شَهِدَ العالَمُ في الثَّمانينَ سَنَةً الأَخيرَةِ ثَلاثَةَ تَحَوُّلاتٍ كُبْرى طالَتِ العَقْدَ الاِجْتِماعِيَّ، وَفي القَلْبِ مِنْهُ، المُواطَنَةَ وَأَحْوالَ المُوَاطِنينَ في كُلِّ مَكان. وَلا يُمْكِنُ فَهْمُ هَذِهِ التَّحَوُّلاتِ الثَّلاثَةِ بِمَعْزِلٍ عَنِ النَّقَلاتِ النَّوْعِيَّةِ التي مَرَّ بِها النِّظامُ الاِقْتِصادِيُّ العالَمِيُّ مُنْذُ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَة.
فَمُنْذُ عامِ 1945 وَحَتّى يَوْمِنا هَذا، شَهِدْنا نَموذَجَيْنِ لِلْمُواطَنَةِ تَمَّ اخْتِبارُهُما وَنَموذَجًا ثالِثًا قَيْدَ التَّشَكُّل. النَّموذَجُ الأَوَّلُ تَشَكَّلَ عَقِبَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَةِ وَالذي يُمْكِنُ أَنْ نُطْلِقَ عَلَيْهِ نَموذَجَ المُواطَنَةِ الاِجْتِماعِيَّة ــ التَّنْمَوِيَّة. وَجاءَ تالِيًا نَموذَجُ المُواطَنَةِ السّوقِيَّةِ ــ الاِسْتِهْلاكِيَّةِ الذي نَتَجَ عَنْ إِجْماعِ وَاشِنْطُن نِهايَةَ الثَّمانينِيّات. وَها نَحْنُ بِصَدَدِ تَشَكُّلِ النَّموذَجِ الثّالِثِ لِلْمُواطَنَةِ في ضَوْءِ ما يُمْكِنُ أَنْ نُسَمّيَهُ نَموذَجَ إِجْماعِ سانْ فْرانْسيسْكو في 2025: المُواطَنَةُ الخَوارِزْمِيَّةُ الإِقْطاعِيَّة.
نَسْتَعْرِضُ في الحَلْقَةِ الأولى ما يَلي:
أَوَّلًا: المُواطِنُ الاِجْتِماعِيُّ في دَوْلَةِ الرَّفاهِ وَالتَّنْمِيَة؛ خَلَّفَتِ الحَرْبُ العالَمِيَّةُ الثّانِيَةُ (1939 ــ 1945) دَمارًا ضَخْمًا تَسَبَّبَ في مَقْتَلِ ما يَقْرُبُ مِنْ 80 مِلْيونَ إِنْسانٍ وَتَدْميرِ مُدُنٍ بِأَكْمَلِها وَانْهِيارٍ اقْتِصادِيٍّ كامِلٍ إِضافَةً إلى المَحْوِ التّامِّ الذي طالَ مَدِينَتَيْنِ يابانِيَّتَيْن. وَمِنْ ثَمَّ خَرَجَ العالَمُ مِنَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَةِ بِضَرورَةِ الاِلْتِفاتِ إلى بِناءِ الأَوْطانِ وَتَلْبِيَةِ حاجاتِ المُواطِنين.
تباطؤ النموّ وارتفاع معدّلات التضخّم وتزايد أعباء الإنفاق العام دفع إلى الأخذ بالليبيرالية الجديدة
في هَذا السِّياق، عَرَفَ المَرْكَزُ الغَرْبِيُّ نَموذَجَ دَوْلَةِ الرَّفاهِ بِتَطْبيقاتِها المُخْتَلِفَة: الدّيموقْراطِيَّةُ الاِجْتِماعِيَّةُ بِتَنْويعاتِها الرَّأْسَمالِيَّةِ المُتَنَوِّعَة، وَالاِشْتِراكِيَّة، وَالإِعانِيَّةُ التي أَخَذَتْ بِها الدُّوَلُ النّامِيَةُ أَوْ دُوَلُ ما بَعْدَ الاِسْتِقْلال. وَكُلُّها سَعَتْ إلى تَلْبِيَةِ احْتِياجاتِ المُواطِنِ وَتَأْمينِ المُساواةِ بِدَرَجَةٍ أَوْ بأُخْرى. وَكانَ المُشْتَرَكُ بَيْنَ دُوَلِ العالَمِ - على اخْتِلافِ أَنْظِمَتِها السِّياسِيَّةِ وَدَرَجَةِ الحُرِّياتِ السِّياسِيَّةِ فيها - هُوَ تَحْقيقُ المُوَاطَنَةِ الاِجْتِماعِيَّةِ بِدَرَجَةٍ أَوْ بِأُخْرى.
وَخِلالَ العُقودِ الثَّلاثَةِ المُمتَدَّةِ مِنْ نِهايَةِ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَةِ وَحَتّى مُنْتَصَفِ سَبْعينِيّاتِ القَرْنِ العِشْرين، حَقَّقَ هَذا العَقْدُ الاِجْتِماعِيُّ، بِتَوَافُقِ الكَثيرِ مِنَ الباحِثينَ على اخْتِلافِ تَوَجُّهاتِهِم، نَتائِجَ مَلْموسَةً تَمَثَّلَتْ في تَقْوِيَةِ الطَّبَقَةِ الوُسْطى وَتَراجُعِ مُعَدَّلاتِ الفَقْرِ وَارْتِفاعِ مُعَدَّلاتِ التَّعْليمِ وَالصِّحَّة. وَبَدا وَكَأَنَّ التَّوازُنَ قَدْ تَحَقَّقَ بَيْنَ النُّمُوِّ الاِقْتِصادِيِّ وَالعَدالَةِ الاِجْتِماعِيَّة. غَيْرَ أَنَّ هَذا النَّموذَجَ بَدَأَ يُواجِهُ أَزْماتٍ مُتَصاعِدَةً مُنْذُ سَبْعينِيّاتِ القَرْنِ الماضي نَتيجَةَ تَباطُؤِ النُّمُوِّ وَارْتِفاعِ مُعَدَّلاتِ التَّضَخُّمِ وَتَزايُدِ أَعْباءِ الإِنْفاقِ العامّ، الأَمْرُ الذي فَتَحَ البابَ أَمامَ صُعودِ تَوَجُّهاتٍ فِكْرِيَّةٍ وَاقْتِصادِيَّةٍ جَديدَةٍ رَأَتْ أَنَّ المُشْكِلَةَ تَكْمُنُ في تَضَخُّمِ دَوْرِ الدَّوْلَةِ وَتَراجُعِ دَوْرِ السّوق. ما دَفَعَ إلى الأَخْذِ بِاللّيبيرالِيَّةِ الجَديدَة؛ وَالاِنْتِقالِ إلى:
ثانِيًا: المُواطِنُ الاِسْتِهْلاكِيُّ في دَوْلَةِ السّوق؛ تَمَأْسَسَ التَّوَجُّهُ التّاتْشِرِيُّ/الرّيغانِيُّ في اجْتِماعٍ ضَمَّ المُؤَسَّساتِ المالِيَّةَ الدَّوْلِيَّةَ العالَمِيَّة: البَنْكَ الدَّوْلِيَّ وَصُنْدوقَ النَّقْدِ الدَّوْلِيَّ إِضافَةً إلى وِزارَةِ الخِزانَةِ الأَميرْكِيَّةِ سَنَةَ 1989، حَيْثُ وَضَعوا في هَذا الاِجْتِماعِ وَصْفَةً لِتَسْييرِ النِّظامِ الاِقْتِصادِيِّ العالَمِيِّ فيما عُرِفَ بـ"إِجْماعِ واشِنْطُن". كانَتْ هَذِهِ الوَصْفَةُ بِمَثابَةِ "المانيفِسْتو" الرَّسْمِيِّ لِلّيبيرالِيَّةِ الجَديدَةِ التي سادَتْ على مَدى أَرْبَعَةِ عُقود.
التحوُّل لم يكن اقتصاديًا فقط بل مسّ جوهر المواطنة نفسها
تَضَمَّنَ هَذا المانيفِسْتو المَبادِئَ التي على دُوَلِ العالَمِ اعْتِمادُها في بَلْوَرَةِ سِياساتِها الاِقْتِصادِيَّةِ/المالِيَّةِ وَالتي تَقومُ على: الخَصْخَصَة، وَتَحْريرِ الأَسْواق، وَتَقْليصِ دَوْرِ الدَّوْلَة، وَتَحْريرِ حَرَكَةِ رُؤوسِ الأَمْوالِ وَالتَّقَشُّفِ الحُكومِيِّ وَجَعْلِ آلِيّاتِ السّوقِ المُحَرِّكَةَ لِلْعَمَلِيَّةِ الاِقْتِصادِيَّةِ وَالمالِيَّة. حَمَلَ هَذا المانيفِسْتو وَعْدًا بِتَحْسينِ مُسْتَوَياتِ المَعيشَةِ لِمُواطِني العالَم. وَلَكِنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ تِلْكَ العُقودِ عَدَمُ وَفاءِ "إِجْماعِ واشِنْطُن" بِهَذا الوَعْد، بَلْ على النَّقيضِ أَدَّتِ السِّياساتُ النِّيو - ليبيرالِيَّةُ التي تَضَمَّنَها "مانيفِسْتو إِجْماعِ وَاشِنْطُن" إلى اتِّساعِ الفَجْوَةِ بَيْنَ القِلَّةِ الثَّرَوِيَّةِ وَالكَثْرَةِ المُوَاطِنِيَّةِ في العالَمِ إلى حَدٍّ غَيْرِ مَسْبوقٍ في تاريخِ البَشَرِيَّة. وَهُوَ ما تُؤَكِّدُهُ البَياناتُ وَالدِّراساتُ عَنْ أَنَّ أَغْنى 1% مِنْ سُكّانِ العالَمِ يَسْتَحْوِذونَ على أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثَيِ الثَّرْوَة (ما مِقْدارُهُ 50 تْريلْيونَ دولار) المُتَوَلِّدَةِ خِلالَ العُقودِ النِّيو - ليبيرالِيَّة.
وَبِالأَخير، وَحَسَبَ أَحَدِ البَاحِثين، لَمْ يَكُنِ التَّحَوُّلُ اقْتِصادِيًّا فَقَط، بَلْ مَسَّ جَوْهَرَ المُواطَنَةِ نَفْسِها. فَبَيْنَما كانَ المُواطِنُ الاِجْتِماعِيُّ يَتَمَتَّعُ بِحُقوقٍ تَلْتَزِمُ الدَّوْلَةُ بِضَمانِها، أَخَذَتِ المَسْؤولِيَّةُ تَنْتَقِلُ تَدْريجِيًّا إلى الفَرْد. وَباتَ عَلَيْهِ الاِنْدِماجُ في السّوقِ كَيْ يَتَسَنّى لَهُ الحُصولُ على حُقوقِهِ بِاعْتِبارِها "سِلَعًا" مُسْتَوْجِبَةَ الشِّراءِ وَالدَّفْعِ مُقابِلَ التَّمَتُّعِ بِها. وَهَكَذا جَرى اسْتِبْدالُ المُواطِنِ الاِجْتِماعِيِّ بِالمُواطِنِ المُسْتَهْلِك.
دخلت البشرية العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي حيث تتشكّل ملامح المواطن الخوارزمي
إِنَّ التَّحَوُّلَ مِنْ دَوْلَةِ الرَّفاهِ وَالتَّنْمِيَةِ إلى دَوْلَةِ السّوقِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ انْتِقالٍ مِنْ نَموذَجٍ اقْتِصادِيٍّ إلى آخَر، بَلْ كانَ تَحَوُّلًا عَميقًا في العَقْدِ الاِجْتِماعِيِّ ذاتِه. فَقَدِ انْتَقَلَ العالَمُ مِنْ مَرْحَلَةِ المُواطِنِ الاِجْتِماعِيِّ الذي تَسْتَنِدُ مُوَاطَنَتُهُ إلى مَنْظومَةٍ مِنَ الحُقوقِ الاِجْتِماعِيَّة، إلى مَرْحَلَةِ المُواطِنِ المُسْتَهْلِكِ الذي تُحَدَّدُ مَكانَتُهُ بِقُدْرَتِهِ على الاِنْدِماجِ في السّوق، وَقُدْرَتِهِ الشِّرائِيَّةِ على اسْتِخْلاصِ الخَدَمات. بَيْدَ أَنَّ هَذا التَّحَوُّلَ لَمْ يَكُنْ نِهايَةَ المَطاف؛ فَمَعَ مُسْتَهَلِّ العَقْدِ الثّاني مِنَ الأَلْفِيَّةِ الثّالِثَة، دَخَلَتِ البَشَرِيَّةُ العَصْرَ الرَّقْمِيَّ وَالذَّكاءَ الاِصْطِناعِيّ، مُؤْذِنَةً بِانْخِراطِها في طَوْرٍ جَديدٍ أَكْثَرَ تَعْقيدًا، يَتَجاوَزُ مَنْطِقَ السّوقِ التَّقْليدِيِّ نَحْوَ عالَمٍ تَحْكُمُهُ البَياناتُ وَالخَوَارِزْمِيّاتُ وَالمِنَصّاتُ الرَّقْمِيَّة، حَيْثُ تَتَشَكَّلُ مَلامِحُ مُواطِنٍ جَديدٍ هُوَ المُواطِنُ الخَوارِزْمِيّ.
(خاص "عروبة 22")

