حال أمريكا في الشرق الأوسط

لا يمكن وصف النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط خلال العقدين والنصف الماضيين بمجرد تحول تدريجي في الأولويات أو تعديل في أساليب التدخل، بل إن مساره المعقد قد أعاد تعريف طبيعة القوة نفسها، لا سيما حدودها. في عام 2003، غزت الولايات المتحدة العراق. وفى عام 2026، تخوض الولايات المتحدة، إلى جانب إسرائيل، حربًا إقليمية مفتوحة النهاية، تمتد تداعياتها من غزة إلى إيران، ومن الخليج إلى شرق المتوسط.

وخلال العقود الفاصلة بين هاتين اللحظتين المفصليتين، انتقلت الولايات المتحدة من موقع القوة المهيمنة أحادية القطب، القادرة على إعادة تشكيل المنطقة بالقوة العسكرية المباشرة، إلى قوة تدير نفوذها عبر أدوات غير مباشرة، في ظل قيود صارمة تحد من قدرتها على اتخاذ إجراءات حاسمة. ويكمن الفرق الجوهري بين غزو العراق عام 2003 وغزو عام 2026 في أن الولايات المتحدة لم تعد تمتلك التفويض السياسي، أو الشرعية الدولية، أو حتى الإجماع الداخلي اللازم لشن حرب طويلة الأمد.

يشير تحليل نقدى لهذا المسار إلى أن هذا التحول هو تقليص انتقائي. فبدلًا من تراجع خطي بسيط للقوة الأمريكية، يعيد التقليص الانتقائي توزيع أدوات النفوذ دون إلغائها. فالولايات المتحدة لم تنسحب من الشرق الأوسط بقدر ما أعادت هندسة وجودها فيه: انخفاض ملحوظ في الوجود العسكرى المباشر، يقابله وجود مكثف ومستدام في المجالات المؤسسية واللوجستية والاستخباراتية، فضلًا عن شبكات إمداد الأسلحة والتحالفات الأمنية الراسخة.

قبل غزو الولايات المتحدة للعراق، كانت الولايات المتحدة لا تُضاهى عسكريًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا في الشرق الأوسط. وطوال فترة الحرب الباردة، سعت الولايات المتحدة إلى بناء السلام بين الدول المتحاربة، وسعت لتكون المورد الرئيسي للأسلحة لمعظم الدول، وعززت العلاقات الاقتصادية من خلال المساعدات والتجارة، وحافظت على علاقات دبلوماسية متينة. وإلى جانب تفوقها العسكري الساحق، ساهمت هذه العوامل في تحقيق نجاح نسبي في الأيام الأولى لحرب العراق.

ومع ذلك، ورغم تحقيق نجاح تكتيكي سريع في الإطاحة بصدام حسين، واجهت الولايات المتحدة خسارة استراتيجية مُذلة، لم تكن ناجمة عن الافتراضات السياسية الخاطئة التي دفعت إلى نشر قواتها. فقد افترض المسؤولون الأمريكيون أن إسقاط نظام استبدادي سيمهد الطريق تلقائيًا لإعادة بناء دولة حديثة على غرار النماذج الليبرالية الغربية. لكن ما حدث فعليًا كان عكس ذلك تمامًا. فقد أدى تفكيك مؤسسات الدولة العراقية - بما في ذلك الجيش والأجهزة الأمنية والإدارة البيروقراطية - إلى خلق فراغ مؤسسي هائل، سرعان ما تحول إلى ساحة صراع مفتوحة بين قوى داخلية وخارجية.

وفى هذا الفراغ، لم تكن الولايات المتحدة هي الفاعل الوحيد؛ إذ تدخلت القوى الإقليمية أيضًا لإعادة تشكيل المشهد، وفي مقدمتها إيران. فمن خلال شبكة من الجهات الفاعلة غير الحكومية وتحالفات الميليشيات، نجحت إيران في تحويل لحظة انهيار الدولة العراقية إلى فرصة استراتيجية لإعادة تعريف دورها الإقليمي. وشكّل هذا التحول نقطة تحول محورية في ميزان القوى الإقليمي؛ إذ لم يعد النفوذ يُقاس فقط بالوجود العسكري المباشر للقوى الكبرى، بل أيضًا بقدرتها على العمل من خلال شبكات غير نظامية داخل الدول المنهارة أو الهشة.

وفي أعقاب هذه المواجهة الحادة مع حدود القوة، قامت الولايات المتحدة بما قد يبدو، ظاهريًا، انسحابًا، لكنه يمكن وصفه بدقة أكبر بأنه إعادة توزيع للوظائف الإمبريالية. ففي ذروة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، كان أكثر من 170 ألف جندى أمريكي متمركزين في العراق وأفغانستان وحدهما. وبحلول عام 2012، وهو العام الأول بعد الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، انخفض الوجود العسكري الإقليمي في المنطقة إلى حوالي 40,500 جندي، ثم إلى 7,500 جندي فقط بحلول عام 2025. ومع ذلك، خلال الفترة نفسها، تضاعفت عمليات نقل الأسلحة السنوية وعدد المناورات العسكرية المشتركة. وعلى الصعيد الاقتصادي، وزّعت الولايات المتحدة مساعدات أكبر، بلغت ذروتها عند 42.6 مليار دولار في عام 2006 مقارنة بـ25.6 مليار دولار في عام 2003، كما ضاعفت الاستثمار الأجنبي المباشر في المنطقة ثلاث مرات.

وهكذا، فبينما انخفض عدد القوات، أعادت الولايات المتحدة توزيع النفوذ من خلال أشكال أخرى من المشاركة. ومع ذلك، فإن تأثير العراق على النفوذ الأمريكي يظهر بوضوح في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث كان التوافق الأمريكي مع الشركاء الإقليميين ضعيفًا للغاية، إذ بلغ 18.4% فقط في عام 2003، وانخفض إلى 12.9% فى عام 2007، لاسيما عند مقارنته بنسب الصين التى تجاوزت 80%. ولم يتحسن التوافق إلا فى عام 2009، حيث قفز إلى 25.5%، وهو ما يُعزي على الأرجح إلى تولي أوباما الرئاسة خلفًا لبوش. كشفت تجربة العراق عن حدود ما يمكن تسميته بوهم الهندسة الديمقراطية بالقوة. فبينما تصورت واشنطن أن الإطاحة بالنظام السياسي ستُفضي إلى نظام ديمقراطي مستقر، أثبت الواقع أن بناء الدولة ليس كذلك.

إنها ليست عملية تقنية يمكن فرضها من الخارج، بل هي عملية اجتماعية تاريخية معقدة تتطلب شرعية داخلية وتوازنًا دقيقًا بين السلطة والمؤسسات. ونتيجة لذلك، لا تستطيع القوة العسكرية -مهما بلغ تفوقها التكنولوجي- بمفردها إعادة بناء مجتمع سياسي مستقر. حدث التحول الأبرز في مسار القوة الأميركية في أعقاب عام 2023، عندما دخلت المنطقة مرحلة جديدة من الصراعات المتداخلة -أو حروب الاستنزاف - بدأت بالحرب على غزة، وبلغت ذروتها في المواجهة المفتوحة مع إيران في الفترة 2025 - 2026. وقد أثبتت هذه المرحلة بشكل قاطع أن التراجع الأمريكي لم يكن انسحابًا من إدارة الأزمات، بل انتقالًا نحو إدارة أزمات أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للحل النهائي.

والأهم من ذلك، كشفت الحرب عن فجوة متزايدة الاتساع بين المصالح الاستراتيجية الأمريكية - وتحديدًا منع اتساع رقعة الصراع إقليميًا- وقدرة واشنطن الفعلية على التأثير في سلوك حليفتها الإسرائيلية. ففي عدة منعطفات، تصرفت إسرائيل وفقًا لحسابات داخلية ضيقة تباينت مع التقييمات الأمريكية الأوسع نطاقًا بشأن الاستقرار الإقليمي. وهكذا، كشفت حرب غزة عن تآكل القدرة على كبح جماح سلوك الحلفاء. بل إن سياسات إسرائيل نفسها أصبحت، في بعض الأحيان، مصدرًا مباشرًا لتعطيل السياسة الأمريكية في المنطقة. ولم يكن هذا التوتر بين الحليف والداعم جديدًا؛ إلا أنه، خلال حرب غزة، اتخذ طابعًا أكثر حدة ووضوحًا، مما يعكس تحولًا هيكليًا أعمق في العلاقة الأمريكية الإسرائيلية نفسها.

ففي مراحل معينة من الصراع، لم تعد إسرائيل مجرد شريك استراتيجي، بل أصبحت أيضًا مصدرًا لتأجيج عدم الاستقرار الذي سعت واشنطن إلى احتوائه. وقد قوّض هذا التناقض الهيكلي قدرة الولايات المتحدة على تقديم نفسها كوسيط محايد، أو حتى كقوة قادرة على فرض تسويات نهائية.

(الشروق المصرية)

يتم التصفح الآن