اقتصاد ومال

"المَعادِنُ الحَرِجَة" وأُفُقُ التَّصْنيعِ التَّحْويلِي!

لا بُدَّ مِنَ التَّذْكيرِ بِأَنَّ مُسْتَقْبَلَ البُلْدان، في السِّياقِ المُعاصِرِ وَما يَحْمِلُهُ مِنْ مُؤَشِّراتٍ دالَّةٍ على المُسْتَقْبَل، لا يَرْتَهِنُ إلى ما تَمْلِكُهُ هَذِهِ البُلْدانُ مِنْ نَفْطٍ أَوْ غازٍ أَوْ أَراضٍ زِراعِيَّةٍ شاسِعَة، وانَّما باتَ مَرْهونًا بِقُدْرَتِها على الاِسْتِثْمارِ في الأُصولِ التي تَنْبَني عَلَيْها الثَّوْرَةُ التِّكْنولوجِيَّةُ وَما يَعْقُبُها مِنْ طَفْراتٍ في المُسْتَقْبَل. هُنا تُصْبِحُ المَعادِنُ الحَرِجَةُ بِاعْتِبارِها المادَّةَ الأَصْلَ التي تَقومُ عَلَيْها الاِقْتِصاداتُ الخَضْراءُ والصِّناعاتُ الرَّقْمِيَّةُ وانْظِمَةُ الذَّكاءِ الاِصْطِناعِيِّ والسَّيّاراتُ الكَهْرَبائِيَّةُ وَتِكْنولوجِيّاتُ الطّاقَةِ المُتَجَدِّدَة، خَيارًا لا مَحيدَ عَنْهُ لِلتَّمَكُّنِ مِنَ القُوَّةِ الاِقْتِصادِيَّةِ والتَّفَوُّقِ التِّكْنولوجِيّ.

إِذا كانَ العالَمُ العَرَبِيُّ يَمْتَلِكُ ثَرْوَةً ثَقيلَةً مِنْ هَذِهِ المَعادِنِ الاِسْتراتيجِيَّة، يَظَلُّ السُّؤالُ المَطْروح: ما هِيَ دَرَجَةُ الوَعْيِ بِقُوَّتِها؟ وَهَلْ هُناكَ تَصَوُّرٌ اِسْتراتيجِيٌّ يَسْتَنِدُ إِلَيْها في أُفُقِ بِناءِ سِيادَةٍ تِكْنولوجِيَّةٍ وَرَقْمِيَّة؟.

مسؤولية البلدان العربية تتجسّد في بناء هياكل صناعية وعلمية قادرة على تحويل الموارد إلى تقنيات عالية الجودة

تَعْني هَذِهِ الأَسْئِلَةُ أَنَّهُ لا يَكْفي أَنْ نَتَحَمَّسَ لِلِاحْتِياطِيّاتِ التي تَتَوَفَّرُ عَلَيْها بِلْدانُنا، بَلْ لا بُدَّ أَنْ نَتَساءَلَ عَنْ واقِعِ الإِرادَةِ السِّياسِيَّةِ لِجَعْلِ هَذِهِ الاِحْتِياطِيّاتِ قيمَةً مُضافَةً وَمَشْروعًا تَنْمَوِيًّا مُسْتَدامًا تُعَبِّرُ عَنْهُ دَوْلَةٌ وَطَنِيَّةٌ تَرْبِطُ المَسْؤولِيَّةَ بِالمُحَاسَبَة. ما يَنْتُجُ عَنْ هَذِهِ الأَسْئِلَة، مُلاحَظَةٌ مُؤَسِّسَةٌ تَنْطَلِقُ مِنْ وَضْعِ الفُروقِ بَيْنَ الدَّوْلَةِ التي تَبيعُ مَوارِدَها الخام، والدَّوْلَةِ التي تَصْنَعُ مُسْتَقْبَلَها مِنْ تِلْكَ المَوارِد. وَهِيَ فُروقٌ تُؤَشِّرُ صَراحَةً إلى التَّمْييزِ بَيْنَ اقْتِصادِ الرَّيْعِ واقْتِصادِ الإِنْتاج، لِأَنَّ المَعادِنَ في صورَتِها الأَوَّلِيَّةِ لا تُمَثِّلُ إِلّا قيمَةً مَحْدودَة. وَعِنْدَما تَدْخُلُ في نَسَقٍ مَعْرِفِيٍّ تِكْنولوجِيٍّ وَتَصْنيعِيّ، فَإِنَّها تَتَحَوَّلُ إلى مَصْدَرٍ لِلِابْتِكارِ والثَّرْوَةِ والتَّنافُسِ المُنْتِج.

وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ مَسْؤولِيَّةَ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ أَمامَ هَذا التَّحَدّي لا تَتَجَسَّدُ في اسْتِخْراجِ المَعادِنِ الحَرِجَةِ فَقَط، بَلْ في بِناءِ هَياكِلَ صِناعِيَّةٍ وَعِلْمِيَّةٍ قادِرَةٍ على تَحْويلِ المَوارِدِ إلى تِقْنِيّاتٍ عالِيَةِ الجَوْدَةِ والنَّجاعَة.

الدول المُصدّرة للمواد الخام تبقى دائمًا في أسفل الهرم

هَذا يَعْني أَنَّ وَفْرَةَ المَعادِنِ الحَرِجَةِ في البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ تُشَكِّلُ قاعِدَةً مِفْصَلِيَّةً لِلِارْتِقاءِ بِأَوْضاعِها الاِقْتِصادِيَّةِ والقُدْرَةِ على خَوْضِ التَّنافُس. وَمِنْ هُنا يَنْبَغي أَنْ نُمَيِّزَ بَيْنَ المَعادِنِ الحَرِجَةِ والعَناصِرِ الأَرْضِيَّةِ النّادِرَةِ لَيْسَ بِاعْتِبارِها جُزْءًا مِنَ المَعادِنِ الحَرِجَةِ فَقَط، وَإِنَّما لِلتَّأْكيدِ على أَنَّ قيمَةَ النُّدْرَةِ أَصْبَحَتْ مُتَجاوَزَةً اليَوْمَ أَمامَ تَغَيُّرِ البارادايم الجِيولوجِيِّ في عَلاقَتِهِ بِغِنى الدُّوَل، لِأَنَّ العِبْرَةَ تَكْمُنُ في الإِنْجازِ الوَظيفِيِّ داخِلَ المُنْظومَةِ التِّكْنولوجِيَّةِ العالَمِيَّة. بِمَعْنى أَنَّ الاِحْتِكامَ إلى المَعادِنِ النّادِرَةِ كَما كانَ الأَمْرُ في السّابِقِ قَدْ تَقَدَّمَ أَمامَ وَظيفَةِ المَعادِنِ الحَرِجَةِ في إِنْتاجِ الطّاقَةِ النَّظيفَةِ والرَّقائِقِ الإِلِكْترونِيَّةِ والبَطّارِياتِ والذَّكاءِ الاِصْطِناعِيّ.

وَعَلَيْهِ، لا مَناصَ في الحالَةِ العَرَبِيَّةِ مِنْ تَحْويلِ المَعادِنِ الحَرِجَةِ إلى قاعِدَةٍ لِلْإِنْتاجِ الصِّناعِيِّ المَحَلِّيِّ عِوَضَ تَصْديرِها خامًا، وَأَقْصَرُ الطُّرُقِ هُوَ تَبَنّي رُؤْيَةٍ بْراغْماتِيَّةٍ تَقومُ على التَّصْنيعِ وَتَحْقيقِ السِّيادَةِ الإِلِكْترونِيَّة.

الوعي بالتكامل يظلّ الرهان الأوحد لبلوغ العرب مرحلة التصنيع الوظيفي وتحقيق السيادة الإلكترونية

يُنَبِّئُنا التّاريخُ أَنَّ الدُّوَلَ المُصَدِّرَةَ لِلْمَوادِّ الخامِ تَبْقى دائِمًا في أَسْفَلِ الهَرَمِ وَفي مَوْقِعِ الضَّعْف، بَيْنَما الدُّوَلُ التي سَلَكَتْ سَبيلَ السَّيْطَرَةِ على سَلاسِلِ التَّكْريرِ والتَّصْنيعِ والاِبْتِكارِ هِيَ التي تَمَكَّنَتْ مِنْ خَلْقِ الثَّرْوَةِ والرَّفاه.

وَلا بُدَّ مِنَ التَّذْكيرِ بِأَنَّ طُنًّا مِنَ النُّحاسِ المُكَرَّرِ أَوْ مُرَكَّباتِ اللّيثِيومِ أَوْ مَوادِّ البَطّارِياتِ يُساوي أَضْعافَ قيمَةِ الخامِ المُسْتَخْرَجِ مِنَ المَنْجَم.

إِنَّ إِنْشاءَ صِناعاتٍ تَحْويلِيَّةٍ هَيْكَلِيَّةٍ في البِلادِ العَرَبِيَّةِ يَعْني القَطْعَ مَعَ خِدْعَةِ التَّصْديرِ الفاقِدَةِ لِشَرْطِ السِّيادَةِ التِّكْنولوجِيَّةِ الوَطَنِيَّة، والعَمَلَ على الإِنْتاجِ الاِسْتراتيجِيِّ كَإِنْتاجِ مَوادِّ الكاثودِ الخاصَّةِ بِالبَطّارِياتِ والأَسْمِدَةِ الذَّكِيَّةِ والمَوادِّ الكيمْيائِيَّةِ المُتَقَدِّمَة، وَتَطْويرِ صِناعَةِ النُّحاسِ والكابْلاتِ والمُكَوِّناتِ الكَهْرَبائِيَّة. كُلُّها إِجْراءاتٌ اِسْتراتيجِيَّةٌ تَنْحو في اِتِّجاهِ بِناءِ مُجْتَمَعاتٍ عَرَبِيَّةٍ صِناعِيَّة.

غَيْرَ أَنَّ الوَعْيَ بِالتَّكامُلِ العَرَبِيِّ عَبْرَ خَلْقِ سَلاسِلِ إِنْتاجٍ مُشْتَرَكَةٍ يَظَلُّ الرِّهانَ الأَوْحَدَ لِبُلوغِ العَرَبِ مَرْحَلَةَ التَّصْنيعِ الوَظيفِيِّ وَتَحْقيقِ السِّيادَةِ الإِلِكْترونِيَّة. وَمِنْ دونِ ذَلِك، سَتَظَلُّ مُجْتَمَعاتُنا تَشْهَدُ تَقَهْقُرًا حَضارِيًّا وَتاريخِيًّا لا يُعْلَمُ مَآلُه!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن