناءِ النَّظَرِيِّ إلى حَيِّزِ الاخْتِبارِ العَمَلِيّ، مَعَ اسْتِخْدامِ الصَّواريخِ في رَسائِلَ رَدْعِيَّةٍ مُباشِرَةٍ وَغَيْرِ مُباشِرَةٍ هَدَفَتْ إلى إِظْهارِ الجاهِزِيَّةِ العَسْكَرِيَّةِ وَتَثْبيتِ مُعادَلَةِ الرَّدِّ بِالمِثْلِ ضِمْنَ سَقْفٍ مَحْسوبٍ لِلتَّصْعيد.

وَشَكَّلَتِ المُواجَهاتُ المُباشِرَةُ الأَخيرَةُ لَحْظَةً مِفْصَلِيَّةً في هذا المَسار، إِذْ كَشَفَتْ عَنْ وَجْهَيْنِ مُتَناقِضَيْنِ في آنٍ واحِد. فَمِنْ جِهَةٍ، مَثَّلَتْ تَحَوُّلًا سِياسِيًّا - اسْتراتيجِيًّا مُهِمًّا، بَعْدَما انْتَقَلَتْ إيرانُ مِنْ مَنْطِقِ الرَّدْعِ غَيْرِ المُباشِرِ عَبْرَ الحُلَفاءِ وَالوُكَلاءِ إلى تَوْجيهِ رِسالَةٍ رَدْعِيَّةٍ مُباشِرَةٍ على مُسْتَوى الدَّوْلَة، مِمّا كَسَرَ أَحَدَ المَحْظوراتِ التَّقْليدِيَّةِ في قَواعِدِ الاشْتِباكِ الإِقْليمِيَّة. وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرى، أَظْهَرَتْ هذِهِ المُواجَهاتُ أَنَّ تَحْويلَ القُدْرَةِ الصّاروخِيَّةِ إلى تَأْثيرٍ اسْتراتيجِيٍّ فِعْلِيٍّ يَظَلُّ مَرْهونًا بِبيئَةِ المُواجَهَةِ وَطَبيعَةِ التَّوازُنِ الدِّفاعِيِّ القائِم.

جوهر الردع الحديث يكمن في إقناع الخصم بأنّ كلفة المواجهة أعلى من كلفة تجنّبها

وَبِذلِك، لَمْ يَكُنِ الحَدَثُ تَعْبيرًا عَنْ نَجاحٍ مُطْلَقٍ أَوْ إِخْفاقٍ كامِل، بَلْ كَشَفَ عَنْ تَعْقيدِ العَلاقَةِ بَيْنَ الرَّمْزِيَّةِ السِّياسِيَّةِ وَالفاعِلِيَّةِ العَسْكَرِيَّةِ في مُعادَلَةِ الرَّدْعِ المُعاصِرَة، كَما أَعادَ إلى الوِاجَهَةِ النِّقاشَ حَوْلَ خِياراتِ الاحْتِواءِ وَالضَّرَباتِ الاسْتِباقِيَّةِ في بيئَةٍ إِقْليمِيَّةٍ شَديدَةِ الحَساسِيَّةِ وَسَريعَةِ الاشْتِعال.

تَقومُ العَقيدَةُ الدِّفاعِيَّةُ الإيرانِيَّةُ اليَوْمَ عَلى تَشابُكِ المِلَفِّ النَّوَوِيِّ مَعَ التُّرْسانَةِ الصّاروخِيَّة، الَّتي تُشَكِّلُ أَداةً مَرْكَزِيَّةً في إِدارَةِ الأَمْنِ الاسْتراتيجِيِّ وَالتَّعامُلِ مَعَ الضُّغوطِ الخارِجِيَّة. غَيْرَ أَنَّ السُّؤالَ المَرْكَزِيَّ اليَوْمَ لَمْ يَعُدْ ما إِذا كانَتْ إِيرانُ تَمْتَلِكُ قُدْرَةً صاروخِيَّةً مُؤَثِّرَة، بَلْ ما إِذا كانَتْ هذِهِ القُدْرَةُ قادِرَةً على الحِفاظِ على صِدْقِيَّتِها الرَّدْعِيَّةِ في بيئَةٍ تَتَكامَلُ فيها الدِّفاعاتُ الجَوِّيَّةُ مُتَعَدِّدَةُ الطَّبَقات، وَالاسْتِخْباراتُ الدَّقيقَة، وَخِياراتُ الضَّرَباتِ الوِقائِيَّة، وَاخْتِبارُ قُدْرَةِ البُنْيَةِ الصّاروخِيَّةِ نَفْسِها على الصُّمودِ تَحْتَ ضَغْطِ الاسْتِنْزاف. فَجَوْهَرُ الرَّدْعِ الحَديثِ لا يَكْمُنُ في امْتِلاكِ وَسيلَةِ الهُجومِ وَحْدَها، بَلْ في إِقْناعِ الخَصْمِ بِأَنَّ كُلْفَةَ المُواجَهَةِ سَتَظَلُّ أَعْلى مِنْ كُلْفَةِ تَجَنُّبِها!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن