في خطاب وداعه عام 1796، نصح الرئيس الأمريكي الأول جورج واشنطن مواطنيه بتجنب "التحالفات الدائمة" مع الدول الأجنبية، محذرا من أن تورط الجمهورية الوليدة في خلافات خارجية يستنزف قوتها ويُفسد مؤسساتها. وبعد نصف قرن، وتحديدا في عام 1845، كتب صحفي أمريكي يُدعى جون سوليفان أن للولايات المتحدة "قدرا مقدسا" مكتوبا، قُدّر لها فيه أن تمتد عبر القارة الأمريكية من المحيط الأطلنطي إلى المحيط الهادىء، محذرا كذلك من الطمع في أراضٍ وثروات خارج أمريكا الشمالية.
وإلى حد كبير، التزمت النخبة الأمريكية بهذا النهج الانعزالي كأساس للسياسة الخارجية للجمهورية الجديدة في بداياتها، مركزة على التوسع بين المحيطين بكل السبل المتاحة، الأخلاقي منها وغير الأخلاقي، وأبقت على قوات عسكرية في حدودها الدنيا، وتجنبت التدخل في الشؤون الدولية البعيدة عنها.
ومع قرب احتفالها بعيد ميلادها الـ250، باتت الولايات المتحدة تمتلك نحو 128 قاعدة عسكرية في أكثر من 50 دولة، ونحو 560 منشأة عسكرية أخرى تُصنف بأقل من قاعدة في 42 دولة أخرى. تتصدر اليابان قائمة هذه الدول بـ14 قاعدة أمريكية، تليها الفلبين بـ9 ثم كوريا الجنوبية بـ8. ويوجد بالمنطقة العربية قواعد أمريكية في الأردن والعراق وسوريا وكل دول الخليج العربي. وهذا الانتشار ليس له مثيل في العالم؛ إذ إن القوى العسكرية الكبرى الأخرى - مثل الصين وبريطانيا وفرنسا وروسيا - لديها مجتمعة 31 قاعدة أجنبية فقط حول العالم.
وتُبقى واشنطن ما بين 150 و200 ألف جندى في قواعدها الخارجية، ويتغير هذا الرقم طبقا لتورط الولايات المتحدة في نزاعات عسكرية خارجية، كما تختلف أعداد القوات الأمريكية من وقت إلى آخر تبعا للتغيرات في مواقفها من قضايا مختلفة، ولا تسمح الطبيعة السرية لبيانات نشر القوات في بعض المناطق بوجود أرقام دقيقة للأعداد الإجمالية، ولا تُعرف في كثير من الحالات طبيعة مهامها. في الوقت ذاته، تنفق واشنطن على جيشها أكثر مما تنفقه الدول العشر التالية لها مجتمعة، وانعكس ذلك في بقاء أمريكا في حالة حرب مستمرة بشكل أو بآخر طوال معظم الأوقات منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية رسميا عام 1945.
لم يعنِ النهج الانعزالي الأمريكي البقاء داخل الحدود، إذ إنه وبعد انتهاء الحرب الأهلية الأمريكية عام 1865، بدأ الأسطول العسكري الأمريكي فى الإبحار حول العالم تحت ذريعة حماية المصالح التجارية والتجار الأمريكيين، فحاربت أمريكا في شرق آسيا (الصين وكوريا واليابان والفلبين)، مرورا بليبيا والجزائر في البحر المتوسط، وانتهاء بأغلب جزر البحر الكاريبي، وبخاصة كوبا وهايتي، ثم حاربت في هندوراس ونيكاراجوا وبنما وكولومبيا، وذلك قبل دخولها الحرب العالمية الأولى رسميا عام 1917.
عقب الحرب العالمية الثانية التي دخلتها أمريكا رسميا عام 1941، لم تتوقف مغامراتها وحروبها في أصقاع العالم؛ فشاركت في حربين كبيرتين في شرق آسيا: حرب كوريا التي انتهت عام 1953، وحرب فيتنام التي انتهت عام 1975 بهزيمة كبيرة وانسحاب أمريكي مهين. تصور كثير من الساسة الأمريكيين أن هزيمة بلادهم في فيتنام كفيلة بكبح لجام مغامراتها العسكرية في الخارج، ولكن في الوقت ذاته، انشغلت النخبة العسكرية بالبحث عن حرب جديدة والانتصار فيها لإعادة الاعتبار للقوة العسكرية الأمريكية التي اهتزت كثيرا وشكك فيها العالم وكثير من الأمريكيين.
سريعا دخلت أمريكا في مغامرات عسكرية خاطفة في كثير من الدول، منها جرينادا ولبنان وإيران وكوسوفو وهايتى، ثم خاضت حروبا في منطقة الخليج منذ تسعينيات القرن الماضى ضد العراق، ثم وقعت أحداث 11 سبتمبر 2001، وقُتل نحو 3 آلاف أمريكي داخل الأراضى الأمريكية، فما كان من واشنطن إلا بدء فصل جديد من حروبها يختلف عما سبق. إذ كانت "الحرب الأمريكية على الإرهاب" غير محددة بنطاق زمني أو حدود جغرافية، وبقيت أمريكا متورطة في أفغانستان والعراق طوال عقدين من الزمان، دون تحقيق النصر المطلوب.
وتشير دراسة عسكرية إلى أن انفتاح شهية الدولة الأمريكية على الحروب منذ نشأتها أدى إلى وجود 17 عاما فقط على مدار التاريخ الأمريكى غاب فيها تورط الجيش الأمريكي فى مغامرات عسكرية بالخارج. ويمثل ذلك نسبة 7% فقط من التاريخ الأمريكي، أي أن أمريكا كانت في صراعات عسكرية خارجية مدة 93% من تاريخها.
تبرر النخبة الأمريكية احتفاظ بلادهم بهذا الوجود العسكري العالمي لأسباب مختلفة، أهمها ردع الخصوم المحتملين، وبخاصة الصين وروسيا وكوريا الشمالية، بمعنى أن أي مبادرة بالعدوان ستواجه برد أمريكي فوري دون الحاجة لإرسال قوات عبر المحيطات. ويرددون كذلك أن انتشار قوات أمريكا حول العالم في قواعد معروفة يعني أن الولايات المتحدة يمكنها الاستجابة بسرعة للأزمات أو النزاعات أو الكوارث الطبيعية، في حين يعكس انتشار القواعد التزامات التحالف العسكرية للولايات المتحدة التي تربطها معاهدات دفاعية رسمية مع عشرات الدول (على رأسها دول حلف الناتو، إضافة لليابان، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، وغيرها).
من ناحية أخرى، لا يمكن تشكيل صورة متكاملة لفهم نهم أمريكا للحروب وللانتشار العسكري حول العالم دون التطرق لطبيعة "المجمع الصناعي العسكري". فبعد فترتي حكم امتدتا من عام 1953 إلى 1961، حذر الرئيس دوايت أيزنهاور في خطابه الوداعي من "النفوذ الذي لا مبرر له، سواء كان بطلب أو بغير طلب، من المجمع الصناعي العسكري"، وقصد بذلك التحالف بين المؤسسة العسكرية الضخمة ممثلة في وزارة الدفاع (البنتاغون) وكبريات شركات الصناعات العسكرية والتكنولوجية.
ومع اتجاه كل الأنظار للتركيز على حرب أمريكا بمشاركة إسرائيل على إيران، يبدو الظرف مناسبا لطرح سؤال أولى حول جدوى ومستقبل وجود قواعد واشنطن في منطقتنا العربية. ولم تُجنّب هذه القواعد دول الخليج تعرضها لهجمات صاروخية وجوية هي الأولى على مدار تاريخها، بل ربما كانت دافعا لتلقيها هذه الهجمات. إلا أن السؤال الأكثر أهمية يبقى حول وجهة حرب أمريكا القادمة؛ أين؟ ومتى؟ إذ تثبت الحرب على إيران أن شهية أمريكا للقتال لم تنضبط بعد إخفاقها في حربي أفغانستان والعراق، ويؤكد ذلك أن الحروب الأمريكية لن تتوقف عن تجديد دمائها في أي وقت قريب.
(الشروق المصرية)

