بينما تسعَى طهرانُ إلى "إعادةِ" شروطِ التفاوض مع واشنطن إلى الطاولة بهدف "كسر الجمود" عبر تقديمها مقترحًا جديدًا من 14 نقطة عبر الوسيط الباكستاني، يدور لبنان في "حلقةٍ مفرغةٍ". فإسرائيلُ تواصلُ خرقَ اتفاقِ وقفِ النارِ، والدولة بكل أركانها تتحرك في اتجاهاتٍ عدة، وتواصل مساعيها الدوليّة والإقليميّة لدفع تلّ أبيب نحو الالتزام بالهدنة الهشة، الآيلة للانهيار في أي لحظة. لكن جميع الجهود المبذولة، حتى اللحظة، تبدو من دون أي مفاعيل تُذكر على الأرض، خصوصًا أن رئيس الجمهورية اللبنانيّة العماد جوزاف عون لا يزالُ متمسكًا برفضِ إجراءِ لقاءٍ مباشرٍ مع رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو برعايةٍ أميركيّةٍ. ويسعى عون إلى أن يكون هذا اللقاء كتتويج لإبرام اتفاق وليس قبله، منعًا لانزلاق البلاد نحو مستنقعِ التفرقةِ والفتنةِ، التي بدأَت تطلُ برأسِهَا.
فتصاعدُ الهجماتِ "التخوينيّة" على عون ورئيسِ الحكومةِ نواف سلام، وصولًا إلى البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، تكشف عن حجم الاختلاف والانقسام الحاد بين أبناء البلد الواحد، ما يُعوق التوصل إلى حلولٍ عملياتيّةٍ لغيابِ الإجماعِ الوطنيِّ حولَ العديدِ من القضايا المصيريةِ. وتُعتبر أهم هذه القضايا سؤال: أيُّ لبنان نريده اليوم، في ظلِّ التغيّراتِ الكبيرةِ الحجاريةِ في المنطقةِ والعالمِ، التي لا يمكن له أن يكون بمنأى عنها. فالحربُ "المُجمدّةُ" على إيرانَ وما خلّفَتْهُ من تداعياتٍ، خصوصًا على صعيدِ العلاقاتِ مع دولِ الخليجِ العربي، والأوضاع السورية الراهنة بعد سقوط نظام بشار الأسد، جميعها عوامل تؤثر بشكلٍ أو بآخر على الأوضاع الجارية، خصوصًا أن طهرانَ تريدُ أن تواصلَ إمساكَها بالملفِ اللبنانيِّ وربطِهِ بالوضعِ الإيرانيِّ. لكن لبنانَ الرسمي باتَ بعيدًا عن هذا السيناريو ويسعى إلى الفصل، انطلاقًا من الحاجة الماسة إلى استعادة القرار الداخلي ووقف النزيف الحاصل في الاقتصاد والعلاقات الاجتماعيّة، خصوصًا أنه بات مطلبًا دوليًا عامًا. وسط كل تلك الأحداث، يُراوحُ "حزبُ الله" مكانَهُ، لا يقرأ تطورات الإقليم ولا يعي التداعيات الخطيرة لما يحصل على لبنان، ويصرُّ على فتحِ جبهاتٍ داخليةٍ عبر اتهامِ خصومِهِ بـ"الخيانةِ" و"التفريطِ بحقوقِ الجنوبيين". كما يرفضُ، جملةً وتفصيلًا، خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل، بينما يستكمل استهداف قوات الاحتلال في الجنوب والإعلان عن عمليات تدمير وإصابات في صفوفِها، مؤكدًا أن اتفاقَ وقفِ النارِ يجب أن يُطبق على طرفي الحرب، وألّا تتفرّد إسرائيل بالعملياتِ والغاراتِ.
ويطالبُ الحزبُ، الذي لطالما ربَطَ النصرَ بالميدانِ، بوقفِ القصفِ فورًا والانسحابِ الإسرائيليِّ من القرَى والبلداتِ الجنوبيّةِ وعودةِ الأهالي إليها، وفك أسر المعتقلين في سجون الاحتلال، وصولًا إلى ضرورةِ بدءِ إعادةِ الإعمارِ. وهي مطالبٌ يتمسكُ بهِ أيضًا رئيسُ الجمهوريةِ، الذي أكد مرارًا أن الهدفَ من التفاوضِ المباشرِ هو إنهاء الحرب، مؤكدًا أنه لن يقبل بالوصول "إلى اتفاقيةِ ذل". لكن المساعي الديبلوماسيّة لا تزالُ تصطدمُ بالمطامعِ الإسرائيليّةِ، إذ شهدَت الساعاتُ الأخيرةُ المزيد من إنذارات الإخلاء والقصف العنيف، لتشمل الجزء الأكبر من بلدات قضاءي النبطية وصور. كما تعرّضت بلدة يحمر الشقيف لقصفٍ فوسفوريّ إسرائيلي، تزامن مع استهداف مُكثف لبلدات زوطر الشرقية، زوطر الغربية، وميفدون. ولا يوفر العدو الأضرحة أو المساجد أو المراكز الآثارية من إجرامه الوحشي، فيما حصيلة الخسائر البشرية في ارتفاعٍ مطرّدٍ. إذ أعلنت وزارة الصحة اللبنانية عن سقوط 2659 قتيلًا و8183 جريحًا، منذ استئناف الحرب على لبنان في 2 آذار/مارس الماضي. ويواصل الاحتلال تنفيذ خطته مع تقديراتٍ بأن المعركةَ مرشحة للاستمرار لفترةٍ طويلةٍ، في ظلِّ انتشارٍ ميدانيٍّ يمتدُ إلى عمقٍ يُقارِبُ عشرةَ كيلومتراتٍ داخلَ الأراضي اللبنانيّة. في المقابلِ، تُظهرُ التقييماتُ العسكريةُ أن "حزبَ الله" يطوّرُ أنماطَ قتالٍ قائمة على حربِ العصاباتِ، مستفيدًا من تجاربِ أوكرانيا وغزّة، عبرَ تكثيفِ استخدامِ المسيّراتِ والقنصِ والصواريخِ المضادةِ للدروعِ.
بموازاة هذه المستجدات، برزَ مؤشرٌ سياسيٌّ لافتٌ، تمثّل بزيارةٍ "مفاجئةٍ" لرئيس لجنة الإشراف على اتفاق وقف الأعمال العدائية (الميكانيزم)، الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد إلى بيروت، وعقدَ لقاءً مع قائدِ الجيشِ رودولف هيكل في قاعدةِ بيروتَ الجويةِ. ووصفَ الجيشُ الاجتماعَ بـ"الاستثنائي"، لجهةِ تناولِهِ الوضع الأمني في لبنان والتطورات على صعيد المنطقة، وسُبل الاستفادة القصوى من "الميكانيزم" وتطوير عملها. كما جرى التأكيد خلاله على أهمية دور الجيش وضرورة دعمه في ظلِّ المرحلةِ الحاليّةِ. وفي إطارٍ ذات صلّة، عبّرت الصين، عبر سفيرها لدى الأمم المتحدة، عن موقفٍ مهمٍ ومتقدّمٍ. إذ دعَت إلى إعادةِ النظرِ في قرارِ مجلسِ الأمنِ الدوليِّ القاضي بإنهاء تفويض قوات "اليونيفيل"، في نهاية هذا العام، معربةً عن قلقِهَا من التدهورِ الجاري لجهةِ استمرارِ القصفِ، ولو بوتيرةٍ أقل. وعليه، فإن لبنان أمامَ خياراتٍ محدودةٍ، لكنه يحاول توظيف "الدعم العربي"، الذي انعكس من خلال الزيارةِ السعوديةِ ودخولِ المملكةِ على خطِ تهدئةِ النفوسِ ومنع انزلاقِ الأوضاعِ أكثر. فضلًا عن الدورِ الفرنسيِّ المتقدمِ والعلاقاتِ الإيجابيّةِ مع الإدارةِ الأميركيّةِ. وفي انتظارِ ما سيحملُهُ هذا الأسبوعُ، يتمحورُ القلقُ حول توسعةِ الاستهدافاتِ الإسرائيليّةِ والدمار المهول الذي يصيب القرى والبلدات الجنوبيّة، وسطَ محاولاتٍ حثيثةٍ لـ"إنعاشِ" الاتفاقِ، على الرغمِ من الخروقاتِ والاعتداءاتِ اليوميّةِ.
أما في إيرانَ، فالأوضاعُ الداخليةُ على حالِهَا وسطَ غيابِ صوتِ الإيرانيين، بسبب القيودِ الصارمةِ المفروضةِ عليهم، بالتوازي مع الإعلان اليوميّ عن تنفيذ إعداماتٍ جديدةٍ في ظلِّ غيابِ محاكماتٍ عادلةٍ وشفافةٍ. ويحاولُ نظامُ "الثورة الإسلاميّة" تكريسَ "الصمودِ" نهجًا للإعلانِ عن الانتصارِ، في وقتٍ تتزايدُ فيه تداعياتُ الحصار البحريّ الأميركيّ المفروض على الموانئ والسفن الإيرانيّة. وبحسب آخر التفاصيل، قدمت طهران مقترحًا جديدًا يتضمن الخطوط الحمراء التي ترفض التخلي عنها، إلى جانب طرح خريطة طريقٍ لوقفِ الحربِ. وبحسب ما نقلته وكالة "تسنيم" عن مصادر، شدّدت إيرانُ على ضرورةِ معالجةِ القضايا العالقةِ خلالَ فترةٍ لا تتجاوز 30 يومًا. وأكدت أن الأولويةَ يجب أن تكونَ لإغلاقِ ملفِ الصراعِ بالكاملِ، وليسَ إدارة النزاع عبر فتراتِ وقفِ إطلاقِ نارٍ متقطعةٍ. هذا ونشرت بعض وسائل الإعلام النقاط التي تضمنها المقترح الجديد، الذي يقوم على: ضمانات بعدم الاعتداء مستقبلًا، رفع الحصار البحري، الإفراج عن الأصول الإيرانيّة المُجمدة، دفع تعويضات عن الأضرار الناتجة عن الحرب، رفع العقوبات الاقتصادية بالكامل، إلى جانب إنهاء الحرب في جميع الجبهات بما فيها لبنان، وإنشاء آليةٍ جديدةٍ لتنظيمِ الملاحةِ في مضيقِ هُرمزَ، الذي تحوّلَ إلى أزمةٍ مستعصيةٍ تطالُ جميعَ الدولِ من دونِ أيِّ استثناء.
ولا تحمل البنود الجديدة أي تغيّر يُذكر، فهي تشبه بتفاصيلها المقترحات السابقة، وتبقى ضمن السقف الذي تصرّ عليه إيران، من دون تقديمِ أيِّ تنازلاتٍ. بينما سيكون الرّد الأميركي هو الحاسم، على الرغمِ من عدمِ وجودِ توقعاتٍ كبيرةٍ بإمكانيةِ قبولِهِ، ما عكسَهُ تصريحُ الرئيس ترامب. إذ قال الأخير: "سندرس قريبًا الخطة التي أرسلتها إيران إلينا للتو"، مشيرًا إلى أنه لا يتصور أن تكون مقبولة، ومحذرًا، في الوقتِ عينِهِ، من أن خيارَ استئنافِ الهجماتِ لا يزالُ واردًا إذا أساءَت طهران التصرف. وتدرك الإدارة الأميركيّة حاجة النظام الإيرانيّ إلى التوصلِ إلى اتفاقٍ بسببِ الخنقِ الاقتصاديِّ المفروضِ عليه نتيجةَ استمرارِ الحصارِ، مع تأكيدِ واشنطنَ أن "الوقت في صالحها". فبحسب تقديرات "البنتاغون"، التي نقلها موقع "أكسيوس"، حرَمَ هذا الحصار إيران حتى الآن من نحو 4.8 مليار دولار من عائدات النفط، عبر إبقاء 31 ناقلة محمّلة بنحو 53 مليون برميل عالقة في الخليج، وتحويل أكثر من 40 سفينة حاولت عبور خطوط الحصار. وعلى الرغمِ من تكرار قوله إنه ليس في عجلةٍ من أمرِهِ، يتعرضُ ترامبُ لضغوطٍ داخليةٍ لكسرِ سيطرةِ إيرانَ على مضيقِ هُرمزَ، الذي أدى إغلاقُهُ إلى تعطيلِ 20 في المئةِ من إمداداتِ النفطِ والغازِ العالميّةِ، ورفعِ أسعارِ البنزين في الولاياتِ المتحدة. ويواجهُ الحزبُ الجمهوريّ، الذي ينتمي إليه ترامب، خطر رد فعلٍ شديدٍ من الناخبين بسببِ ارتفاعِ الأسعارِ خلال انتخابات التجدّيد النصفي للكونغرس، المتوقع إجراؤها في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.
أوضاع هُرمز والآثار المستمرة كانت محط نقاش وتداول خلال الاتصال الهاتفي الذي جرى بين رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني ووزير الخارجية الإيرانيّة عباس عراقجي، الذي تطرّقَ إلى مسارِ المفاوضاتِ الجاريةِ وتطوراتِهَا، وما تشهده من حراكٍ دبلوماسيٍّ في المرحلةِ الحاليّةِ. بينما شدّدَ بن جاسم آل ثاني على أن حرية الملاحة تُعد مبدأً راسخًا لا يقبل المساومة، وأن إغلاق مضيق هُرمز أو استخدامه كورقة ضغط لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، وتعريض المصالح الحيوية لدول المنطقة للخطر. وهذه ليست المرة الأولى التي تنبه فيها الدوحة من مخاطر ما يجري، في وقتٍ دعا فيه العاهلُ البحريني الملك حمد بن عيسى، إيرانَ إلى الكفِ عن التدخلِ في الشؤونِ الداخليةِ لبلادِهِ ودولِ الخليجِ العربي. كما أكدَ أن "ما تعرضت له البحرين من عدوانٍ إيرانيٍّ آثمٍ استهدفَ أمنها واستقرارها وسلامة شعبها، كشفَ عن زيفِ من باعوا ضمائرهم للعدو"، قائلًا: "كشفت المحنةُ التي مرَّ بها الوطنُ الوجوهَ وأسقطَتِ الأقنعة". وقرّرت طهران أن "تغامر" بالعلاقات مع دول الجوار، من خلال استهداف مراكزها الحيوية ومنشآتها النفطية، بحجة وجود قواعد أميركيّة. وأدرجت ذلك في إطارِ "الدفاعِ عن النفسِ"، لكنها وضعت نفسَهَا في عزلةٍ، ودفعَت نحوَ إعادةِ تقييمِ العلاقاتِ ورسمِ تحالفاتٍ وتوازناتٍ جديدةٍ، ما ستكشفه المرحلةُ المقبلةُ.
إلى جانبِ الضرباتِ الإيرانيّة، انطلقت هجماتٌ عديدةٌ من العراقِ عبرَ الفصائلِ المواليةِ لطهرانَ، التي دخلت يومها على خطِ الأزمة. وتعاني بغداد من أزماتٍ متعدّدةٍ نتيجةَ تعاظمِ النفوذِ الإيرانيّ من جهةٍ، وزيادة الضغوط الأميركيّة من جهةٍ أخرى. وكشف اختيار علي الزيدي كرئيسٍ للوزارءِ بعد تعثرٍ طويلٍ ومسارٍ سياسيٍّ مُعقدٍ، عن نقطتين بارزتين، هما: رضوخُ "الإطار التنسيقي" للفيتو الذي وضعته واشنطن على الأسماء التي كانت مرشحة سابقًا، وثانيًا استمرار دور طهران، لما يمثله الزيدي من علاقاتٍ ونفوذ. في الأثناء، يواصلُ الزيدي مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، بينما دعا، من أربيل، "الحزب الديمقراطي الكردستاني" إلى إنهاء مقاطعته للعملية السياسيّة في بغداد. وعلّق الحرزب حضوره التشريعي على خلفيةِ تنصيبِ نزار آميدي، القيادي في "الاتحاد الوطني الكردستاني"، رئيسًا للجمهورية، خلافًا للتوافق بين الحزبَيْن. ومع مساعي إنهاء الخلافات العراقيّة الداخليّة، والانطلاق نحو مرحلةٍ جديدةٍ لا تزالُ معالمُهَا غيرَ واضحةٍ، يستمرُ الوضعُ في سوريا تحت المراقبة. فدمشق تدرك وجود أجندات تعمل على خلق الفوضى واستمرار تردي الأوضاع الأمنية في البلاد. ضمن هذا الإطار، وضعت وزارة الداخليّة السورية حادث اغتيال رجل الدين الشيعي فرحان المنصور، الإمام في مقام السيدة زينب جنوب دمشق، ضمن "مسار تصعيدي خطير". وقالت إنها تتابع "ببالغ الاهتمام" ما شهدته البلاد من محاولاتٍ "ممنهجةٍ" لزعزعةِ الاستقرارِ وضربِ السلمِ الأهلي.
من جهةٍ أخرى، أعلن الأردن عن تنفيذِ القواتِ المسلحةِ، فجرَ اليومِ، غاراتٍ جويةٍ استهدفَت عددًا من المواقع لتجارِ الأسلحةِ والمخدراتِ، على الواجهةِ الحدوديةِ الشماليةِ للمملكة، ضمن "عملية الردع الأردني"، في حين أفادت مصادر سورية بأن الغارات استهدفت السويداء جنوبي البلاد. وتتواصلُ محاولاتُ إيجاد حلٍّ لمشكلةِ تهريبِ المخدراتِ عبرَ الحدودِ السوريةِ الأردنيةِ، التي لم تنتهِ مع سقوط نظام الأسد على الرغمِ من تراجعِهَا نسبيًا. على المقلبِ الآخر، يشهدُ قطاعُ غزّة عملياتٍ عسكريةٍ يوميةٍ والمزيد من سقوط الضحايا والجرحى، وسط تعثرِ تطبيقِ خطةِ الرئيسِ الأميركي دونالد ترامب. وأفادت وسائل إعلام إسرائيليّة بأن المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسيّة والأمنية (الكابينت)، يعتزم عقد اجتماعٍ مساءَ اليومِ الأحد، لمناقشةِ إمكانيةِ استئنافِ العملياتِ العسكريةِ في القطاع. وفي هذا السيّاق، نقلت القناةُ الـ15 الإسرائيليّة عن مسؤولٍ في هيئةِ أركانِ الجيشِ قوله إن "جولة قتالٍ إضافيةٍ مع حركة حماس باتت شبه حتميّة"، مبررًا ذلك برفض الحركة تفكيك ترسانتها العسكرية. وتربط الحركة هذا الأمر بخطواتٍ عدة، منها تطبيق المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار وإدخال المساعدات وإنهاء الحصار كليًا عبر فتح المعابر دون قيود، فيما تتنصل تلّ أبيب من ذلك. وحاول أسطول "الصمود العالمي" كسر الحصار قبل أن يتم إيقافه، كما في المرلت السابقة، بينما أعلنت وزارة الخارجية الإسرائيليّة أن اثنين من الناشطين ضمن الأسطول نُقِلُوا إلى إسرائيل لاستجوابهما.
دوليًا، أثارت خطوة واشنطن سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا الكثير من التساؤلات حول مستقبل العلاقات الأميركيّة الأوروبيّة ومصير حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بالإضافة إلى التحالفات التي يمكن أن تلجأ إليها أوروبا في الأيام المقبلة. بينما حاول وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، تهدئة التوتر عبر وصفه الخطوة بأنها "كانت متوقَّعة". ودعا، في الوقت عينِه، الأوروبيين إلى تحمل مسؤولية "أكبر في ما يتعلق بأمنهم". كما كشف عن تعاونٍ أقرب ضمن ما يُعرَفُ بـ"مجموعةِ الخمسة"، التي تضم ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وبولندا. وهذا الترّدي في العلاقات يستمر أيضًا مع كوبا، التي جدّدَ رئيسُها ميغيل دياز كانيل رفضَ التهديداتِ الأميركيّةِ، قائلًا إنها بلغت "مستوىً خطيرًا وغيرَ مسبوق"، بعدما لمّح الرئيسُ الأميركي إلى إمكانيةِ السيطرةِ على البلادِ عسكريًا.
وفي الآتي، أبرز ما ورد في الصحف العربيّة الصادرة اليوم:
كتبت صحيفة "الخليج" الإماراتية أنه "مع دخول الصراع الأميركي الإيراني مرحلةً مفتوحةً من الجمود بعد إبلاغ البيت الأبيض الكونغرس أن الحرب "انتهت"، بقيت كثير من القضايا الجوهرية معلقة، وأهمها مضيق هُرمز الحيوي الذي اتخذته طهران رهينة، وتمارس من خلاله لعبة ابتزاز رخيصة لدول المنطقة والاقتصاد العالمي". وأوضحت أن "تحرير المضيق بات قضيةً عالميّةً، وأزمته المصطنعة يجب أن تنتهي بتكريس معادلة دولية جديدة، تقضي بأن سلامة الممرات المائية ليست ورقة للمقايضة السياسية، أو الابتزاز العسكري، بل هي خط أحمر يمس عصب المصالح الدولية. وما تقوم به إيران نوع من المقامرة المرفوضة، ومآلها الفشل، لأنها لا تدرك أن كلفة العبث بِحريّة التجارة العالمية ستكون باهظة، بما لا يقاس بأيّ مكاسب سياسيّة عابرة".
وأشارت صحيفة "الوطن" البحرينية إلى أن "مرحلة اللاحرب واللاسلم تضغط على الخليج العربي أكثر من غيره، لأن الخليج العربي يعيش من الاستقرار، ومن حركة الطيران، ومن الموانئ، ومن انسياب الطاقة، ومن ثقة الناس بأن الحياة اليومية تمضي وفق انتظامها الطبيعي، وأي غموض في مضيق هُرمز ينعكس على الأسعار والأسواق وسلاسل الإمداد وحسابات المستثمرين، وأي عبارة حادة من واشنطن أو طهران تدخل فوراً إلى غرف التخطيط في شركات الشحن والطيران والتأمين". وأضافت أنه "من هنا تبدو هذه المرحلة أصعب من الحرب المباشرة، لأنها تجعل الخليج العربي أمام إدارة يومية للخطر، وتضع قوة الدولة في اختبار هادئ، فكيف تحمي الاستقرار من الخوف، والاقتصاد من الارتباك، والمجتمع من الشائعة، وتحول الغموض إلى سياسة واضحة تحفظ حياة الناس ومصالحهم".
من جانبها، لفتت صحيفة "الصباح" العراقية إلى أن "الزيارة الرسمية التي قام بها رئيس إقليم كردستان إلى أبوظبي تأتي في لحظة عراقية وإقليمية شديدة الأهمية، لأنها لا ترتبط فقط بمسار العلاقات بين الإمارات وإقليم كردستان، بل تعكس في جوهرها أحد الاتجاهات المرجحة للسياسة الخارجية العراقية في الكابينة الحكومية المقبلة برئاسة رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، والتي يبدو أنها ستقوم على توسيع الانفتاح العربي، وتعزيز التوازن الإقليمي، واعتماد الاقتصاد والاستثمار، بوصفهما مدخلًا رئيسيًا للعلاقات الخارجية وهو ما يؤكده نيجيرفان بارزاني من قبل ومن بعد". وقالت إن "العراق بعد سنوات طويلة من التوترات والانقسامات ووسط الحرب الحالية يحتاج إلى إعادة تعريف أولوياته الخارجية. فمرحلة الصراعات الحادة واستنزاف الجهد الوطني في المحاور الإقليمية أضعفت قدرة الدولة على استثمار موقعها الجغرافي وثقلها الاقتصادي والبشري. ولذلك فإن المرحلة المقبلة مرشحة ؛لأن تشهد انتقالا أكثر وضوحا نحو سياسة تقوم على المصالح الوطنية المباشرة، وتنويع الشراكات، واستعادة العمق العربي، دون التفريط بعلاقات العراق مع جواره الإقليمي والدولي".
أما صحيفة "الغد" الأردنية، فنبهت إلى أن "ملف التهجير من غزة والضفة الغربية لم ينته كما يظن البعض لأن هناك مشاغلات على جبهات ثانية، وتحديدًا لبنان، والعراق، واليمن، وسورية، في توقيت متزامن مع ملف إيران وما يعنيه عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا". وعتبرت أن "انشغالات الاحتلال بجبهات متزامنة دفع أجندة التهجير إلى توقيتٍ لاحقٍ، وفي الوقتِ نفسه تجري عمليات التهجير بشكلٍ متدرجٍ، مع تهيئة الظروف لعملياتٍ أكبر، وهذا يعني أن الركون إلى أن الاحتلال لن يكون قادرًا على التنفيذ ركونٌ وهمي، مع الإدراك أيضًا أن أهل الضفة الغربية لا يريدون الخروج، لكن صناعة الظروف الطاردة والسيئة اقتصاديًا وأمنيًا، ومزامنتها بمحاولة خلخلة دول جوار فلسطين، سيفتح الباب واسعًا أمام هذا المخطط الأخطر على فلسطين، وجوارها".
(رصد "عروبة 22")

