تقدير موقف

"إِسْرائيلُ الكُبْرى" ضِدَّ "أميركا العُظْمى"!

نَشَأَتْ أَميرْكا كَدَوْلَةٍ حَديثَة، صارَتْ قَوِيَّةً بَعْدَ أَنْ أَحْكَمَتْ سَيْطَرَتَها على القارَّةِ اللّاتينِيَّةِ عَبْرَ "مَبْدَأِ مونْرو" (1823)، لَكِنَّها لَمْ تُصْبِحْ قُوَّةً عُظْمى إِلّا بَعْدَ تَوَسُّعِها الجُغْرافي بَيْنَ المُحيطَيْن الأَطْلَنْطِيِّ وَالهادي طيلَةَ القَرْنِ التّاسِعِ عَشَر، وَلَعِبِها الدَّوْرَ الحاسِمَ في الحَرْبَيْنِ العالَمِيَّتَيْن، وَما تَلا ذَلِكَ مِنْ دَعْمٍ لِأوروبّا، مَكَّنَها مِنْ قِيادَةِ الغَرْب، سَواءٌ اقْتِصادِيًّا عَبْرَ "مَشْروعِ مارْشال"، أَوْ عَسْكَرِيًّا مِنْ خِلالِ حِلْفِ الـ"نّاتو". وَخُصوصًا بَعْدَما أَسْهَمَتْ بِقُوَّةٍ في تَثْبيتِ أَرْكانِ نِظامٍ دَوْلِيٍّ يَقومُ على قَواعِدَ واضِحَة، لَيْسَ فَقَطْ سِياسِيَّةً مُمَثَّلَةً في هَيْئَةِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ بِكُلِّ وِكالاتِها، بَلْ أَيْضًا اقْتِصادِيَّةٌ مُمَثَّلَةٌ في "صُنْدوقِ النَّقْدِ الدُّوَلِيِّ" وَ"البَنْكِ الدُّوَلِيِّ" وَنِظامِ "بْرِيتون وودْز".

مع نِهايَةِ الحَرْبِ البارِدَة، صارَتْ أميركا قُطْبًا أَوْحَدَ رَفَعَ إيديولوجْيا العَوْلَمَةِ إلى مُسْتَوى الخِطابِ الكَوْكَبِيِّ وَحَشَدَ العالَمَ خَلْفَه. وَلِذا فَمِنَ العَجيبِ أَنْ تَقومَ أَميركا نَفْسُها بِهَدْمِ النِّظامِ الذي اسْتَثْمَرَتْ فيهِ لِأَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ بِذَريعَةِ أَنَّ ذَلِكَ سَيَجْعَلُها "عَظيمَة" مَرَّةً أُخْرى، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ اسْتِثْمارَها في هَذا النِّظامِ وَدِفاعَها أَحْيانًا عَنْ قِيَمِهِ الأَساسِيَّة، هُوَ الذي أَعْطاها النُّفوذَ الكَبيرَ فيه، وَجَعَلَها قائِدًا اسْتِثْنائِيًّا لَه.

مِنْ جانِبِها، اسْتَفادَتْ إِسْرائيلُ مِنَ القِيادَةِ الأَميركِيَّةِ لِلْعالَمِ إلى حَدِّ الاسْتِنْزافِ السِّياسِيّ، فَإِذا كانَتْ حَصَلَتْ مِنْ بْريطانيا على "وَعْدِ بَلْفور"، فَقَدْ حَصَلَتْ على كُلِّ شَيْءٍ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، سَواءٌ على تَأْشيرَةِ وُجودِها بِاعْتِرافٍ فَوْرِيٍّ تَلا قَرارَ التَّقْسيم، أَوْ على حَقِّ الفيتو المَجّانِيِّ على كُلِّ قَراراتِ مَجْلِسِ الأَمْنِ المُناوِئَةِ لَها في أَعْقابِ اعْتِداءاتِها المُتَكَرِّرَةِ على جيرانِها. وَفَضْلًا عَنْ ذَلِكَ حَصَلَتْ على التَّمْويلِ الاقْتِصادِيِّ وَالدَّعْمِ التِّكْنولوجِيِّ وَالمُساعَداتِ العَسْكَرِيَّة، بِالقَدْرِ الاسْتِثْنائِيِّ الذي أَتاحَ لَها أَنْ تَغْرِسَ جُذورَها في جُغْرافِيَّةِ المِنْطَقَة، وَأَنْيابَها في أَجْسادِ العَرَب.

دعم الغرب المُطلق للصهيونية نال من قيمه التنويرية ووجود "إسرائيل الكبرى" يستنزف أميركا عسكريًا وأخلاقيًا

وَمع نِهايَةِ وِلايَةِ ترامب الأولى كانَتْ إِسْرائيلُ قَدْ بَلَغَتْ أَوْجَ حُضورِها السِّياسِيّ، حينَما اعْتَرَفَ الرَّجُلُ بِـ"شَرْعِيَّةِ" ضَمِّها لِلْجَوْلانِ السّورِيّ، وَوافَقَ على نَقْلِ سِفارَةِ بِلادِهِ إلى القُدْس، وَهَيَّأَ لَها أَجْواءَ "الاتِّفاقِيّاتِ الإبْراهيمِيَّة"، لِتُمارِسَ تَطْبيعًا دافِئًا مع أَطْرافِ عالَمٍ عَرَبِيٍّ كانَ قَدْ فَقَدَ ثِقَتَهُ بِذاتِه، وَلَوْ أَنَّ إِسْرائيلَ أَحْسَنَتِ اغْتِنامَ تِلْكَ الفُرْصَةِ لَتَغَلْغَلَتْ أَكْثَرَ في نَسيجِ وَأَعْصابِ المِنْطَقَة، غَيْرَ أَنَّ غَطْرَسَةَ القُوَّة، وَالعَمَى الاسْتراتيجِيّ، دَفَعا بِها إلى اتِّجاهٍ آخَر.

لَقَدْ تَصَوَّرَتْ أَنَّ "طوفانَ الأَقْصى" فُرْصَةٌ سانِحَةٌ لِإِطْلاقِ حُلْمِها العَبَثِيِّ بِالتَّوَسُّعِ بَيْنَ النّيلِ وَالفُرات، فَأَخْرَجَ نِتِنْياهو الخَرائِطَ مِنْ حَقيبَةِ الصُّهْيونِيَّةِ الدّينِيَّة، وَسَمَحَ لِجُنونِ القُوَّةِ وَغَريزَةِ التَّدْميرِ بِأَنْ يَنْشُبا أَنْيابَهُما في غَزَّة، لِتَدْميرِها وَإِبادَةِ شَعْبِها أَوْ تَرْحيلِه. نَجَحَتْ في تَدْميرِ الحَجَرِ لَكِنِ اسْتَعْصى عَلَيْها البَشَرُ على الرَّغْمِ مِنِ اسْتِشْهادِ 70 أَلْفَ فِلَسْطينِيّ. تَفَوَّقَتْ عَسْكَرِيًّا لَكِنَّها لَمْ تَسْتَطِعْ تَرْجَمَةَ ذَلِكَ التَّفَوُّقِ سِياسِيًّا. حاوَلَتْ تَحْقيقَ النَّصْرِ الكامِل، وَالأَمْنِ المُطْلَقِ بِالسِّلاحِ وَحْدَهُ مِنْ دونِ أَنْ تَمْنَحَ شَيْئًا لِأَصْحابِ الأَرْضِ التي تَعيشُ عَلَيْها، قَبْلَ أَنْ تَجُرَّ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ إلى حَرْبٍ عَبَثِيَّةٍ ضِدَّ إِيران، عَبْرَ الإِغْواءِ وَالخِداعِ وَرُبَّما التَّهْديدِ الشَّخْصِيّ. صَرَّحَتْ بِرَغْبَتِها في تَغْييرِ الشَّرْقِ الأَوْسَط، في انْتِزاعِ كُلِّ بُؤْرَةِ قُوَّةٍ حَيَّة، سَواءٌ كانَتْ حَرَكَةَ مُقاوَمَةٍ أَوْ تَنْظيمًا مُجاهِدًا أَوْ دَوْلَةً قَوِيَّة، لِصالِحِ حُلْمٍ مَجْنونٍ بِإِسْرائيلَ الكُبْرى، لَكِنَّ التّاريخ، بِدَهائِهِ المَعْهود، كانَ جاهِزًا بِالدَّرْسِ القاسي. فَإِمْعانُها في اسْتِنْزافِ الغَرْب، وَاحْتِقارُ القَوانينِ الدَّوْلِيَّة، وَتَوَرُّطُها المُفْرِطُ في جَرائِمِ حَرْبٍ مُتَعَدِّدَة، أَغْلَبُها جَرائِمُ مُصَوَّرَةٌ وَمَنْقولَةٌ على الهَواءِ عَبْرَ وَسائِطِ الإِعْلامِ غَيْرِ التَّقْليدِيَّةِ الخارِجَةِ عَنْ سَيْطَرَةِ النُّخَبِ الحاكِمَة، قَدْ عَرّى السَّرْدِيَّةَ الصُّهْيونِيَّةَ مِنْ كُلِّ أَساطيرِها الحَديثَةِ مِنْ قَبيلِ المَظْلومِيَّةِ التّاريخِيَّة، وَوَحْشِيَّةِ جيرانِها الّذينَ يَحْرِمونَها مِنَ العَيْشِ في سَلام، ناهيكَ بِالطَّبْعِ عَنِ الأَساطيرِ التَّوْراتِيَّةِ القَديمَة.

"طوفان الأقصى" الذي أرادته إسرائيل نكبة ثانية للعرب ربما كان هو نكبتها الكبرى

اليَوْمَ، في ذِكْرى النَّكْبَةِ العَرَبِيَّةِ الأولى، يَجِدُ الغَرْبُ نَفْسَهُ أَمامَ لَحْظَةٍ كاشِفَة، تُشْبِهُ ما تُسَمّيهِ الدّْراما بِلَحْظَةِ الاسْتِنارَةِ الدّاخِلِيَّة، حَيْثُ أَدْرَكَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضى كَيْفَ أَنَّ ديموقْراطِيَّةَ إِسْرائيلَ لَمْ تَكُنْ سِوى غِطاءٍ يُخْفي عُنْصُرِيَّتَها المَقيتَة، وَأَنَّ دَعْمَهُ المُطْلَقَ لِلصُّهْيونِيَّةِ نالَ بِقَسْوَةٍ مِنْ قِيَمِهِ هُوَ التَّنْويرِيَّة، وَأَفْقَدَهُ القُدْرَةَ على الدِّفاعِ عَنْها. أَمّا أَميركا بِالذّاتِ فَالْمُفْتَرَضُ أَنْ تُدْرِكَ كَيْفَ أَنَّ حُلْمَ "إِسْرائيلَ الكُبْرى" هُوَ النَّقيضُ المَنْطِقِيُّ لِـ"أَميركا العُظْمى". فَإِذا كانَتْ عَظَمَةُ أَميركا قَدْ نَضَجَتْ وَتَطَوَّرَتْ على قاعِدَةِ نِظامٍ دَوْلِيٍّ ذي قَواعِد، اسْتَثْمَرَتْ فيهِ أَميركا بِكُلِّ طاقَتِها، فَإِنَّ وُجودَ "إِسْرائيلَ الكُبْرى" يَتَطَلَّبُ تَحْطيمَ تِلْكَ القَواعِدِ نَفْسِها، وَالدُّخولَ في صِراعاتٍ كَثيفَةٍ سَوْفَ تُفْضي بِالضَّرورَةِ إلى اسْتِنْزافِ طاقاتِ أَميركا العَسْكَرِيَّةِ وَالأَخْلاقِيَّة، وَتالِيًا تَراجُعِ هَيْمَنَتِها العالَمِيَّة. وَلَنْ يَمُرَّ وَقْتٌ طَويلٌ حَتّى يَتَأَكَّدَ ذَلِكَ الإِدْراكُ أَكْثَر، خُصوصًا بَعْدَ تَوالي نُخَبِ حُكْمٍ جَديدَة، أَكْثَرَ تَحَرُّرًا مِنْ أَقْنِعَةِ الزَّيْفِ الإِسْرائيلِيّ. وَمِنْ ثَمَّ تَلوحُ في الأُفُقِ بَوادِرُ مُفارَقَةٍ كُبْرى وَهِيَ أَنَّ "طوفانَ الأَقْصى"، الحَدَثَ الذي أَرادَتْهُ إِسْرائيلُ نَكْبَةً ثانِيَةً لِلْعَرَب، رُبَّما كانَ هُوَ نَكْبَتَها الكُبْرى!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن