لم يكن اعتراف المستشار الألماني فريدريتش ميرتس في منتصف شهر يونيو من العام الماضي، بأن "إسرائيل تقوم بالمهمات القذرة في إيران نيابة عن الغرب كله"، مجرد "زلة لسان" أو خطأ عفوي غير مقصود، بل كان توصيفا حقيقيا ودقيقا لطبيعة الدور الوظيفي للكيان الصهيوني في المنطقة منذ أن تم زرعه على الأرض العربية قبل نحو 80 عاما.
اعتراف ميرتس الذي جاء خلال حرب الاثني عشر يوما التي شنتها إسرائيل على إيران في العام الماضي، وكررتها مؤخرا بالتعاون مع الولايات المتحدة قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، يفسر بشكل واضح سر همجية ووحشية العدوان الإسرائيلي الذي تعرض له لبنان منذ فجر الثلاثاء الماضي، وأدى إلى سقوط مئات الشهداء والمصابين فضلا عن تدمير العشرات من العمارات السكنية المكتظة في بيروت، والتي لم يُنذر قاطنوها بالإخلاء قبل قصفها!
يعتقد البعض أن العدوان الإسرائيلي ضد لبنان يستهدف إحراج إيران، ودفعها دفعا إلى الانسحاب من مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار التي تستضيفها العاصمة الباكستانية، اليوم السبت، انتصارًا ووفاءً لحزب الله اللبناني الذي وقف معها بقوة خلال الحرب الأمريكية على أراضيها عبر إشعال جبهة الجنوب اللبناني ضد إسرائيل، لكن هذا الأمر ليس في محله تماما، إذ أن الهدف الأهم من وراء هذا التوحش الإسرائيلي غير المسبوق، يتمثل في استخدام لبنان والدماء التي تسال على أراضيه بغزارة كورقة للمساومة والابتزاز والضغط على المفاوض الإيراني لتقديم تنازلات أكثر وأكبر وأعمق في مفاوضات إسلام آباد.
ليس هذا فقط، بل العمل على تغيير الصورة التي بدأت تتشكل وتترسخ في الوعي الجمعي للشعوب العربية والإسلامية، بأنه يمكن من خلال الصمود والإرادة القوية مواجهة العدوان والصلف والاستعلاء وغرور القوة الفتاكة الذي تتباهى به الولايات المتحدة وإسرائيل، واللتان لم تتمكنا من كسر إرادة الصمود لدى إيران أو الحصول على صورة انتصار، رغم حجم التدمير الهائل الذي تعرضت له على مدى أربعين يوما، بل إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي استخدم كل أنواع التهديد بالجحيم وتدمير ومحو حضاراتها في ساعات معدودة، هو من سعى لطلب وقف إطلاق النار، مثلما ذكرت تقارير صحفية غربية.
فوفقا لصحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية فإنه "على مدار أسابيع، كانت إدارة ترامب تضغط على إسلام آباد لإقناع الإيرانيين بالموافقة على وقف القتال مقابل إعادة فتح مضيق هرمز"، مشيرة إلى أن "ترامب الذي كان قلقا من ارتفاع أسعار النفط ومتفاجئا من صمود النظام الإيراني، سعى إلى التوصل لوقف إطلاق النار منذ تهديده في 21 مارس الماضي بتدمير محطات الطاقة الإيرانية".
وأضافت الصحيفة نقلًا عن أشخاص مطلعين على المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران أن دور باكستان الحيوي تمثل في "تسويق" هذا العرض لطهران، موضحة أن الولايات المتحدة وباكستان اعتقدتا أن إيران ستكون أكثر ميلا وقبولا للعرض المدعوم أمريكيا إذا قُدّم من دولة جارة مسلمة أكدت حيادها طوال الصراع.
هذا التحدي والصمود والثبات الإيراني في وجه أعظم قوة كونية فتاكة في الوقت الحاضر، لم يرد له التحول إلى حالة ملهمة لشعوب المنطقة التي تعيش منذ عقود في نكبات وهزائم وإحباطات متتالية، وبالتالي كان لا بد من القيام سريعا بعملية "كي وعي" عنيفة تعيدهم إلى مربع القهر والشعور بالعجز وقلة الحيلة والتعايش مجددا مع منظر الدم والتدمير والمذابح والإبادة الجماعية والتجويع مثلما حدث في غزة على مدى عامين، ومن أقدر على القيام بهذه المهمة القذرة سوى الكيان الصهيوني، الذي يمثل قاعدة عسكرية متقدمة للغرب تحمى أطماعه ومصالحه الاقتصادية في هذه المنطقة من العالم؟
إذن من الخطأ البالغ التعامل مع العدوان الصهيوني ضد لبنان على أنه مجرد مواجهة متجددة وممتدة ومستمرة بين محورين متصادمين على الأرض العربية، بل يجب النظر إليه من منظور أوسع على أنه حلقة جديدة فى سلسلة الدم والتدمير والإبادة الجماعية التي تستهدف إدخال المنطقة "بيت الطاعة" الإسرائيلي، وبالتالى لا بد من نضوج موقف عربي موحد وقوى يتجاوز فضاء بيانات الإدانة إلى رسائل واضحة ترفض التعايش أو القبول أو الاستسلام لمنطق القوة الصهيوني باعتباره "أمرًا مقضيًا" أو قدرًا لا مفر منه، لاسيما وأن جنون وأطماع وأوهام الكيان لا حدود لها في المنطقة.
(الشروق المصرية)

