تنتهي العملية العسكرية الأمريكية يوم الجمعة المقبل، وفقا لقانون "صلاحية الحرب" الأمريكي الصادر عام 1973، الذي يحدد 60 يوما كحد أقصى لإرسال قوات عسكرية إلى "أعمال عدائية" دون تفويض رسمي من الكونجرس، يمكن أن يمددها الرئيس 30 يوما فقط بشرط أن يقر كتابة بأن هذا الوقت ضروري لضمان الانسحاب الآمن للقوات.
هذا النص القانوني الواضح يضع عقبة أمام الرئيس ترامب، فلم يتبق سوى أربعة أيام، وعلى ترامب خلالها إما أن يتوصل إلى اتفاق مع إيران، أو يطلب من الكونجرس تفويضه بشن الحرب عليها، وهو أمر بالغ التعقيد لوجود معارضة قوية لاستمرار الحرب، لا تقتصر على نواب الحزب الديمقراطي، بل هناك معارضة للحرب داخل الحزب الجمهوري، حتى جماعة "ماجا" الداعمة لترامب، والتي تتبنى "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا"، وترفض الانخراط في حروب تعرقل جهود التنمية، وإعادة بناء الصناعة الأمريكية المتراجعة.
المفاوضات يكتنفها الكثير من الصعوبات، ومازالت الهوة واسعة، وترامب يريد اتفاقا يتجاوز الاتفاق السابق في عهد الرئيس الأسبق أوباما، والذي انسحب منه ترامب، ووصفه بأنه اتفاق سيئ، لكن ليس أمامه الآن أفضل من اتفاق أوباما، وبهذا سيكون قد بدد الكثير من المال والدماء والوقت بلا فائدة، وإذا عجز عن إبرام اتفاق أفضل في إسلام آباد، فيمكنه أن يقول إن الضربات الجوية والصاروخية قد أحدثت دمارا هائلا في قدرات إيران، وعطلت مشروعها النووي لعشرات السنين، ويعلن الانتصار ووقف الحرب، ويمكن أيضا أن يبرم اتفاقا لا يتجاوز اتفاق أوباما، ويردد نفس الشيء عن انتصار عسكري، لكن هذا لن يعدو تجميدا للنزاع مع إيران، التي سيكون بيدها مضيق هرمز، وحق تخصيب اليورانيوم، وتعزيز قدراتها العسكرية بالتعاون مع الصين وروسيا، وستلعب دورا إقليميا أكثر تأثيرا، وتثير مخاوف تل أبيب أكثر من أي وقت مضى.
أما النفوذ الأمريكي في المنطقة فسيتراجع كثيرا، والمرجح أن تسحب أمريكا الكثير من قواتها، وتغلق معظم قواعدها العسكرية، بعد أن خسرت ثقة حلفائها في دول الخليج، وعجزت عن حمايتهم، ولم يعد هناك مبرر لبقاء القواعد العسكرية، وصرف نفقات كبيرة على إعادة بنائها، بما يكبد الدول المضيفة مزيدا من الخسائر الضخمة، بالإضافة لما ستتكبده من إعادة بناء المنشآت المدمرة، وتأهيل حقول النفط والغاز المتأثرة بوقف الإنتاج.
ستبدأ حقبة جديدة في المنطقة، يجري خلالها إعادة النظر في الارتباط القوي بالولايات المتحدة بعد حرب لم تجر على دول الخليج سوى الكثير من البلاء، بعدما أصبحت ساحة لحروب الولايات المتحدة، التي لم تعد مظلة أمن وحماية موثوقا بها. وعند فشل مفاوضات إسلام آباد، وسيطرة إيران على حركة الملاحة في مضيق هرمز، فإن إيران ستتمسك بفرض رسوم عبور، سواء تحت لافتة أنها تضمن سلامة الملاحة، أو تحت بند الحصول على تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها من العدوان الأمريكي والإسرائيلي، وتكون قد فرضت واقعا جديدا، وتستخدم المضيق في فرض اتفاقيات ثنائية مع الدول التي لديها أموال إيرانية مجمدة لكي تستعيدها باستخدام ورقة مضيق هرمز، وكذلك إلغاء العقوبات المفروضة عليها، وتعاود تصدير النفط والتجارة الخارجية من دون عوائق، وهو ما سيلحق الضرر بقدرات الولايات المتحدة في استخدام العقوبات كأداة ضغط اقتصادية من أجل تحقيق أهداف سياسية.
ومع تقلص النفوذ الأمريكي في المنطقة بانسحاب قواتها، ستكون الفرصة متاحة أمام القوى الإقليمية الكبيرة مثل مصر وتركيا لكي تملأ الفراغ، وتعقد اتفاقيات أمنية مع دول الخليج، وتدخل الصين وروسيا لتسعيا إلى تبريد العلاقات بين دول الخليج وإيران، وابرام اتفاقيات سلام وعدم اعتداء، لتتغير خريطة التحالفات وموازين القوى في منطقة ظلت حكرا لنفوذ الولايات المتحدة لنحو ستة عقود، ومع الواقع الجديد الذي يتشكل سيفقد الدولار هيمنته على تجارة النفط، وينتهي عصر البترو- دولار، بما سيجره من تغيرات اقتصادية، وبالتالي سياسية على المنطقة والعالم.
هذا السيناريو الأكثر ترجيحا، سواء نجحت المفاوضات في التوصل إلى اتفاق لن يكون بالتأكيد الأفضل للولايات المتحدة، أو أنهت أمريكا الحرب دون اتفاق. أما سيناريو عودة الحرب إلى الاشتعال مجددا، فإنه يحمل مخاطر أكبر، سواء للولايات المتحدة التي استنزفت الكثير من مخزونات صواريخها، أو لإيران التي تئن من الخسائر والدمار الكبير، وكذلك دول الخليج التي أصبحت بين حجري الرحى في الحرب، بالإضافة إلى إسرائيل التي منيت بخسائر جسيمة في تل أبيب وباقي المدن، التي لم تشهد دمارا بهذا الحجم منذ نشأتها، ومن شأن تجدد الحرب أن تجعلها منطقة كوارث، بعد أن كانت تروج لأنها أكثر مناطق المنطقة أمانا، مما سيؤدي إلى فرار واسع للاستثمارات والكثير من السكان.
(الأهرام المصرية)

