هَذا الفِعْلُ في حَدِّ ذاتِهِ جَريمَةٌ دَوْلِيَّة، رُبَّما تَفوقُ الجَرائِمَ التي أُنْشِئَتْ مِنْ أَجْلِها مَحْكَمَةُ الجِناياتِ الدَّوْلِيَّة (ICC) في 1 يولْيو/تَمّوز 2002، بَعْدَ التَّصْويتِ على ميثاقِها التَّأْسيسِيِّ وَاعْتِمادِهِ مِنْ قِبَلِ 120 دَوْلَةً في روما في 17 يولْيو/تَمّوز 1998؛ ثُمَّ أُطْلِقَتْ أَعْمالُها رَسْمِيًّا في مارِس/آذار 2003، وَقَدْ عُيِّنَ بِها القُضاةُ المُعْتَبَرونَ وَالمُدَّعِي العام، وَاتُّخِذَتْ مَدينَةُ لاهاي في هولَنْدا مَقَرًّا رَئيسِيًّا لَها.
نوع آخر من الجرائم ضد الإنسانية هو "القمع التكنولوجي"
وَفي الوَقْتِ الذي تُعَدُّ فيهِ هذِهِ المَحْكَمَةُ هَيْئَةً قَضائِيَّةً دَوْلِيَّةً دائِمَةً وَمُسْتَقِلَّةً مِنْ قِبَلِ المُجْتَمَعِ الدَّوْلِيّ، باتَتْ تَتَعَرَّضُ لِمُمارَساتٍ ضاغِطَةٍ تُثْنيها عَنْ أَداءِ رِسالَتِها الإِنْسانِيَّةِ بِنَزاهَة. فَهِيَ تَخْتَصُّ تَحْديدًا بِالبَتِّ في أَشَدِّ الجَرائِمِ التي يَرْتَكِبُها الأَفْراد، وَتَكونُ مَوْضِعَ اهْتِمامِ المُجْتَمَعِ الدَّوْلِيّ، كَالإِبادَةِ الجَماعِيَّة، وَالجَرائِمِ ضِدَّ الإِنْسانِيَّة، وَجَرائِمِ الحَرْبِ وَالعُدْوان؛ بِما يَشْمَلُ مُعالَجَةَ انْتِهاكاتِ حُقوقِ الإِنْسانِ وَمُكافَحَةِ الإِرْهابِ وَتَهْريبِ المُخَدِّرات.
غَيْرَ أَنَّهُ يَبْدو أَنَّ هُناكَ اسْتِثْناءً لِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ الجَرائِمِ ضِدَّ الإِنْسانِيَّة، أَشَدَّ خُطورَةً وَأَشْنَعَ ضَرَرًا، وَهُوَ "القَمْعُ التِّكْنولوجِيّ"، وَالاسْتِبْدادُ الرَّقْمِيّ، وَالإِرْهابُ السُّلْطَوِيُّ الذي يَتَحَكَّمُ في أَنْظِمَةِ الاتِّصالِ وَالتَّواصُلِ وَالتَّفاعُلِ الشَّبَكِيِّ الكَوْكَبِيِّ وَقَطْعِ سُبُلِ الحَياةِ المُعاصِرة.
لم يسلم قضاة الجرائم الدولية من الهيمنة والرقابة الأميركية
لَقَدْ أَصْبَحَ هذا الأَمْرُ يُمارَسُ عِيانًا، عَلى مَرْأى شُعوبِ وَحُكوماتِ الأُمَمِ قاطِبَةً! بِكُلِّ تَبَجُّحٍ وَغَطْرَسَةٍ مِنْ أَكْبَرِ الدُّوَلِ وَأَقْواها سِياسِيًّا وَعَسْكَرِيًّا وَتِقْنِيًّا في العالَم، أَلا وَهِيَ الوِلاياتُ المُتَّحِدَة. وَكَما أَفادَتْ قَنَواتُ الإِعْلامِ وَالصِّحافَةِ العالَمِيَّةِ في أَخْبارِها وَمُتابَعاتِها المُخْتَلِفَة، مِثْلَ "فايِنَنْشال تايْمز"، "لومونْد"، "ذي غارْديان"، "يورونْيوز"، "إِنْسْتَغْرام"، وَغَيْرِها؛ لَمْ يَسْلَمْ قُضاةُ الجَرائِمِ الدَّوْلِيَّةِ مِنَ الهَيْمَنَةِ وَالرَّقابَةِ الأَميرْكِيَّة؛ فَفي أَغُسْطُس/آب 2025 أَصْدَرَ الرَّئيسُ الأَميرْكِيُّ دونالْد ترامب قَرارًا بِفَرْضِ عُقوباتٍ قاسِيَةٍ على واحِدٍ مِنْ أَبْرَزِ قُضاةِ المَحْكَمَة: الفَرَنْسِيِّ نيكولا غِيُّو (Nicolas Guillou).
وَبَرَّرَتْ وِزارَةُ الخِزانَةِ الأَميرْكِيَّةُ هذا الإِجْراء، بِسَبَبِ مُوافَقَةِ "غِيُّو" وَتَصْريحِهِ بِإِصْدارِ المَحْكَمَةِ الجِنائِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ مُذَكِّراتِ تَوْقيفٍ لِرَئيسِ الوُزَراءِ الإِسْرائيلِيِّ بِنْيامين نِتِنْياهو وَوَزيرِ دِفاعِهِ السّابِقِ يوآف غالانْت. وَكِلا الرَّجُلَيْنِ مُتَّهَمانِ بِارْتِكابِ جَرائِمِ حَرْبٍ وَجَرائِمَ ضِدَّ الإِنْسانِيَّة، لِدَوْرِهِما في تَدْميرِ قِطاعِ غَزَّة. كَما أَعْلَنَ وَزيرُ الخارِجِيَّةِ الأَميركِيِّ مارْكو روبيو عَنِ المَزيدِ مِنَ العُقوباتِ على قُضاةِ المَحْكَمَةِ الجِنائِيَّةِ الدَّوْلِيَّة، قائِلًا إِنَّ المَحْكَمَةَ تُمَثِّلُ "تَهْديدًا لِلأَمْنِ القَوْمِيّ"، لِأَنَّها سَعَتْ لِمُحاكَمَةِ مُواطِنينَ أَميرْكِيّينَ أَوْ إِسْرائيلِيّين! وَإِجْمالًا، فُرِضَتِ العُقوباتُ على سِتَّةِ قُضاةٍ وَثَلاثَةِ مُدَّعِينَ مِنَ المَحْكَمَةِ الجِنائِيَّةِ الدَّوْلِيَّة، بِمَنْ فيهم المُدَّعي العام كَريم خان.
في مُقابَلَةٍ مَعَ صَحيفَةِ "لومونْد" الفَرَنْسِيَّةِ في شَهْرِ نوفَمْبَر/تِشْرين الثّاني 2025، شَرَحَ القاضي "غِيُّو" تَأْثيرَ هذِهِ الإِجْراءاتِ على عَمَلِهِ وَحَياتِهِ اليَوْمِيَّةِ التي انْقَلَبَتْ رَأْسًا عَلى عَقِب. وَدَعا السُّلُطاتِ الأوروبِيَّةَ إِلى تَفْعيلِ آلِيَّةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَحُدَّ مِنْ تَأْثيرِ القُيودِ الأَميرْكِيَّةِ الظّالِمَة، التي مَنَعَتِ الوُسَطاءَ الأَميرْكِيّينَ أَفْرادًا وَشَرِكاتٍ مِنَ التَّعامُلِ مَعَ "غِيُّو" بِأَيِّ صِفَةٍ رَقْمِيَّةٍ كانَت؛ وَاعْتَبَرَتْهُ الشَّرِكاتُ التِّقْنِيَّةُ المُسَيْطِرَةُ رَقْمًا مَنْبوذًا، وَشَخْصًا مَحْظورًا في أَنْظِمَةِ الشَّبَكاتِ الأَميرْكِيَّةِ العالَمِيَّة؛ بِدْءًا مِنْ مَنْعِهِ مِنْ دُخولِ الأَراضي الأَميرْكِيَّة، وَتَقْييدِ حُرِّيَّتِهِ الشَّخْصِيَّةِ وَنَشاطِهِ الإِلِكْترونِيِّ بِأَكْمَلِه، شامِلًا مَنْعَهُ مِنَ الوُصولِ إِلى خِدْماتِ الشَّرِكاتِ الرَّقْمِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ بِأَنْواعِها: الخِدْماتِ المالِيَّة، المَصْرَفيةِ وَالتِّجارِيَّةِ وَالائْتِمانِيَّة، وَالمُكالَمات، وَالمُراسَلات، وَحِساباتِ الذَّكاءِ الاصْطِناعِيّ، وَحُجوزاتِ السَّفَر، وَحَرَكَةِ التَّسَوُّق، وَالتَّخْزينِ السَّحابِيّ، بِما في ذلِكَ مِنَصّاتُ غوغِل، أَمازون، يوتْيوب، زووم، سيغْنال، إِكسْبيدْيا، وَنِتْفْليكس؛ إِلى جانِبِ مِنَصّاتِ السُوشْيال ميدْيا، وَغَيْرِها.
العقل البشري يخضع الآن للاستعباد في تكنولوجيات مُصممة لتدجين الإنسان
هذا، وَقَدْ أَثارَتْ هذِهِ المُمارَساتُ قَلَقًا شَديدًا لَدى كَثيرٍ مِنَ الجِهاتِ العالَمِيَّة، سِيَّما الأوروبِيَّةَ التي أَفْزَعَها مَدى اعْتِمادِ الأوروبِيّينَ على الخِدْماتِ الأَميرْكِيَّة؛ وَيَرى بَعْضُها أَنَّهُ على الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ العُقوباتِ المُشينَةِ يَظَلُّ "غِيُّو" مُلْتَزِمًا بِواجِبِهِ في الحُكْمِ وِفْقَ القانون (heise.de) . وَلَيْسَ هُناكَ في واقِعِ الأَمْرِ الآن، إِلّا حَلٌّ واحِدٌ فَقَط: "مُقاطَعَةُ المِنَصّاتِ الأَميرْكِيَّةِ وَالبَحْثُ عَنْ بَدائِلَ" حَسَبَ "فايْنَنْشال تايْمز".
لَقَدْ آنَ الأَوانُ - مِثْلَما أَشَرْنا في مَقالاتٍ سابِقَةٍ حَوْلَ "التَّسَلُّطِ التِّقْنِيِّ وَتَوْليدِ الهَيْمَنَةِ" وَ"تَوْليدِ الاسْتِبْداد" - أَنْ يَبْحَثَ الإِنْسانُ عَنْ تَحَرُّرِهِ الرَّقْمِيّ، وَالتَّخَلُّصِ مِنْ وُقوعِهِ رَهينَةً لِلآلَةِ التِّقْنِيَّةِ الغَرْبِيَّة، وَبِالأَخَصِّ الأَميرْكِيَّةِ وَالصُّهْيونِيَّةِ المُتَجَذِّرَةِ تِقْنِيّاتُها في شَبَكاتِ الحاسوبِ العالَمِيَّة. فَالعَقْلُ البَشَرِيُّ الذي أَصْبَحَ مُسَيْطَرًا عَلَيْهِ بِإِدارَةِ الرَّأْسْمالِيَّةِ الصِّناعِيَّة، يَخْضَعُ الآنَ لِلاسْتِعْبادِ في تِكْنولوجِيّاتٍ مُصَمَّمَةٍ بِشَكْلٍ ما لِتَدْجينِ الإِنْسان، وَتَسْليعِه، وَتَجْريدِهِ مِنْ مَعْناهُ القِيَمِيّ.
مِنَ الواجِبِ الآنَ أَنْ تَتَوَحَّدَ الجُهودُ الدَّوْلِيَّةُ لِفَرْضِ تَشْريعاتٍ دَوْلِيَّةٍ لِدَمَقْرَطَةِ التِّكْنولوجْيا المُسْتَخْدَمَةِ عالَمِيًّا، وَإِدارَتِها بِقَوانينَ وَضَوابِطَ دَوْلِيَّةٍ عادِلَة، لِضَمانِ حُرِّيَّةِ الإِنْسانِ وَصَوْنِ كَرامَتِهِ وَمَبادِئِهِ وَقِيَمِهِ الخَيْرِيَّةِ وَالجَمالِيَّةِ السَّامِيَة. وَيَبْقى التَّوْظيفُ السِّياسِيُّ التَّعَسُّفِيُّ لِلتِّكْنولوجْيا السِّلْمِيَّةِ مِنْ قِبَلِ أَيِّ دَوْلَةٍ مُصَنِّعَةٍ لَها، لا يَخْدُمُها البَتَّة، بَلْ يُسِيءُ إِلَيْها، وَيُفْقِدُ الثِّقَةَ في اسْتِخْدامِها، وَيُحَفِّزُ مُسْتَخْدِميها لِلاسْتِغْناءِ عَنْها وَالفِكاكِ مِنْ سَيْطَرَتِها وَتَحَكُّمِها الجائِر. حينَ يَضْرِبُ الطُّغْيانُ قيمَةَ العَدْلِ القَضائِيّ، تُضْرَبُ كُلُّ القِيَمِ الإِنْسانِيَّةِ التي يَتَبَجَّحُ بِها الطُّغاةُ المُسْتَبِدّون.
(خاص "عروبة 22")

