تقدير موقف

الحَرْبُ وَالهَيْمَنَةُ العالَمِيَّة!

بَرَزَ مَفْهومُ "العالَمِيَّة"، مَطْلَعَ القَرْنِ السّادِسِ عَشَر، بِفِعْلِ حَرَكَةِ الكُشوفِ الجُغْرافيةِ التي افْتَتَحَتِ الزَّمَنَ الحَديث، وَنُمُوِّ حَرَكَةِ التِّجارَةِ الإِسْبانِيَّةِ وَالبُرْتُغالِيَّة، ثُمَّ البَريطانِيَّةِ وَالفَرَنْسِيَّةِ مع القارَّةِ الأَميرِكِيَّة، في مُوازاةِ عَمَلِيّاتِ اسْتيطانِها، الأَمْرُ الذي جَعَلَ مِنْ هَذِهِ الدُّوَلِ مَراكِزَ لِلقُوَّةِ وَالثَّرْوَة، تَمْتَلِكُ مُسْتَوْطَناتٍ في جُغْرافْيا العالَمِ الجَديد، وَمُسْتَعْمَراتٍ في شَتّى أَنْحاءِ العالَمِ القَديم، وَأَسْهَمَ في تَشْكيلِ النِّظامِ العالَمِيِّ بِسِماتِهِ المُسْتَمِرَّةِ مُنْذُ ثَلاثَةِ قُرونٍ وَعلى رَأْسِها "مَرْكَزِيَّةُ الغَرْب".

الحَرْبُ وَالهَيْمَنَةُ العالَمِيَّة!

حَدَثَتْ تَحَوُّلاتٌ في بُؤَرِ الهَيْمَنَةِ العالَمِيَّةِ داخِلَ تَجاويفِ الغَرْبِ نَفْسِه، وَذَلِكَ في مَراحِلَ ثَلاثٍ أَساسِيَّة، ارْتَبَطَتْ جَميعُها بِظاهِرَةِ الحَرْب:

المَرْحَلَةُ الأولى أَعْقَبَتِ الحُروبَ الدّينِيَّة، التي حَفَّزَتْها‏ الحَرَكَةُ البْروتِسْتانْتِيَّةُ في‏ ‏القَرْنَيْنِ‏ ‏السّادِسِ‏ ‏عَشَرَ‏ ‏وَالسّابِعِ‏ ‏عَشَر، خُصوصًا حَرْب الثَّلاثينَ عامًا، التي انْتَهَتْ بِتَوْقيعِ مُعاهَدَةِ وَسْتِفالِيا (1648). قَلَّصَ الإِصْلاحُ الدّينِيُّ كَثيرًا سُلْطَةَ البابا الدّينِيَّةَ على العالَمِ السِّياسِيّ، وَتالِيًا سُلْطَةَ النِّظامِ الإِقْطاعِيِّ وَإِماراتِهِ المَحْدودَة، ما أَتاحَ الفُرْصَةَ لِنُشوءِ الدَّوْلَةِ القَوْمِيَّة، التي سُرْعانَ ما صارَتْ "مِرْكَنْتيلِيَّةً" تَفْرِضُ الجَمارِكَ وَالرُّسومَ على حَرَكَةِ التِّجارَةِ مِنْها وَإِلَيْها، مِمّا راكَمَ لَدَيْها ثَرَواتٍ اسْتَخْدَمَتْها في بِناءِ الجُيوشِ وَالأَساطيلِ لِلسَّيْطَرَةِ على البِحارِ وَالمَضايِق، وَالتَّطَلُّعِ إلى الهَيْمَنَةِ العالَمِيَّة. وَالحَقيقَةُ أَنَّ هولَنْدا، التي لَمْ تَنْهَمِكْ بِشَكْلٍ مُباشِرٍ في حُروبِ الإِصْلاحِ الدّينِيّ، وَلا في المُنافَساتِ الإِسْبانِيَّةِ - البُرْتُغالِيَّةِ على المُسْتَعْمَراتِ في الأَميركتَيْن، هِيَ التي أَجادَتْ تَوْظيفَ "المِرْكَنْتيلِيَّةِ" في خِدْمَةِ هَيْمَنَتِها التِّجارِيَّةِ طيلَةَ القَرْنِ السّابِعِ عَشَرَ وَمَطْلَعِ القَرْنِ الثّامِنِ عَشَر.

استخدام أميركا المُنفلت للقوّة العسكرية أرهقها ونال من سُمعتها ومن ثمّ أخذت هيمنتها في التآكُل

المَرْحَلَةُ الثّانِيَةُ‏ أَعْقَبَتِ الحُروبَ ‏النّابِلِيونِيَّةَ‏ ‏ضِدَّ ‏المَلَكِيّاتِ‏ ‏الأوروبِّيَّةِ‏ ‏المُحافِظَة، وَالتي اسْتَمَرَّتْ ثُلُثَ قَرْنٍ وَانْتَهَتْ بِمَعْرَكَةِ واتِرْلو (1815) التي كَسَرَتْ أَنْيابَ نابِليونَ وَفَتَحَتِ البابَ أَمامَ نِظامِ تَوازُنِ القُوى، الذي أَحْسَنَتْ بَريطانْيا إِدارَتَهُ وَتَوْظيفَهُ مِنْ خِلالِ اسْتراتيجِيَّتَيْن: التَّحالُفاتِ المَرِنَة، وَالعُزْلَةِ العَظيمَة. وَمع تَصَدُّرِها الثَّوْرَةَ الصِّناعِيَّةَ الأولى، وَبَسْطِ سَطْوَتِها البَحْرِيَّة، تَمَكَّنَتْ مِنَ الهَيْمَنَةِ على العالَمِ خُصوصًا في العَصْرِ الفيكْتورِيّ (1837 ـ 1901)، حَيْثُ اسْتَعْمَرَتْ بُلْدانًا عَديدَةً في الشَّرْقِ وَالجَنوب. وَعِنْدَما دَخَلَتْ أَلْمانْيا المُوَحَّدَةُ الصِّراعَ على المُسْتَعْمَراتِ ضِدَّ بَريطانْيا وَفَرَنْسا، تَفَجَّرَتِ الحَرْبُ ‏‏العالَمِيَّةُ‏ ‏الأولى‏، التي أَفْضَتْ نَتائِجُها إلى "مُعاهَدَةِ فِرْسايْ" المُذِلَّة، وَمِنْ ثَمَّ صُعودِ النّازِيَّةِ وَإِعادَةِ بِناءِ "الرّايْخِ الثّالِثِ" في الطَّريقِ إلى الحَرْبِ الثّانِيَة.

أَمّا المَرْحَلَةُ الثّالِثَة، فَأَعْقَبَتِ الحَرْبَ العالَمِيَّةَ الثّانِيَة، التي خَرَجَتْ مِنْها الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ قُطْبًا عالَمِيًّا، إِذْ تَمَكَّنَتْ مِنْ حَسْمِ نَتائِجِها بِتَفْجيرِ القُنْبُلَتَيْنِ النَّوَوِيَّتَيْنِ ضِدَّ هيروشيما وَناغازاكي اليابانِيَّتَيْن. وَكَذَلِكَ فَعَلَ الِاتِّحادُ السّوفْياتِيُّ بَعْدَ أَنْ تَصَدّى لِأَلْمانْيا النّازِيَّة، وَساهَمَ في قِيادَةِ الثَّوْرَةِ الصِّناعِيَّةِ الثّانِيَة، خُصوصًا في المَجالاتِ الهَنْدَسِيَّةِ وَالنَّوَوِيَّةِ وَالفَضائِيَّة. وَبِفِعْلِ الِاخْتِلافِ الإيدْيولوجِيِّ بَيْنَ البَلَدَيْنِ القارِّيَيْنِ وَقَعَ الِانْشِطارُ المَعْروفُ في بُنْيَةِ القُوَّةِ العالَمِيَّةِ بَيْنَ ما يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ بِـ"شَرْقِ الغَرْبِ / الشُّيوعِيّ"، وَ"غَرْبِ الغَرْبِ / الرَّأْسِمالِيّ"، وَنُشوءِ النِظامِ ثُنائِيِّ القُطْبِيَّةِ بِاسْتراتيجِيّاتِهِ المَعْروفَة: الرَّدْعِ النَّوَوِيّ، وَالحَرْبِ البارِدَة، وَالوِفاقِ الدَّوْلِيّ... إِلَخ.

تَفَوَّقَتِ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ على الِاتِّحادِ السّوفْياتِيِّ في الحَرْبِ البارِدَة، لِأَنَّ نَموذَجَها في القِيادَةِ العالَمِيَّةِ كَانَ مُنْفَتِحًا على الأَصْعِدَةِ كَافَّة: السِّياسِيَّة‏‏،‏ وَالثَّقافية، وَالِاقْتِصادِيَّة‏‏، وَقَدْ تَداخَلَتْ في تَشْكيلِهِ سينَما هوليوود، وَمَقولاتُ "الحُلْمِ الأَميرْكِيّ"، وَالفَلْسَفَةُ البْراغْماتِيَّة، وَنَمَطُ الحَياةِ العَمَلِيِّ بِمُكَوِّناتِهِ المَعْروفَةِ على صَعيدِ المَأْكَلِ وَالمَشْرَبِ وَالمَلْبَس، ما وَفَّرَ لَهُ الجاذِبِيَّةَ وَالإِلْهام، وَمَنَحَ أميركا مَوْقِعًا مَرْكَزِيًّا في النِّظامِ الِاقْتِصادِيِّ وَشَبَكَةِ التِّجارَةِ العالَمِيَّيْن، خُصوصًا تِجارَةُ النَّفْطِ المُرْتَبِطَةُ بِالدّولار. أَمّا الِاتِّحادُ السّوفْياتِيُّ فَانْهارَ بَعْدَ نِصْفِ قَرْن، لَيْسَ بِفِعْلِ هَزيمَةٍ عَسْكَرِيَّة، بَل نَتيجَةَ انْغِلاقِهِ السِّياسِيّ، وَفُقْدانِ جاذِبِيَّتِهِ الإيدْيولوجِيَّة، خُصوصًا بَعْدَ قِيامِهِ بِقَمْعِ الِانْتِفاضاتِ السِّياسِيَّةِ في شَرْقِ أوروبّا، فَضْلًا عَنْ عَجْزِهِ عَنِ الِانْدِماجِ في الثَّوْرَةِ الصِّناعِيَّةِ الثّالِثَة، العِلْمِيَّةِ وَالتِّكْنولوجِيَّة، وَمُجاراةِ سِباقِ التَّسَلُّحِ الأَميرْكِيّ، وَالِاسْتِفادَةِ مِنْ شَبَكَةِ التِّجارَةِ العالَمِيَّة.

تُدرك أميركا أنّ وريثها هو الصّين ولذا تُعاند قبل أن تبدأ في رحلة التكيُّف مع الوضع الجديد

في نِهايَةِ الحَرْبِ البارِدَةِ صارَتْ أَميرْكَا قُطْبًا أَوْحَدَ تَوافَرَتْ لَهُ جُلُّ أَشْكالِ القُوَّة، الصَّلْدَةِ وَالنّاعِمَة، لَكِنَّ اسْتِخْدامَها المُنْفَلِتَ لِلقُوَّةِ العَسْكَرِيَّةِ في رُبْعِ القَرْنِ الماضي، كَما جَرى في أَفْغانِسْتانَ وَالعِراقِ وإيران، قَدْ أَرْهَقَها وَنالَ مِنْ سُمْعَتِها. وَمِنْ ثَمَّ أَخَذَتْ هَيْمَنَتُها في التَّآكُل، خُصوصًا وَقَدْ تَقَلَّصَ نَصيبُها مِنَ النّاتِجِ الِاقْتِصادِيِّ العالَمِيِّ مِنْ 40% مُنْتَصَفِ القَرْنِ العِشْرينَ إلى 20% الآن. وَهُنا مُشْكِلَةُ عالَمِنا المُعاصِر، الذي نَتَوَقَّعُ دُخولَهُ في مَرْحَلَةٍ لَيْسَتْ قَصيرَةً مِنَ الِاضْطِرابِ الِاسْتراتيجِيّ. فَأَميرْكَا لَنْ تَقْبَلَ بِسُهولَةٍ مُشارَكَةَ الآخَرينَ لَها في مَسْرَحِ الهَيْمَنَة، ناهيكَ عَنْ أَنْ تَقْبَلَ بِفِكْرَةِ النُّزولِ مِنْ على خَشَبَتِهِ وَلَوْ بِضْعَ دَرَجاتٍ. وَعلى عَكْسِ بَريطانْيا التي تَنازَلَتْ عَنْ هَيْمَنَتِها بِهُدوءٍ نِسْبِيٍّ مُنْتَصَفَ القَرْنِ الماضي لِأَنَّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، وَريثَها الِاسْتراتيجِيَّ، مِنْ صُلْبِها الحَضارِيّ: الدّينِيِّ وَالعِرْقِيِّ وَالثَّقافِيّ، تُدْرِكُ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ أَنَّ وَريثَها، أَوْ على الأَقَلِّ مُنافِسَها القُطْبِيَّ الجَديد، هُوَ الصّين، قُطْبُ الرَّحى في عالَمِ الشَّرْقِ الآسْيَوِيّ، وَلِذا فَالأَغْلَبُ أَنْ تُعانِدَ إلى أَقْصى حَدّ، وَأَبْعَدَ مَدًى، قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ في رِحْلَةِ التَّكَيُّفِ مع الوَضْعِ الجَديد!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن