التَّحْليلُ السِّياسِيُّ لَيْسَ تَرْديدًا لِما اعْتَدْنا سَماعَه، بَلْ هُوَ اخْتِبارٌ دائِمٌ لِلْفَرَضِيّاتِ في ضَوْءِ ما تَكْشِفُهُ الأَحْداث. وعِنْدَما تَتَكَرَّرُ الوَقائِعُ لِعُقودٍ وتُخالِفُ ما نَتَوَقَّعُه، يُصْبِحُ مِنَ الضَّروريِّ إِعادَةُ النَّظَرِ في أَدَواتِ التَّحْليلِ نَفْسِها.
خُذِ المِثالَ الإيرانِيّ. فَقَدْ سادَ طَويلًا تَفْسيرٌ يَعْتَبِرُ أَنَّ العَقيدَةَ هِيَ المُحَرِّكُ الأَساسِيُّ لِلسِّياسَةِ الإِيرانِيَّة. ولا شَكَّ أَنَّ العَقيدَةَ عُنْصُرٌ مُهِمٌّ في الخِطابِ السِّياسِيِّ الإِيرانيّ، كَما أَنَّها أَداةٌ فَعّالَةٌ في الحَشْدِ والتَّعْبِئَةِ واسْتِقْطابِ الأَنْصارِ خارِجَ الحُدود. إِلّا أَنَّ قِراءَةَ ما يَقْرُبُ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ مِنَ السُّلوكِ السِّياسِيِّ الإِيرانِيِّ توحي بِأَنَّ العَقيدَةَ لَيْسَتْ دائِمًا العَامِلَ الحاسِمَ في اتِّخاذِ القَرار.
هدفان يُوجّهان السلوك الإيراني: المحافظة على النظام والحفاظ على مصادر القوّة والثروة التي تضمن استمراره
مُنْذُ ثَوْرَةِ المَشْروطيَّةِ في مَطْلَعِ القَرْنِ العِشْرين، سَعَتِ المُؤَسَّسَةُ الدّينِيَّةُ الإِيرانِيَّةُ إِلى الحُصولِ عَلَى نَصيبٍ أَكْبَرَ مِنَ السُّلْطَةِ والثَّرْوَة. وتَكَرَّرَتْ مُحاوَلاتُها بِأَشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ حَتّى جاءَتْ ثَوْرَةُ 1979 الَّتي فَتَحَتْ لَها أَبْوابَ الحُكْم. ثُمَّ جاءَتِ الحَرْبُ العِراقِيَّةُ - الإِيرانِيَّةُ لِتَمْنَحَ النِّظامَ الجَديدَ فُرْصَةً اسْتِثْنائِيَّةً لِتَصْفِيَةِ مُعْظَمِ شُرَكائِهِ مِنَ القُوى السِّياسِيَّةِ الأُخْرى وتَرْكيزِ السُّلْطَةِ في يَدِه.
وَمُنْذُ ذلِكَ الوَقْت، يَبْدو أَنَّ هَدَفَيْنِ أَساسِيَّيْنِ يُوَجِّهانِ السُّلوكَ الإِيرانِيَّ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَر: المُحافَظَةُ عَلَى بَقاءِ النِّظام، والحِفاظُ عَلَى مَصادِرِ القُوَّةِ والثَّرْوَةِ الَّتي تَضْمَنُ اسْتِمْرارَه. وعِنْدَما تَشْعُرُ القِيادَةُ الإِيرانِيَّةُ بِأَنَّ هذَيْنِ الهَدَفَيْنِ غَيْرُ مُهَدَّدَيْن، فَإِنَّها تُظْهِرُ قَدْرًا كَبيرًا مِنَ البْراغْماتِيَّةِ والقُدْرَةِ عَلَى التَّوَصُّلِ إِلى تَسْوِياتٍ مَعَ القُوى الدَّوْلِيَّة، حَتّى مَعَ تِلْكَ الَّتي تَصِفُها رَسْمِيًّا بِأَنَّها خُصومٌ أَوْ أَعْداء. أَمّا عِنْدَما تَشْعُرُ بِالخَطَر، فَإِنَّ سُلوكَها يَتَغَيَّر.
خِلالَ السَّنَواتِ الأَخيرةِ واجَهَتْ طَهْرانُ مَصْدَرَيْنِ مُتَزايِدَيْنِ لِلْقَلَق: الأَوَّلُ يَتَمَثَّلُ في تَكْرارِ الاحْتِجاجاتِ الدَّاخِلِيَّةِ واتِّساعِ فَجْوَةِ الثِّقَةِ بَيْنَ قِطاعاتٍ مِنَ المُجْتَمَعِ والنِّظام. والثّاني يَتَمَثَّلُ في ظُهورِ نَموذجٍ تَنْمَوِيٍّ ناجِحٍ في الجِوارِ الخَليجِيِّ اسْتَطاعَ تَحْقيقَ الاسْتِقْرارِ وجَذْبَ الاسْتِثْماراتِ وتَحْسينَ مُسْتَوَياتِ المَعيشَة. وهذِهِ المُقارَنَةُ أَصْبَحَتْ تَفْرِضُ نَفْسَها عَلَى المُواطِنِ الإِيرانيِّ أَكْثَرَ مِمّا كانَتْ عَلَيْهِ في السّابِق.
أميركا تتحرّك وفق شبكة مُعقّدة من المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية
في مِثْلِ هذِهِ الظُّروفِ يُصْبِحُ مِنَ الطَّبيعِيِّ أَنْ يَبْحَثَ أَيُّ نِظامٍ سِياسِيٍّ عَنْ وَسائِلَ لِتَعْزيزِ مَوْقِعِهِ الاسْتراتيجِيِّ وإِبْعادِ الضُّغوطِ عَنْ ساحَتِهِ الدَّاخِلِيَّة. ومِنْ هُنا يُمْكِنُ فَهْمُ جانِبٍ مِنْ سِياساتِ التَّمَدُّدِ الإِقْليمِيِّ واسْتِخْدامِ الحُلَفاءِ والأَذْرُعِ المُسَلَّحَةِ في عَدَدٍ مِنَ السَّاحاتِ العَرَبِيَّة. وَلَيْسَ المَقْصودُ هُنا تَبْريرَ هذِهِ السِّياسات، بَلْ مُحاوَلَةُ فَهْمِ دَوافِعِها الحَقيقِيَّةِ بَعيدًا عَنِ التَّفْسيراتِ المُبَسَّطَة.
المِثالُ الثّاني يَتَعَلَّقُ بِطَريقَةِ قِراءَةِ السِّياسَةِ الأَميرْكِيَّة. فَكَثيرًا ما نَسْمَعُ تَحْليلاتٍ تُؤَكِّدُ أَنَّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ لَنْ تُقْدِمَ على عَمَلٍ عَسْكَرِيٍّ بِسَبَبِ الاِنْتِخاباتِ المُقْبِلَة، أَوْ بِسَبَبِ حَدَثٍ رِياضِيٍّ عالَمِيّ، أَوْ بِسَبَبِ اعْتِباراتٍ داخِلِيَّةٍ عابِرَة. وقَدْ سَمِعْنا تَحْليلاتٍ مُشابِهَةً قَبْلَ تَحْريرِ الكُوَيْتِ عامَ 1991، عِنْدَما جَرى التَّقْليلُ مِنِ احْتِمالاتِ التَّدَخُّلِ العَسْكَرِيِّ الأَميرْكِيِّ لِأَسْبابٍ قيلَ إِنَّها تَمْنَعُهُ أَوْ تُؤَخِّرُه.
لَكِنَّ التَّجْرِبَةَ أَثْبَتَتْ أَنَّ الدُّوَلَ الكُبْرى لا تَبْني قَراراتِها الاسْتراتيجِيَّةَ عَلَى مِثْلِ هذِهِ الاعْتِباراتِ وَحْدَها. فَالوِلاياتُ المُتَّحِدَة، مِثْلُ غَيْرِها مِنَ القُوى الكُبْرى، تَتَحَرَّكُ وِفْقَ شَبَكَةٍ مُعَقَّدَةٍ مِنَ المَصالِحِ السِّياسِيَّةِ والاقْتِصادِيَّةِ والأَمْنِيَّة. وعِنْدَما تَرى أَنَّ تِلْكَ المَصالِحَ مُهَدَّدَةٌ بِصورَةٍ جَدِّيَّة، فَإِنَّها تَكونُ مُسْتَعِدَّةً لِاتِّخاذِ قَراراتٍ كَبيرة، حَتّى لَوْ تَعارَضَتْ مَعَ حِساباتٍ انْتِخابِيَّةٍ أَوْ اعْتِباراتٍ ظَرْفِيَّة.
التحليل الجيّد يبدأ من الواقع لا من الأمنيات ومن المصالح لا من الشعارات
لِهَذا فَإِنَّ اخْتِزالَ السِّياسَةِ الأَميرْكِيَّةِ في مَوْعِدٍ انْتِخابِيٍّ أَوْ مُناسَبَةٍ داخِلِيَّةٍ قَدْ يَكونُ مُضَلِّلًا بِقَدْرِ اخْتِزالِ السِّياسَةِ الإِيرانيَّةِ في البُعْدِ العَقائِدِيِّ وَحْدَه. فَفي الحالتَيْن، يَتِمُّ تَجاهُلُ العَوامِلِ الأَعْمَقِ والأَكْثَرِ تَأْثيرًا في صِناعَةِ القَرار. والمُشْكِلَةُ لا تَكْمُنُ في الخَطَأِ العابِر، بَلْ في الإِصْرارِ على اسْتِخْدامِ أَدَواتِ تَحْليلٍ لَمْ تَعُدْ قادِرَةً عَلَى تَفْسيرِ الواقِعِ كَما هُو.
إِنَّ المَطْلوبَ اليَوْمَ لَيْسَ التَّخَلّي عَنِ التَّحْليلِ السِّياسِيّ، بَلْ تَجْديدُه. فَالعالَمُ يَتَغَيَّرُ بِسُرْعَة، والفَواعِلُ السِّياسِيّونَ يَتَغَيَّرونَ مَعَه. والتَّمَسُّكُ بِتَفْسيراتٍ لَمْ تَعُدْ قادِرَةً على شَرْحِ الواقِعِ قَدْ يَمْنَحُنا شُعورًا زائِفًا بِالفَهْم، لَكِنَّهُ لا يُساعِدُنا عَلَى تَوَقُّعِ ما سَيَحْدُث. والتَّحْليلُ الجَيِّدُ يَبْدَأُ دائِمًا مِنَ الواقِعِ لا مِنَ الأَمْنِيات، ومِنَ المَصالِحِ لا مِنَ الشِّعارات، ومِنْ مُراجَعَةِ الفَرَضِيّاتِ كُلَّما أَثْبَتَتِ الأَحْداثُ قُصورَها. وأَخْطَرُ ما يُواجِهُ المُحَلِّلَ السِّياسِيَّ أَنْ يَقَعَ أَسيرًا لِتَفْسيرٍ أَحَبَّهُ ثُمَّ يُواصِلُ الدِّفاعَ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ غادَرَهُ الواقِعُ مُنْذُ زَمَن!.
(خاص "عروبة 22")

