تقدير موقف

هَل تَكونُ حَرْبُ إيرانَ بِدايَةَ نِهايَةِ الإِمْبَراطورِيَّةِ الأَميرْكِيَّة؟

يَعْتَبِرُ الكَثيرُونَ الحَرْبَ الإيرانِيَّةَ بِمَثابَةِ "لَحْظَةِ السُّوَيْسِ" الأَميرْكِيَّة، أَيْ أَنَّها سَتَكونُ بِمَثابَةِ إِعْلانٍ لِنِهايَةِ الإِمْبَراطورِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ مِثْلَما كانَ العُدْوانُ الثُّلاثِيُّ على مِصْرَ عامَ 1956 نِهايَةَ الإِمْبَراطورِيَّةِ البَريطانِيَّة.

هَل تَكونُ حَرْبُ إيرانَ بِدايَةَ نِهايَةِ الإِمْبَراطورِيَّةِ الأَميرْكِيَّة؟

على الرَّغْمِ مِنْ بَعْضِ أَوْجُهِ الشَّبَهِ بَيْنَ اللَّحْظَتَيْن، إِلّا أَنَّ هُناكَ أَوْجُهَ اخْتِلافٍ لَيْسَتْ بِقَليلَةٍ بَيْنَهُما. أَوَّلُها أَنَّ الإِمْبَراطورِيَّةَ البَريطانِيَّةَ بَدَأَتْ تَتَفَكَّكُ قَبْلَ عامَ 1956، فَلَقَدْ خَرَجَتْ شِبْهَ مُفْلِسَةٍ مِنَ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثّانِيَة، ثُمَّ كانَتْ لَحْظَةُ اسْتِقْلالِ الهِنْدِ عامَ 1947 هِيَ بِدايَةَ انْهِيارِ الإِمْبَراطورِيَّة.

وَفي أَزْمَةِ السُّوَيْس، ساعَدَتْ مَرْكَزِيَّةُ دَوْرِ مِصْرَ وَشَخْصِيَّةُ عَبْدِ النّاصِرِ وَتَحَوُّلُهُ إلى زَعيمٍ عَرَبِيٍّ وَعالَمِ ثالِثِيٍّ كَبيرٍ في جَعْلِ العُدْوانِ الثُّلاثِيِّ عامَ 1956 لَحْظَةً مُهينَةً لِبَريطَانْيا، كَما لَعِبَ السّوفْياتُ والأَميرْكِيّونَ دَوْرًا كَبيرًا في الضَّغْطِ على القُوى المُعْتَدِيَةِ وَخاصَّةً الأَميرْكِيّينَ الَّذينَ هَدَّدوا بَريطانْيا بِدُيونِها، وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّوْلَتَيْنِ أَرادَتا إِعْلانَ وَفاةِ الإِمْبَراطورِيَّتَيْنِ القَديمَتَيْنِ البَريطانِيَّةِ والفَرَنْسِيَّة. وَكانَتْ حَرَكاتُ التَّحَرُّرِ في كُلِّ مَكان، واليَسارُ يَصْعَدُ حَتّى في أوروبّا، والِاتِّحادُ السّوفْياتِيُّ يُشَجِّعُ هَذَا التَّوَجُّهَ والوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ تَخْشى أَنْ يُؤَدِّيَ نَجاحُ العُدْوانِ إلى تَقْوِيَةِ اليَسارِ العالَمِيّ.

فائض القوّة والازدهار دفع ترامب إلى البحث عن معارك سهلة يُحقّق بها مكاسب إمبراطورية على الطريقة القديمة

في المُقابِل، لَمْ تَكُنِ الوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ قُبَيْلَ حَرْبِ إيرانَ إِمْبَراطورِيَّةً في طَريقِها لِلأُفول. بَل على العَكْسِ، فَإِنَّها إِمْبَراطورِيَّةٌ أَصابَها فائِضُ القُوَّةِ والِازْدِهارُ بِجُنونِ العَظَمَةِ وَدَفَعَ رَئيسَها دونالْد ترامب إلى البَحْثِ عَنْ مَعارِك سَهْلَةٍ يُحَقِّقُ بِها أَمْجاد وَمَكاسِبَ إِمْبَراطورِيَّةٍ على الطَّريقَةِ القَديمَة، فَفَكَّرَ في ضَمِّ جَزيرَةِ غْرينْلانْدْ الغَنِيَّة، ثُمَّ خَطَفَ رَئيسَ فِنِزْويلا البَلَدَ الذي تَفَكَّكَتْ نُخَبُهُ بِفِعْلِ سَنَواتٍ مِنَ التَّضَخُّمِ والفَسادِ والخِطابِيَّةِ الجَوْفاءِ واسْتَوْلى على نَفْطِها في مُغامَرَةٍ هوليوودِيَّةٍ زادَتْ ثِقَتَهُ بِقُدُراتِ جَيْشِه، فَتَوَجَّهَ بِتَحْريضٍ إِسْرائيلِيٍّ إلى إيرانَ التي بَدَتْ لَهُ غَنيمَةً ثَمينَةً نَفْطِيًّا مِثْلَ فِنِزْويلا وافْتَرَضَ أَنَّها سَتَكونُ ضَعيفَةً لِأَنَّها مُحاصَرَةٌ مِثْلَها.

وَلَكِنْ تْرامْب فاتَهُ أَنَّ الإيرانِيّينَ يَسْتَعِدّونَ لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ مُنْذُ أَنْ دَمَّرَ الطَّيَرانُ الأَميرْكِيُّ الجَيْشَ العِراقِيَّ في 1991، وَأَنَّهُمْ عَمَدوا إلى إِخْفاءِ صَواريخِهِمْ وَمُسَيَّراتِهِمْ في مَخابِئَ تَحْتَ الأَرْضِ أَوْ في كُهوفٍ جَبَلِيَّة، كَما أَنَّ غُرورَ القُوَّةِ مَنَعَهُ مِنَ الِاسْتِماعِ إلى تَحْذيراتِ مُساعِديهِ مِنْ أَنَّ إيرانَ سَتُغْلِقُ مَضيقَ هُرْمُز وَسَتُهاجِمُ إِمْداداتِ الطّاقَةِ العالَمِيَّةِ وَسَتُحارِبُ بِجُغْرافِيَّتِها وَإيدْيولوجِيَّتِها.

إِنَّ أَبْرَزَ اخْتِلافٍ بَيْنَ أَزْمَتَيْ السُّوَيْسِ وَإيرانَ يَرْتَبِطُ بِالتَّبايُنِ بَيْنَ الإِمْبَراطورِيَّتَيْن، فالإِمْبَراطورِيَّةُ البَريطانِيَّةُ هِيَ آخِرُ إِمْبَراطورِيَّةٍ بِالمَعْنى التَّقْليدِيّ، أَيْ أَنَّ نَواتَها شَعْبٌ أَوْ أُمَّةٌ تُسَيْطِرُ على مُسْتَعْمَراتٍ أَكْبَرَ مِنْها مِساحَةً وَسُكّانًا بِالقُوَّةِ وَتَسْتَغِلُّها اقْتِصادِيًّا وَعَسْكَرِيًّا وَتَسْتَمِدُّ ثَراءَها وَقُوَّتَها مِنَ الِاحْتِلالِ المُباشِرِ وَبِالتّالي تَنْهارُ الإِمْبِراطورِيَّةُ عِنْدَما تَفْقِدُ مُسْتَعْمَراتِها.

وَلَكِنَّ الإِمْبَراطورِيَّةَ الأَميرْكِيَّةَ مُخْتَلِفَة، فَلَقَدْ قامَتْ على ثَرْوَتِها الدّاخِلِيَّةِ الهائِلَةِ وابْتِكاراتِها التِّكْنولوجِيَّةِ وَتِجارَتِها الخارِجِيَّةِ الواسِعَةِ وَعُمْلَتِها القَوِيَّةِ وَأَسْواقِها المالِيَّةِ المَفْتوحَةِ التي جَعَلَتْها جاذِبَةً لِلِاسْتِثْماراتِ وَسَهَّلَتْ لَها الِاقْتِراضَ الخارِجِيّ.

أزمة إيران ستكبح تحوُّل أميركا إلى بلطجي العالم الذي قرّر العودة إلى طريقة النّهب الإمبراطوري

فَعلى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ قُوَّةَ أَميرْكا العَسْكَرِيَّةَ جُزْءٌ مِنْ مُقَوِّماتِ إِمْبَراطورِيَّتِها، لَكِنَّ الأَهَمَّ هُوَ تَقَدُّمُها العِلْمِيُّ وَعَلاقَتُها التِّجارِيَّةُ المُتَبادَلَةُ مَعَ الحُلَفاءِ وَحَتّى المُنافِسين، فَما اسْتَفادَتْهُ أَميرْكا اقْتِصادِيًّا مِنْ عَلاقَتِها التِّجارِيَّةِ مَعَ الصّينِ أَكْبَرُ مِنْ فَوائِدِ قَواعِدِها العَسْكَرِيَّةِ الخارِجِيَّة، فَلَقَدْ حَقَّقَتْ شَرِكاتُ "وول سْتْريتْ" أَرْباحًا طائِلَةً مِنِ اسْتِثْماراتِها في الصّينِ وَمَوَّلَتِ الأَخيرَةُ دُيونَ واشِنْطُن عَبْرَ شِرائِها السَّنَداتِ الأَميرْكِيَّةِ في عَلاقَةٍ تَكافُلِيَّةٍ غَيْرِ مَسْبوقَةٍ في التّاريخِ بَيْنَ قُوَّتَيْنِ عُظْمَيَيْن.

إِنَّ الإِمْبِراطورِيَّةَ الأَميرْكِيَّةَ لَيْسَتْ مَصْنوعَةً على يَدِ أَميرْكا فَقَط، بَل هِيَ مُحَصِّلَةُ قَبولٍ دَوْلِيٍّ بِأَنَّ واشِنْطُن هِيَ شُرْطِيُّ العالَم (حَتّى لَوْ كانَ مُتَنَمِّرًا وَغَيْرَ نَزيه) وَمَرْكَزُه، حَتّى لَوْ كانَ يَسْتَهْلِكُ أَكْثَرَ مِمّا يُنْتِج.

وَمِنَ المُرَجَّحِ أَنَّ أَزْمَةَ إيرانَ سَتَكْبَحَ تَحَوُّلَ أَميرْكا مِنْ شُرْطِيِّ العالَمِ المُتَنَمِّرِ كَما هِيَ حالِيًّا إلى بَلطَجِيِّ العالَمِ الذي قَرَّرَ العَوْدَةَ إلى طَريقَةِ النَّهْبِ الإِمْبَراطورِيِّ المُباشِرِ القَديمَة (تَحَدَّثَ تْرامْب عَنْ حَقِّ أَميرْكا في نَهْبِ مَوارِدِ الآخَرينَ بِالقُوَّة).

أَمّا احْتِمالُ تَحَوُّلِ أَزْمَةِ إيرانَ إلى لَحْظَةِ الِانْهِيارِ الِاقْتِصادِيِّ والسِّياسِيِّ لِلإِمْبَراطورِيَّةِ الأَميرْكِيَّة، فَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِاسْتِعْدادِ القُوى الأُخْرى لِسَحْبِ امْتِيازاتِ القُوَّةِ العُظْمى مِنْ أَميرْكا مِثْلَما فَعَلَتْ هِيَ نَفْسُها مَعَ بَريطانْيا. وَهُوَ أَمْرٌ لا يَبْدو مُرَجَّحًا حالِيًّا أَوْ على الأَقَلِّ سَيَحْدُثُ بِبُطْءٍ شَديد.

فَعلى الرَّغْمِ مِنَ التَّمَنُّعِ الأوروبِّيِّ عَنْ دَعْمِ الحَرْبِ على إيرانَ وَتَلَقّي الأَخيرَةِ لِبَعْضِ الدَّعْمِ مِنَ الصّينِ وَروسْيا، إِلّا أَنَّ قَلَقَ أوروبّا مِنَ الصّينِ وَروسْيا أَكْبَرُ مِنْ قَلَقِها مِنَ الرُّعونَةِ الأَميرْكِيَّة. كَما أَنَّ الصّينَ ما زالَتْ تَعْتَبِرُ السّوقَ الأَميرْكِيَّةَ شَديدَةَ الأَهَمِّيَّةِ لَها.

إِنَّ أَحَدَ أَسْبابِ اسْتِمْرارِ نُفوذِ أَميرْكا حالِيًّا، صُعوبَةُ أَنْ تَلْعَبَ بَكين (في ظِلِّ انْغِلاقِ نِظامِها المالِيِّ وَعَدَمِ التَّداوُلِ الواسِعِ لِليُوان) دَوْرَ مَرْكَزِ العالَمِ المالِيِّ بَدَلَ نْيويورْك، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّها باتَتْ مَرْكَزَهُ الصِّناعِيّ، وَلِأَنَّ الصّينَ مُسْتَفيدَةٌ مِنْ قُوَّةِ الدّولارِ لِأَنَّها تُتيحُ لَها تَصْديرَ سِلَعِها لِأَميرْكا.

كل حرب هي بمثابة سوس ينخر في جسد الاقتصاد الأميركي

وَعلى الرَّغْمِ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ المُفارَقَةَ أَنَّ أَكْبَرَ عَدُوٍّ لِأَميرْكا حالِيًّا هُوَ سِياسَتُها العُدْوانِيَّةُ غَيْرُ القابِلَةِ لِلتَّوَقُّعِ والتي تُهَدِّدُ تَحالُفاتِها السِّياسِيَّةَ كَما حَدَثَ مَعَ دُوَلِ الخَليجِ العَرَبِيَّةِ التي وَرَّطَتْها واشِنْطُن بِالحَرْب، كَما تُهَدِّدُ هَذِهِ السِّياسَةُ دَوْرَ أَميرْكا المالِيَّ الذي اعْتَمَدَ تاريخِيًّا على التِزامِها بِحُرِّيَّةِ التِّجارَةِ وَتَقْنينِ تَسْليحِ الدّولارِ والِالتِزامِ بِالقَواعِدِ الدَّوْلِيَّةِ وَلَوْ جُزْئِيًّا، واسْتِقْلالِيَّةِ الِاحْتِياطي الفيدِرالِيّ.

إِنَّ أَزْمَةَ إيرانَ قَدْ لا تَكونُ بِالضَّرورَةِ هِيَ بِدايَةَ نِهايَةِ الإِمْبَراطورِيَّةِ الأَميرْكِيَّة، وَلَكِنْ لَوِ اسْتَمَرَّتْ هَذِهِ الإِمْبَراطورِيَّةُ في السِّياساتِ الإِمْبِرْيالِيَّةِ التي تَضُرُّ شُرَكاءَها وَتَسْتَفِزُّ خُصومَها وَواصَلَتْ تَوَسُّعَها في الدُّيونِ الذي يُقْلِقُ الأَسْواق، فَقَدْ تَجِدُ صُعوبَةً يَوْمًا في إيجادِ مَنْ يُمَوِّلُ عَجْزَها المالِيَّ الذي يَتَفاقَمُ حالِيًّا جَرّاءَ ميزانِيَّةِ جَيْشِها التي يُنْتَظَرُ أَنْ تَصِلَ العامَ المُقْبِلَ إلى 1.5 تْريلْيون دولار.

كَما تُشيرُ تَجارِبُ حُروبِ أَميرْكا إلى أَنَّ أَسْلِحَتَها الخارِقَةَ باهِظَةَ الثَّمَنِ بِطَريقَةٍ تَسْتَنْزِفُ مَوارِدَها، خاصَّةً إِذا خاضَتْ حُروبًا طَويلَة، فَكُلُّ حَرْبٍ إِمْبِرْيالِيَّةٍ أَميرْكِيَّةٍ هِيَ بِمَثابَةِ السّوسِ الذي يَنْخُرُ في جَسَدِ الِاقْتِصادِ الأَميركِيّ.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن