ظاهِرَةُ انْحِسارِ التَّيّاراتِ الإيدْيولوجِيَّةِ لَيْسَتْ مُقْتَصِرَةً على العالَمِ العَرَبِيّ، فَقَدْ شَهِدْنا تَراجُعَ الأَحْزابِ الشُّيوعِيَّةِ في أوروبّا وَخُصوصًا في إيطالْيا وَفَرَنْسا، لِتَحُلَّ مَكانَها أَحْزابُ اليَمينِ المُتَطَرِّفِ وَكُرْهِ الأَجانِب. كَذَلِك، فَإِنَّ الأَحْزابَ الشُّيوعِيَّةَ في آسْيا تَراجَعَتْ بِدَوْرِها، فَالحِزْبُ الشُّيوعِيُّ الصّينِيُّ تَخَلّى عَنِ العَقيدَةِ الاشْتِراكِيَّةِ وَتَحَوَّلَ إلى أَداةٍ في يَدِ السُّلْطَةِ لِلحِفاظِ على وَحْدَةِ الصّين. وَتَخَلَّتْ فْيِتْنامُ عَنْ راياتِ الكِفاحِ بَعْدَ أَنْ طَرَدَتْ جَيْشَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميرْكِيَّةِ وَانْصَرَفَتْ إلى بِناءِ الاقْتِصاد.
وَإِزاءَ انْحِسارِ الإيدْيولوجِيّاتِ وَالشِّعارات، بَرَزَ نَموذَجُ التَّجارِبِ الاقْتِصادِيَّةِ النّاجِحَةِ وَمِثالُها سِنْغافورَةُ وَماليزْيا وَسائِرُ النُّمورِ الآسْيَوِيَّة. وَكانَتْ سورْيا تَتَقَدَّمُ على بَلَدٍ مِثْلِ كورِيا التي عَرَفَتِ الانْقِسامَ وَالحَرْب، في النُّمُوّ. وَلْنُراقِبْ أَيْنَ أَصْبَحَتْ كورْيا الجَنوبِيَّةُ وَأَيْنَ أَصْبَحَتْ سورْيا وَأَخَواتُها!.
غابت الإيديولوجيات من دون أن تحلّ مكانها سياسة الإنتاج والتنافس والانخراط في الاقتصاد العالمي
تَراجَعَتِ التَّيّاراتُ الإيدْيولوجِيَّةُ في العالَمِ العَرَبِيِّ وَتَراخَتِ الاندِفاعَةُ القَوْمِيَّةُ التي كانَتْ حَتّى عَقْدِ السِّتّينِيّات. وَكانَتْ مِصْرُ البَلَدَ العَرَبِيَّ الأَوَّلَ الذي تَخَلّى عَنْ سِياسَةِ "اشْتِراكِيَّةِ الدَّوْلَةِ" التي انْتَهَجَها الرَّئيسُ جَمال عَبْد النّاصِر وَالتي تَقومُ على مِلْكِيَّةِ الدَّوْلَةِ لِوَسائِلِ الإِنْتاجِ وَالمُضِيِّ في بِناءِ صِناعَةٍ وَطَنِيَّة. وَلَكِنَّ الرَّئيسَ أَنَوَرَ السّادات تَخَلّى عَنْ هَذا النَّهْجِ بَعْدَ أَنْ اسْتُنزِفَتْ مِصْرُ في الحَرْب، وَبَعْدَ أَنْ وَقَّعَ السَّلامَ في "كامْب ديفيد" وَاخْتارَ سِياسَةَ الانْفِتَاحِ الاقْتِصادِيّ. إِلّا أَنَّ هَذِهِ السِّياسَةَ لَمْ تُؤَدِّ إلى تَحَوُّلِ مِصْرَ إلى مَرْكَزٍ لِلإِنْتاجِ على غِرارِ كورْيا، وَلا إلى مَرْكَزٍ مالِيٍّ على مِثالِ سِنْغافورَة.
على سَبيلِ المُقارَنَة، يُمْكِنُ أَنْ نُقارِنَ مِصْرَ بِتُرْكْيا، التي تَتَقارَبُ مَعَها في عَدَدِ السُّكّانِ وَالثَّقافَةِ وَالإِقْليم. فَقَدِ اسْتَطاعَتْ تُرْكْيا أَنْ تَتَجاوَزَ أَزماتِها الاقْتِصادِيَّة، وَبِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ تَوَجُّهاتِ حِزْبِ العَدالَةِ وَالتَّنْمِيَة، نَجَحَت في أن تُصبِحَ بَلَدًا صِناعِيًّا وَتَحْفَظَ مَوْقِعَها السِّياسِيَّ في الإِقْليمِ وَتَتَحَوَّلَ إلى قُطْبٍ دَوْلِيٍّ في الوَقْتِ نَفْسِهِ الذي حافَظَتْ فيهِ على الدّيموقْراطِيَّةِ الانْتِخابِيَّة، فَيَفوزُ الرَّئيسُ بِنِسْبَةِ 51% وَلَيْسَ 90 أَوْ 99% مِنَ الأَصْوات. مِنْ دونِ أَنْ نُهْمِلَ السِّياساتِ القَمْعِيَّةَ التي تَنْتَهِجُها تُجاهَ خُصومِها. أَمّا الانْفِتاحُ في مِصْرَ فَقَدْ أَدّى إلى تَكَوُّنِ طَبَقَةٍ مِنَ المُقاوِلِينَ وَالمُسْتَوْرِدينَ على حِسابِ الصِّناعَةِ الوَطَنِيَّة، فَأُقْفِلَتِ المَصانِع، وَلَمْ تُحافِظْ مِصْرُ على مَوْقِعِها الإِقْليمِيِّ أَوِ الدَّوْلِيّ.
غابَتِ الإيدْيولوجِيّاتُ مِنْ دونِ أَنْ تَحُلَّ مَكانَها سِياسَةُ الإِنْتاجِ وَالتَّنافُسِ وَالانْخِراطِ في الاقْتِصادِ العالَمِيّ. وَما زالَتْ مِصْرُ تَعيشُ على الاسْتِدانَة، وَما زالَتِ الجَزائِرُ تَعيشُ في زَمَنِ اشْتِراكِيَّةِ الدَّوْلَة. أَمّا في المَشْرِقِ فَوَقَعَت سورْيا وَالعِراقَ تَحْتَ أَنْظِمَةِ الاسْتِبْدادِ التي جَرَّتِ الكَوارِثَ وَالانْهِيارَ على كِلا البَلَدَيْن.
لم تنتهِ التهديدات التي لا تزال تجثم فوق أراضي العالم العربي
أَظْهَرَتِ الحَرْبُ الأَخيرَةُ أَنَّ دُوَلَ الخَليجِ العَرَبِيِّ التي كانَتْ انْتَهَجَتْ سِياسَةَ تَنْمِيَةٍ بِناءً على الثَّرْوَةِ النَّفْطِيَّة، مَعَ سَعْيِها إلى إيجادِ مَوْقِعٍ في الاقْتِصادِ العالَمِيّ، تَتَعَرَّضُ لِتَهْديدٍ حَقيقِيّ، وَقَدْ أَصْبَحَ "المَضيقُ" مَصْدَرًا لِلِابْتِزازِ وَإِشْعالِ الحَرْب.
أَخْفَقَ العالَمُ العَرَبِيُّ في تَحْقيقِ النُّمُوِّ الاقْتِصادِيِّ وَالتَّنْمِيَةِ الاجْتِماعِيَّة. وَحينَ تَراجَعَتِ التَّيّاراتُ الإيدْيولوجِيَّة، بَرَزَتِ المَذْهَبِيَّةُ وَالطّائِفيةُ وَدَعَواتُ الشِّقاقِ وَخُصوصًا في المَشْرِق. كَما أَخْفَقَ العالَمُ العَرَبِيُّ وَ"جَامِعَةُ دُوَلِهِ" في تَحْقيقِ أَيِّ حُضورٍ أَوْ دَوْرٍ في الحَرْبِ الأَخيرَة، كَما أَظْهَرَ عَجْزًا مِنْ قَبْلُ في حَرْبِ غَزَّةَ التي لَمْ تَنْتَهِ فُصولُها. وَلَمْ تَنْتَهِ التَّهْديدَاتُ التي لا تَزالُ تَجْثِمُ فَوْقَ أَراضيهِ وَمُدُنِه.
فَهَلْ مِنْ يَقْظَةٍ بَعْدَ كُلِّ ما جَرى وَيَجْري في هَذِهِ اللَّحْظَةِ الحَرِجَة؟!.
(خاص "عروبة 22")

