توجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العاصمة الصينية بكين وهو يحمل الكثير من المطالب والقليل من أوراق الضغط في أهم محادثات بين القوتين الأكبر فى العالم، والتي ستحدد معالم الفترة المقبلة، وما إذا كانت ستشهد المزيد من التوتر والتصعيد أم تجنح إلى التهدئة والتعاون في ملفات ثنائية ودولية عدة.
طلب الرئيس الأمريكي من نظيره الصيني شي بينج التدخل والضغط على إيران لفتح مضيق هرمز أمام الملاحة، وضمان عدم سعي إيران لإنتاج سلاح نووي، وهو أهم ما يشغل إدارة ترامب التي لا تريد أن تخوض طويلا في حرب استنزاف ستكلفها الكثير، وترى أن الصين يمكنها أن تضغط على إيران، بوصفها تستورد معظم النفط الإيراني، مما يوفر لها عائدا مهما، وكذلك الحد من تزويد إيران بمكونات الأسلحة والرقائق الإلكترونية والدعم اللوجيستي، بما يضعف قدرة إيران على الحرب.
لكن الطلبات الأمريكية لا تتوقف عند إيران، فهناك حاجة شركات الإلكترونيات والصناعات العسكرية الأمريكية للمعادن النادرة، التي قيدت الصين صادراتها، وخفضت كميتها، خاصة للشركات الأمريكية المصدرة للسلاح إلى تايوان، وأدى التقييد الصيني إلى صعوبات في إنتاج عدد كبير من الأسلحة، خاصة الصواريخ الدقيقة ومنظومات الدفاع الجوي والطائرات الحديثة والرادارات، حتى إن بعض طائرات "إف ــ 35" تطير بلا رادارات بسبب النقص في المعادن النادرة، خاصة المغناطيسيات. كما أعرب ترامب عن أمله في أن تبدي الصين مرونة في استيراد عدد من المنتجات الأمريكية، بما يخفض العجز في الميزان الأمريكي مع الصين، والذي يتجاوز 200 مليار دولار، وأن تشتري الصين فول الصويا والنفط والشرائح الإلكترونية وطائرات بوينغ التجارية.
مطالب أمريكية أخرى تخص ضخ الصين استثمارات في الولايات المتحدة، خاصة شراء أذون خزانة، أو على الأقل التوقف عن بيع الأذون التي تمتلكها، وحجمها يبلغ نحو 700 مليار دولار، وأن تنشئ مصانع لها فى الولايات المتحدة، وفتح أسواقها لقطاع المال الأمريكي، ليجد في بنوكها ومدخرات مواطني الصين الضخمة فرصة إنعاش قطاع الخدمات المالية. في المقابل ليس لدى الصين مطالب كثيرة من الولايات المتحدة سوى وقف تدخلها لدفع تايوان نحو الاستقلال، وعدم تصدير الأسلحة لها. أما باقي الأوراق التي كانت تمتلكها الولايات المتحدة للضغط على الصين فقد استنفذتها عندما شنت حرب الرسوم الجمركية، ثم الحرب التجارية الأوسع، ومنعت تصدير الرقائق الإلكترونية المتطورة للصين، من إنتاج شركة إنفيديا، واضطرت الصين إلى إنفاق 100 مليار دولار لإنتاج رقائقها بنفسها، خاصة بعد أن ضغطت الولايات المتحدة على شركة "إيه إس إم إل" الهولندية، التي تحتكر تصنيع آلات الطباعة الحجرية الضوئية المستخدمة في تصنيع الرقائق الإلكترونية الدقيقة وأوقفت صادراتها إلى الصين.
التفاوت الكبير بين حجم مطالب الولايات المتحدة ومطالب الصين كان له تأثيره على نتائج القمة التاريخية، والتي كان من الطبيعى أن تميل في مصلحة الصين، لهذا لا يمكن أن تنفذ الصين كل المطالب الأمريكية إلا في حدود تتناسب مع ما تقدمه، وتوقف الولايات المتحدة عن استخدام أشكال الضغوط والحروب، والسعي لحصار الصين بتحالفات عسكرية واقتصادية، وأشار الرئيس الصيني في كلمته إلى أنه لا يريد تكرار "فخ ثوسيديدس" الذي تناول الحرب بين أثينا وأسبرطة، بين قوة صاعدة وأخرى مهيمنة، مما أرهق الجانبين في حرب امتدت 27 عاما، لهذا طرح الرئيس الصيني صيغة الشراكة والتعاون بين أكبر قوتين بدلا من صدامهما وخسارة كل منهما.
هل يمكن للولايات المتحدة، خاصة في عهد ترامب، أن تتخلى عن الضغوط والعقوبات واستخدام القوة العسكرية؟ من الصعب توقع أن يتحقق هذا النهج الذي تسلكه إدارة ترامب، والذي تجد فيه طوق النجاة من تراجع القوة الأمريكية، فالمنافسة الحرة لا يمكن أن تحقق فيها السبق على الصين وغيرها من الدول الصاعدة، فهي مكبلة بديون هائلة، وقطاعها الصناعي تراجع كثيرا، ولديها عجز تجاري يتجاوز التريليون دولار، وفوائد الديون بمبلغ مقارب، بينما ارتفع الفائض التجاري للصين من نحو 900 مليار دولار عام 2024 إلى تريليون و200 مليار في العام الماضي، رغم أنه العام الذي شن فيه ترامب حربه التجارية عليها.
لا يمكن توقع استعادة الثقة، وأن ينشأ عالم خال من الصراع، أو أن تتوقف الولايات المتحدة عن نهجها الصدامي، لكن يمكن تحقيق خطوات باتجاه خفض التصعيد، خاصة بعد خسائر أمريكا في حربها على إيران، ودخولها في مستنقع يصعب الخروج منه، ومن هنا قد يبدأ اختبار تبريد مناطق الصراع بين القوى الكبرى وحلفائها، وسيكون ما جرى الاتفاق عليه في بكين نقطة انطلاق نحو أحد مسارين، إما التهدئة والتسويات أو التصعيد نحو حروب أشد عنفا.
(الأهرام المصرية)

