تضيقُ نافذةُ التفاوضِ بين واشنطن وطهران، وتبرزُ عقباتٌ وعراقيل جديدةٌ تحولُ دونَ التوصّلِ إلى اتفاقٍ يُرضي الطرفين، على الرغمِ من المحاولاتِ المكوكيّةِ التي تُجريها باكستانَ لإعادةِ جمعِهمَا وتقريبِ وجهاتِ النظرِ المتباعدةِ. ويشِي ذلكَ بأنّنَا أمامَ مسارٍ طويلٍ ومُعقّدٍ من المباحثاتِ، وأنّ الوصولَ إلى حلولٍ يبدو غيرَ متاحٍ في الوقتِ الراهنِ. وتتمسّكُ واشنطنُ بما تعتبرُه "أوراقَ قوّةٍ" خاصةٍ بها، من حصارِ الموانئِ والسفنِ الإيرانيّة، إلى تكرارِ الرئيسِ دونالد ترامب الحديثَ عن القضاءِ على بنيةِ طهرانَ العسكريّة، وصولًا إلى العقوباتِ المفروضةِ عليها. في المقابلِ، يُواصلُ نظامُ "الثورةِ الإسلاميّةِ" تحمّلَ التكاليفِ الباهظةِ والإصرارَ على حقّه في تخصيبِ اليورانيوم، مؤكّدًا مواصلة التحكّمِ في مضيقِ هُرمزَ، وتكبيدِ العالمِ خسائرَ كبيرةً. ومن هذه الزاويةِ تحديدًا، تتقاطعُ العديدُ من القراءاتِ الأجنبيّةِ عند معنىً واحدٍ: الولاياتُ المتحدةُ قادرةٌ على إلحاقِ أذىً بالغٍ بإيران، لكنّها لم تستطعْ أن تنتزعَ مِنهَا الورقةَ الأشدَّ حساسيّةً، أي القدرةَ على تحويلِ الممرِّ الأهمِّ في تجارةِ الطاقةِ إلى أداةِ ردعٍ، ورفعِ فاتورةِ الحربِ إلى مستوىً يجعلُ استمرارَها، أو حتى تبريرَها سياسيًا، أكثرَ صعوبةً.
فالممرُّ الذي يَعبرُ منه نحو خُمسِ تجارةِ الطاقةِ المنقولةِ بحرًا لم يَعُدْ مُجرّدَ شريانٍ ملاحيٍّ، بل تحوَّلَ، بحسبِ تقريرٍ نشرتْه صحيفةُ "ذا هيل" الأميركيّة، إلى أداةٍ قادرةٍ على رفعِ أسعارِ الوقودِ، وإرباكِ الاقتصادِ العالميِّ، وفرضِ معركةٍ طويلةٍ على واشنطنَ في ميدانٍ صاغتْه الجغرافيا أصلًا على نحوٍ يَخدمُ طهرانَ. أمّا مجلّةُ "نيوزيوك" فشدّدَت، من جهتِهَا، على أنّ الحربَ لن تَحِلَّ المعضلةَ النوويّةَ الإيرانيّة، وأنّ أيَّ حلٍّ دائمٍ لا بدَّ أن يمرَّ عبرَ المعاهداتِ والدبلوماسيّةِ وتعزيزِ التحقّقِ، لا عبرَ الإكراهِ العسكريِّ وحدهُ. وعليه، فإنّ المنطقةَ في انتظارِ ما ستحملُهُ المبادراتُ والاتصالاتُ، خصوصًا بعدَ عودةِ وزيرِ الخارجيّةِ الإيرانيِّ عباس عراقجي مرّةً ثانيةً إلى العاصمةِ الباكستانيّةِ، إسلام آباد. وذلك بعدَ زيارتِهِ إلى سلطنةِ عُمانَ، التي تُعدُّ من أبرزِ الوسطاءِ بين واشنطنَ وطهرانَ خلالَ المرحلةِ الماضيةِ، ولطالما لعبَت أدوارًا محوريّةً. وتحملُ هذه العودةُ، بعد أقلَّ من أربعٍ وعشرين ساعةً، دلالاتٍ كثيرةً على أنّ الجميعَ يريدُ التوصّلَ إلى تسويةٍ، ولكن شرطَ أن تكونَ مُرضيةً، وتُحقّقَ المطالبَ المرفوعةَ، من دونِ أن يشعرَ أيّ طرفٍ بـ"الهزيمةِ". وفي هذا السياقِ، نقلَ موقعُ "أكسيوس" عن مسؤولٍ أميركيٍّ ومصدرَين مطّلعَين، إشارتَهمَا إلى أنّ إيرانَ قدّمَتْ، عبرَ وسطاءَ باكستانيّين، مُقترحًا جديدًا إلى الولاياتِ المتحدةِ لإعادةِ فتحِ مضيقِ هُرمزَ وإنهاءِ الحربِ. ويشملُ المقترحُ إرجاءَ المفاوضاتِ النوويّةِ إلى مرحلةٍ لاحقةٍ.
وتحويلُ الأزمةِ وحصرُها في المضيقِ الذي كان مفتوحًا قبلَ الحربِ، يعني أنّ الجميعَ بات في مكانٍ آخر، لا سيّما أنّ واشنطن لا تسعى فقط إلى وقفٍ لإطلاقِ النار أو فتحٍ للمضيقِ، بل إلى اتفاقٍ يمنعُ إيرانَ من إعادةِ بناءِ قدراتِها النوويّةِ والصاروخيّة، ويعالجُ مخزونَ اليورانيومِ وآليّاتِ التفتيشِ ومستقبلِ التخصيبِ. ومن هنا، يمكنُ القولُ إنّ الفجوةَ تتّسع، وإنّ قدرةَ وسيطٍ واحدٍ على ردمِ الهوّةِ تبدو مستحيلةً، في حين تعاني إيرانُ أيضًا من مشاكلٍ داخليّةٍ وغيابِ رؤيةٍ موحّدةٍ حول مستقبلِ "اليومِ التالِي". وهذا ما عكَستْه صحيفةُ "وول ستريت جورنال"، التي تحدّثت عن وجودِ صراعٍ بين تيّارين: الأوّلُ أكثرُ براغماتيّةً ويريدُ وقفَ النزفِ الاقتصاديّ، والثاني متشدّدٌ ويرفضُ تقديمَ تنازلاتٍ نوويّةٍ أو بحريّةٍ. ونقلَتِ الصحيفةُ عينُها عن مسؤولين أميركيّين وإسرائيليّين قولَهم إنّ المشكلةَ ليسَت في وجودِ تصدّعٍ حاسمٍ، بل في عدمِ استعدادِ النظامِ، بمختلفِ أجنحتِه، لتقديمِ التنازلاتِ المطلوبةِ. وهذا التحليلُ يُبرزُ معضلتينِ أساسيتينِ: الأولى أنّ طهران لا تُغلقُ بابَ الوساطة، بل تُبقيه مفتوحًا وتُقدّمُ المقترحَ تلوَ الآخرِ للوصولِ إلى اتّفاق؛ والثانية أنّها لا تقبلُ تحويلَ الوساطةِ إلى قناةٍ لإملاءِ الشروطِ عليها، خصوصًا أنّها تُؤكد في تصريحاتِها مرارًا أنّها لن تقبلَ بالجلوسِ إلى طاولةٍ تُطرحُ فيها خطوطُ واشنطنَ الحمراءَ كأوامرَ مُسبقة.
وبينَ هذين الحدَّينِ، يقفُ العالمُ في محاولةٍ لالتقاطِ أنفاسِه وإيجادِ بدائلَ تقيه التكاليفِ العالية، عبرَ البحثِ عن طرقٍ أخرى لتصديرِ النفطِ والغازِ الطبيعيِّ بعيدًا عن مضيقِ هُرمزَ. ففي حالِ إبرامِ تسويةٍ، لن تكونَ العودةُ إلى الوضعِ الطبيعيِّ قبلَ الحربِ ممكنةً، حتى على المدَى الطويلِ، لأنّ الإيرانيّينَ سيُبقونَ على سيطرةٍ جزئيّةٍ أو أُحاديّةٍ على المضيقِ، بعد اختبارِهِم أهميتَهُ وقدرتَهُم على مقارعةِ الجميعِ عبرَهُ. وتحتاجُ هذه التداعياتُ الاقتصاديّةُ إلى وقتٍ طويلٍ لتخطِّيهَا، خصوصًا أنّ الهجماتِ الإيرانيّةَ على المنشآتِ الحيويّةِ في دولِ الخليجِ أدَّت إلى خسائرَ كبيرةٍ دفعَتْ تلك الدولَ إلى إعادةِ تقييمِ التزاماتِها الاستثماريّةِ الحاليّةِ والمستقبليّةِ. ويأتِي ذلكَ بهدفِ التكيّفِ مع الواقعِ المستجدِّ والاضطراباتِ التي تسبّبَ بهَا هذا الصراعُ المستمرُّ، حتى في ظلِّ الهدنةِ الهشّةِ. في غضونِ ذلكَ، تحاولُ طهرانُ اليومَ كسرَ عزلتِها الإقليميّةِ، بعدما "اختلقت" عداواتٍ مع محيطِها العربيّ، وتحديدًا مع الدولِ المجاورةِ لَها. ويمكنُ وضعُ تحرّكاتِ وزيرِ الخارجيّةِ الإيرانيِّ في هذا السياقِ، على الرغمِ من صعوبةِ تبديدِ الهواجسِ وتآكلِ الثقةِ، ما دفعَ دولَ مجلسِ التعاونِ الخليجيّ إلى الحديثِ عن توازناتٍ جديدةٍ، وإقامةِ تحالفاتٍ لمواكبةِ التطوّراتِ الجارية. وأفادَت وكالةُ الأنباءِ العُمانيةُ، في وقتٍ سابقٍ أمسِ الأحدِ، بأنَ السلطانَ هيثم بن طارق استقبلَ عراقجي، وتَشاورَا حولَ مستجداتِ الأوضاعِ في المنطقةِ، وجهودِ الوساطةِ والمساعِي الراميةِ إلى إنهاءِ النزاعاتِ. وحضرَ اللقاءَ كلٌّ من وزيرِ الخارجيّةِ العُمانيِّ بدر بن حمد البوسعيدي، والمتحدّثِ الرسميِّ باسمِ وزارةِ الخارجيةِ الإيرانيّةِ إسماعيل بقائي، والسّفيرِ الإيرانيِّ في مَسقطَ، موسى فرهنك.
إلى ذلك، أكَّدَ المتحدِّثُ باسمِ وزارةِ الخارجيَّةِ الإيرانيَّةِ أنَّ بلادَهُ تُولي أهميَّةً بالغةً لعلاقاتِها مع دولِ الجوار، مُعتبرًا أنَّ النَّهجَ الإيرانيَّ القائمَ على الاحترامِ المتبادلِ يجدُ في سلطنةِ عُمانَ نموذجًا حيًّا. وبالتالي، يبدو أنَّ "إعادةَ الوُدِّ" دخلت في أولويَّاتِ طهرانَ مع هذه الزيارةِ، التي تُعتبرُ الأولَى لعراقجي إلى منطقةِ الخليجِ منذ تجدُّدِ الحربِ الأميركيَّةِ – الإسرائيليَّةِ على طهرانَ. بدورِهِ، جدَّدَ الرئيسُ الأميركيُّ تهديداتِه، فلَفتَ إلى أنَّ أمامَ طهرانَ نحوَ ثلاثةِ أيَّامٍ قبل أن تتعرّض خطوطُ أنابيبِ النفطِ الخاصةِ بها لخطرِ الانفجارِ بسببِ تراكمِ النفطِ ومحدوديَّةِ التخزين، قائلًا إنَّها "إذا أرادَتِ التفاوضَ فعلَيهَا الاتصالُ بواشنطنَ عبرَ خطوطٍ آمنةٍ". وجاء كلامُ الأخيرِ بعد إلغاء زيارةِ مبعوثَيْه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنير، إلى إسلام آباد، في ظلِّ غيابِ أرضيَّةٍ مشتركةٍ لعقدِ "تفاوضٍ بنّاءٍ" مع الإيرانيين. وفي الشأنِ السياسيِّ أيضًا، كانت جميع هذه القضايا محلَّ تداولٍ خلال الاتصالَيْنِ الهاتفيَّيْنِ اللذَيْنِ أجراهما رئيسُ مجلسِ الوزراء، وزيرُ الخارجيَّةِ القطريُّ، الشيخُ محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ آل ثاني، مع كلٍّ من وزيرِ الخارجيَّةِ المصريِّ بدر عبد العاطي، ونظيرِهِ الإيرانيِّ عباس عراقجي، في إطارِ تكثيفِ الجهودِ الدبلوماسيَّةِ ومنعِ تجدُّدِ التَّصعيدِ في المنطقة. وشدّدَ خلالهما على ضرورةِ "فتحِ الممرَّاتِ البحريَّةِ، وضمانِ حريَّةِ الملاحةِ، وعدمِ استخدامِها كورقةِ ضغطٍ أو مُساومةٍ". كما حذّرَ من آثارِ ذلك السلبيَّةِ على مختلفِ الدولِ، وإمداداتِ الطاقةِ والغذاءِ في العالمِ.
وكشَفَت تأثيراتُ الحربِ على إيرانَ عن تحدِّياتٍ جسامٍ وأزماتٍ عميقةٍ، خصوصًا بعد نجاحِ طهرانَ في فتحِ جبهاتٍ مؤيِّدةٍ لَها، في سياقِ سعيِها إلى تأكيدِ نفوذِها الإقليميِّ. وفي هذا الإطارِ، تبدو الساحةُ اللبنانيَّةُ مُرشَّحةً لمزيدٍ من الأزماتِ، مع ترنُّحِ اتفاقِ وقفِ إطلاقِ النارِ وتزايدِ التَّصعيدِ العسكريِّ الإسرائيليِّ. كما أصدرَ جيشُ الاحتلالِ إنذاراتِ إخلاءٍ شملتْ سبعَ بلداتٍ واقعةً شمالَ نهرِ الليطاني، للمرةِ الأولَى منذ تطبيقِ الهدنةِ الآيلةِ للسقوطِ في أيِّ لحظةٍ. وأدَّى ذلك إلى حركةِ نزوحٍ كثيفةٍ، فيما تواصلتِ الغاراتُ على عددٍ كبيرٍ من البلداتِ الجنوبيَّةِ، أسفرَت عن سقوطِ المزيدِ من الضحايا والجرحى، من بينهم أطفالٌ ومسعفون. في المقابلِ، أُصيبَ أربعةُ جنودٍ إسرائيليِّين بجروحٍ متفاوتةٍ في حادثٍ أمنيٍّ وقعَ جنوبَ لبنانَ، مع استمرارِ "حزبِ اللهِ" بقصفِ القواتِ الإسرائيليَّةِ داخلَ الأراضي اللبنانيَّةِ. ويرفضُ الحزبُ أن يكونَ وقفُ إطلاقِ النارِ من جانبٍ واحدٍ، كما حصلَ خلالَ اتفاقِ العام 2024. كما يرفعُ سقفَ التحدِّي باتجاهِ الحكومةِ اللبنانيَّةِ وقرارِها خوضَ المفاوضاتِ المباشرةِ مع إسرائيلَ بهدفِ التوصُّلِ إلى اتفاقٍ. إذ هاجمَ، في بيانٍ له أمسِ الأحد، المسارَ التفاوضيَّ، قائلًا إنَّ "السلطةَ اللبنانيَّةَ أسقطتْ نفسَها في مأزقٍ خطيرٍ حين اختارَتْ أن تجمعَها صورةٌ واحدةٌ مخزيةٌ مع ممثلي كيانٍ غاصبٍ لقيطٍ يستبيحُ أرضَهَا وسيادتَهَا ويواصلُ قتلَ شعبِهَا، والسيرَ في مساراتٍ تُشرعنُ لهذا العدوِّ اعتداءاتِه". وأكَّدَ أنَّ "استمرارَ العدوِّ في خرقِه لوقفِ إطلاقِ النارِ، وفي اعتداءاتِه (…) سيُقابَلُ بالرَّدِّ، وأنَّ المقاومةَ حاضرةٌ وجاهزةٌ للدفاعِ عن أرضِها وشعبِها، وهو حقٌّ تكفلُه المواثيقُ الدوليَّةُ".
وقبلَ هذا البيانِ، حاولَ رئيسُ الوزراءِ الإسرائيليُّ بنيامين نتنياهو توريطَ الحكومةِ اللبنانيَّةِ، وزَرْعَ الشقاقِ لغاياتٍ في نفسِه. إذ أشارَ إلى أنَّ تلّ أبيب "تعملُ بقوَّةٍ وفقَ الترتيباتِ المتَّفقِ عليها مع الولاياتِ المتَّحدةِ، وبالمناسبةِ أيضًا مع لبنان". كما ادَّعَى أنَّ ذلك "يعني حريَّةَ العملِ، ليس فقط للرَّدِّ على الهجماتِ، وهو أمرٌ بديهيٌّ، بل أيضًا لإحباطِ التهديداتِ الفوريَّةِ وحتى التهديداتِ الناشئةِ". بالتزامنِ، تستمرُّ الاتصالاتُ والمحاولاتُ الدبلوماسيَّةُ بهدفِ تطويقِ انزلاقِ الأمورِ إلى ما لا تُحمَدُ عقباه. فبدأَت المنسِّقةُ الخاصَّةُ للأممِ المتَّحدةِ لدى لبنان، جينين هينيس بلاسخارت، أمسِ الأحدِ، زيارةً رسميَّةً إلى تلّ أبيب، حيث من المُقرَّر أن تلتقيَ كبار المسؤولينَ الإسرائيليِّين. وأفادَ مكتبُها الإعلاميُّ بأنَّ المحادثاتِ "ستتمحورُ حولَ الفرصِ المتاحةِ لتثبيتِ وقفِ الأعمالِ العدائيَّةِ وتمهيدِ الطريقِ نحوَ استقرارٍ دائمٍ في لبنانَ وشمالِ إسرائيل". ولا تحملُ الأخيرةُ مبادرةً أو مُقترحًا، خصوصًا أنَّ "مظلَّةَ الأمانِ" اللبنانيَّةَ تتجلَّى من خلالِ الدعمِ العربيِّ المستمرِّ. وتبدو في مقدِّمتِه مساعي المملكة العربية السعودية لمنعِ أيِّ اضطراباتٍ داخليَّةٍ، والحفاظِ على الحكومةِ الحاليَّةِ برئاسةِ نواف سلام، الذي لفتَ، في تصريحٍ له، إلى أنَّه "لا دولةَ إلَّا بجيشٍ واحدٍ وقانونٍ واحدٍ". وأكِّد أنّه "لا أحدَ فوقَ القانونِ"، في موقفٍ يعكسُ توجُّهًا نحوَ حصرِ السلاحِ بيدِ الدولةِ، وتفعيلِ سلطةِ المؤسَّساتِ الرسميَّةِ على كاملِ الأراضي اللبنانيَّةِ، في ظلِّ الاحتقانِ الشعبيِّ والانقسامِ العموديِّ.
ويتزامنُ التخبّطُ اللبنانيُّ، وتزايدُ الوحشيَّةِ الإسرائيليَّةِ، والخوفُ من انهيارِ التفاهماتِ التي أدَّت إلى تجديدِ اتفاقِ وقفِ إطلاقِ النارِ، مع مستجدَّاتٍ في الإقليمِ، خصوصًا في العراقِ. إذ دخلَت البلادُ في فراغٍ دستوريٍّ على مستوَى الحكومةِ، مع نهايةِ مهلةِ الخمسةَ عشرَ يومًا اللازمة لتقديمِ مرشَّحٍ لرئاسةِ الوزراءِ، وعدمِ تمكُّنِ "الإطارِ التنسيقيِّ" من الاتفاقِ على اسمٍ واحدٍ خلال الاجتماعِ الذي عقدَه يومَ السبتِ. ويوحي ذلك بأنَّ الأزمةَ ستشهدُ مزيدًا من التفاقمِ، خصوصًا أنَّ بغداد تقفُ اليومَ عندَ منعطفٍ شديدِ الحساسيَّةِ، مع تزايدِ الضغوطِ الأميركيَّةِ في مواجهةِ التمدُّدِ الإيرانيِّ المُطبِقِ على البلادِ. وفي غيابِ التوافقِ الداخليّ، تبقى الأعينُ شاخصةً نحوَ المبادراتِ الخارجيَّةِ التي يمكنُ أن تُحرِّكَ المياهَ الراكدةَ، وتؤدِّي إلى تسميةِ شخصٍ ما، بعد توفيرِ الأرضيَّةِ المناسبةِ لذلك. ومن بغدادَ إلى دمشقَ، التي باشرَتْ، أمسِ الأحدِ، أولَى جلساتِ المحاكمةِ العلنيَّةِ، التي شملَتْ رئيسَ فرعِ الأمنِ السياسيِّ في محافظةِ درعا، عاطف نجيب، وآخرين من رموزِ النظامِ البائدِ، في القصرِ العدليِّ في دمشقَ. وحدَّدتْ محكمةُ الجناياتِ السوريَّةُ موعدَ الجلسةِ العلنيَّةِ الثانيةِ يومَ العاشرِ من شهرِ أيَّار/مايو المقبل.
في الأحداثِ الأخرى، تلقَّى رئيسُ الوزراءِ الإسرائيليُّ صدمتينِ كبيرتينِ. إذ أعلنَ أكبرُ منافسَيْنِ سياسيَّيْنِ له، وهما نفتالي بينيت من "تيارِ اليمينِ"، ويائير لابيد من "تيارِ الوسطِ"، دمجَ حزبَيْهِما في محاولةٍ للإطاحةِ بحكومتِه الائتلافيَّةِ في الانتخاباتِ المقبلةِ، المُقرَّرَة في تشرين الأوَّل/أكتوبر المقبل. كما تراجعتْ فرصُ حصولِه على عفوٍ خلالَ محاكمتِه في قضيَّةِ الفسادِ التي يواجهُها منذُ سنواتٍ، بعد إعلان الرئيس إسحاق هرتسوغ أنَّه "لن ينظرَ في طلبِ العفوِ الذي تقدَّمَ به نتنياهو في قضيَّةِ الفسادِ التي يواجهُها منذُ وقتٍ طويلٍ، إلَّا بعدَ استنفادِ جميعِ الجهودِ الممكنةِ للتوصُّلِ إلى اتِّفاقِ إقرارٍ بالذنب". على المقلبِ الآخر، كُشِفَت هويَّةُ الشخص الذي أطلقَ النارَ خلالَ عشاءِ مراسلي البيتِ الأبيضِ بحضورِ الرئيسِ الأميركيِّ. وأظهرَتِ التحقيقاتُ أنَّه مُدرِّسٌ ذو مستوىً تعليميٍّ عالٍ، ومطوِّرٌ، وهاوٍ لألعابِ الفيديو. وسيمثُلُ المشتبهُ به أمامَ قاضٍ اليومَ الاثنين، فيما أعلنتِ المدَّعيةُ العامَّةُ جانين بيرو أنَّه ستُوجّه إليه اتِّهاماتٍ باستخدامِ سلاحٍ ناريٍّ أثناءَ ارتكابِ جريمةِ عنفٍ، والاعتداءِ على عنصرٍ فدراليٍّ باستخدامِ سلاحٍ خطيرٍ.
وضمن فقرة الصحف الصادرة اليوم، إليكم أبرز ما ورد فيها:
رأت صحيفة "عُمان" العُمانية أن "واشنطن وإسرائيل تريدان بلبنان شرًا، وهي إعادته لاتفاق مماثل لاتفاق أيار وربما أسوأ بكثير فهذه المرة تخطط إسرائيل مدعومة من واشنطن، لاستبدال ما تزعم أنه نفوذ إيراني على لبنان بنفوذ إسرائيلي، وإقامة منطقة عازلة لمدة 10 كيلومترات في جنوب لبنان بحجة الدفاع عن مدى صواريخ المدرعات التي بحوزة مقاتلي "حزب الله". ولفتت إلى أن "كبح جماح المشروع الأميركي الإسرائيلي يكمن في عدم وجود اتفاق وتوافق وطني وانتقال أطراف من السنّة والدروز وحتى جزء صغير من الموارنة إلى صف التخوف من تطبيع مع نتنياهو يفجر السلم الأهلي... فالتسوية المجحفة المطروحة لا تحظى بدعم عربي صريح كما تتحفظ عليها دول مثل تركيا فضلًا عن المقاومة الإيرانيّة الشديدة للاستفراد بحزب الله أو قطع الصلة بين الملفين الإيراني واللبناني في المفاوضات الجارية بتعثر مع الأميركيين".
في السياق عينه، أوضحت صحيفة "اللواء" اللبنانية أن "لبنان اليوم يقف عند مفترق خطير. في الخارج، حروب مفتوحة واعتداءات متكرّرة وتهديد دائم للسيادة والأمن. وفي الداخل، انقسام سياسي حاد، ومفاوضات تُجرى باسم الشعب فيما هذا الشعب نفسه مشتّت، مثقل بالأعباء، فاقد للثقة، وممزّق بين أولويات البقاء اليومي وصراعات الطبقة الحاكمة". وقالت إن "ما يواجهه اللبنانيون اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل اختبار وجودي لوطن وشعب. فإما أن تُستعاد الدولة ومؤسساتها ودورها، وإما أن يستمر الانحدار نحو مزيد من التفكك والضياع. يبقى الأمل قائمًا ما دام هناك من يرفض الاستسلام، ويتمسّك بفكرة أن لبنان يستحق حياةً أفضل من هذا العبث الطويل".
صحيفة "الأهرام" المصرية، من جانبها، أشارت إلى أنه "ولتحقيق أهداف الحرب الاستراتيجيّة أخذ ترامب يمزج بين الأدوات الناعمة والصلبة، حيث قام بوقف إطلاق النار وتمديد المهلة لأجل غير مُسمى من أجل فتح المجال أمام الدبلوماسيّة والمفاوضات مع الإيرانيين لكن المفاوضات متعثرة حتى الآن نتيجة لانعدام الثقة بين أميركا وإيران ونتيجة تناقض مطالب كل طرف". واعتبرت أنه "أمام انتهاج الإيرانيين، خ "الحرس الثوري" لاستراتيجية النفس الطويل واللعب على عامل الوقت، رغم أنه ليس فى مصلحتهم مع استمرار الحصار البحري، هنا قد يقرر ترامب العودة مرة أخرى للحرب تحت مبرر أن الإيرانيين هم من رفضوا التفاوض والقبول بالعرض الأميركي، وذلك من أجل الحصول على اليورانيوم المخصب، وكذلك تدمير الأهداف الاستراتيجية الإيرانية وفتح ضيق هُرمز بالقوة، لكنه أيضا خيار صعب وله تكلفة باهظة اقتصاديًا وعسكريًا ويواجه تحديات وتعقيدات كثيرة".
وعن واقع بغداد، كتبت صحيفة "الصباح" العراقية إن "العراق اليوم يعاني: فراغًا حكوميًا أو ضعفًا في الفاعلية التنفيذية، انقسامًا سياسيًا حادًا داخل المكونات الرئيسية، هيمنة السلاح خارج إطار الدولة في أجزاء من المشهد، اختلالًا في العلاقة بين المركز والإقليم وتزايدًا في الضغوط الإقليمية والدولية". وأضافت أن "الإطار السياسي، حتى الآن، لم ينجح في تقديم شخصية تمتلك الوزن السياسي والقدرة التنفيذية لإدارة مرحلة تتسم بالتعقيد والتداخل بين الداخلي والخارجي. هنا تحديدًا تتجلى فكرة "المنعطف الحرج": العراق ليس أمام أزمة عابرة، بل أمام لحظة قرار تاريخي، فإما أن تتحول هذه اللحظة إلى نقطة انطلاق لإصلاحٍ حقيقي يبدأ بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسلاح وتنويع الاقتصاد وإعادة بناء الثقة الداخلية والخارجية، أو أن تتحول إلى مسار انحداري، يعمّق الهشاشة ويجعل من العراق ساحة دائمة لتقاطع الصراعات الإقليمية".
(رصد "عروبة 22")

