لَيْسَ مَشْهَدًا نادِرًا في العالَمِ العَرَبِيِّ أَنْ يَبْحَثَ شابٌّ جامِعِيٌّ عَنْ وَظيفَةٍ لِسَنَوات، بَيْنَما يَشْتَري مُسْتَثْمِرٌ عَرَبِيٌّ عَقارًا في لُنْدُن أَوْ باريس، أَوْ يَنْقُلُ جُزْءًا مِنْ ثَرْوَتِهِ إلى صُنْدوقٍ خارِجِيٍّ أَوْ سوقٍ مالِيَّةٍ أَجْنَبِيَّة. المُفارَقَةُ أَنَّ الطَّرَفَيْنِ يَتَصَرَّفانِ بِعَقْلانِيَّة: الشّابُّ يَبْحَثُ عَنْ اقْتِصادٍ قادِرٍ على تَوْليدِ العَمَل، وَصاحِبُ المالِ يَبْحَثُ عَنْ مَكانٍ يَحْمي ثَرْوَتَه. وَبَيْنَهُما تَقِفُ أَزْمَةٌ أَعْمَقُ مِنْ نَقْصِ التَّمْويل؛ إِنَّها أَزْمَةُ ثِقَة.
وِفْقَ أَحْدَثِ أَرْقامِ "المُؤَسَّسَةِ العَرَبِيَّةِ لِضَمانِ الِاسْتِثْمارِ وائْتِمانِ الصادِرات" (ضَمان)، بَلَغَتْ تَدَفُّقاتُ الِاسْتِثْمارِ الأَجْنَبِيِّ المُباشِرِ الخارِجَةُ مِنَ البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ نَحْوَ 52.3 مِلْيارَ دولارٍ في عامِ 2023، بَعْدَما كَانَتْ 83.2 مِلْيارَ دولارٍ في عامِ 2022. هَذا لا يَعْني أَنَّ كُلَّ اسْتِثْمارٍ عَرَبِيٍّ خارِجِيٍّ هُروبٌ أَوْ خَسارَة.
تزداد الأزمة لأنّ كثيرًا من الاقتصادات العربية لا تدفع رأس المال نحو القطاعات المُنتِجة
تُعَدُّ اسْتِثْماراتُ الصَّناديقِ السِّيادِيَّةِ الخَليجِيَّةِ في الخارِجِ جُزْءًا طَبيعِيًّا مِنْ تَنْويعِ الأَصولِ وَبِناءِ عَوائِدَ بَعيدَةِ الأَجَلِ لِلأَجْيالِ المُقْبِلَة. وَمِنْ نافِلِ القَوْلِ إِنَّ الأَسْواقَ الأَميرْكِيَّةَ والأوروبِّيَّةَ والآسْيَوِيَّةَ تُوَفِّرُ عُمْقًا وَسُيولَةً وَفُرَصًا لا تَتَوَفَّرُ دائِمًا في الِاقْتِصاداتِ العَرَبِيَّة.
لٰكِنَّ المُشْكِلَةَ تَبْدَأُ عِنْدَما يُصْبِحُ الِاسْتِثْمارُ في الخارِجِ هُوَ القاعِدَة، والِاسْتِثْمارُ في الدّاخِلِ هُوَ الِاسْتِثْناء. هُنا لا نَتَحَدَّثُ فَقَطْ عَنْ اسْتِثْماراتٍ سِيادِيَّةٍ مُبَرَّرَة، بَل عَنْ رَأْسِ مالٍ خاصٍّ يَبْحَثُ عَنِ الأَمان، وَعَنْ أَمْوالٍ تُغادِرُ خَوْفًا مِنَ الِانْهِيارِ أَوِ القُيودِ أَوِ المُصادَرَةِ أَوِ اضْطِرابِ العُمْلَة. هَذا ما يَجْعَلُ مَفْهومَ "رَأْسِ المالِ المُهاجِر" أَوْسَعَ مِنَ التَّهْريبِ المالِيِّ الضَّيِّق؛ إِنَّهُ كُلُّ مالٍ عَرَبِيٍّ يُفَضِّلُ أَنْ يَعْمَلَ خارِجَ المِنْطَقَةِ لأَنَّ الدّاخِلَ لَمْ يَعُدْ مُقْنِعًا أَوْ مُطَمْئِنًّا بِما يَكْفي.
العَقارُ الخارِجِيُّ هُوَ الرَّمْزُ الأَوْضَحُ لِهَذِهِ الظّاهِرَة. لِعُقودٍ مِنَ الزَّمَن، تَتَّجِهُ رُؤوسُ الأَمْوالِ العَرَبِيَّةِ إلى عَقاراتِ لُنْدُن وَباريسَ وَنْيويورْك وَمَدْريد، ثُمَّ إلى مُدُنٍ مِثْلَ إِسْطَنْبولَ وَأَثينا، قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ مُدُنٌ عَرَبِيَّةٌ جَذّابَةٌ مِثْلُ دُبَيْ في اسْتِقْطابِ الِاسْتِثْماراتِ العَقارِيَّةِ العَرَبِيَّةِ مَعَ حُلولِ الأَلفِيَّةِ الجَديدَة. وَفي الكَثيرِ مِنَ الحالات، لا يُشْتَرى العَقارُ الخارِجِيُّ بِوَصْفِهِ اسْتِثْمارًا فَحَسْب، بَل كَوَثيقَةِ تَأْمينٍ ضِدَّ المَجْهول. شُقَّةٌ في مَدينَةٍ مُسْتَقِرَّةٍ قَدْ تَبْدو أَكْثَرَ إِغْراءً مِنْ مَصْنَعٍ في بَلَدٍ تَتَغَيَّرُ فيهِ الضَّرائِبُ فَجْأَة، أَوْ يَتَعَطَّلُ القَضاء، أَوْ تَنْهارُ العُمْلَة، أَوْ يَصْعُبُ تَحْويلُ الأَرْباحِ إلى صاحِبِها.
المليار دولار الذي يُستثمر في مصنع يُحرّك النقل والخدمات والتأمين والتدريب والاستهلاك والضرائب
وَتَزْدادُ الأَزْمَةُ لأَنَّ كَثيرًا مِنَ الِاقْتِصاداتِ العَرَبِيَّةِ لا تَدْفَعُ رَأْسَ المالِ نَحْوَ القِطاعاتِ المُنْتِجَةِ أَصْلًا. في بيئَاتٍ رَيْعِيَّة، قَدْ تَكونُ المُضارَبَةُ العَقارِيَّة، أَوِ الِاسْتيراد، أَوِ التِّجارَةُ السَّريعَة، أَوْ أَدَواتُ الدَّيْنِ الحُكومِيّ، أَوِ الِامْتِيازاتُ المُرْتَبِطَةُ بِالنُّفوذ، أَكْثَرَ رِبْحًا وَأَقَلَّ خَطَرًا مِنَ الصِّناعَةِ أَوِ الزِّراعَةِ الحَديثَةِ أَوِ التِّكْنولوجْيا. وَهَكَذا لا يَهْرُبُ المالُ فَقَطْ إلى الخارِج؛ بَل حَتّى حينَ يَبْقى في الدّاخِل، قَدْ يَذْهَبُ إلى أَنْشِطَةٍ مَحْدودَةِ الأَثَرِ في الوَظائِف.
الثَّمَنُ الِاجْتِماعِيُّ لِهَذِهِ المُعادَلَةِ قاسٍ. لا تُوَلِّدُ الأَمْوالُ التي تُسْتَثْمَرُ في عَقاراتٍ وَأَسْواقٍ أَجْنَبِيَّةٍ وَظائِفَ مُباشِرَةً داخِلَ المِنْطَقَة، وَلا تَبْني مَهاراتٍ مَحَلِّيَّة، وَلا تُوَسِّعُ قاعِدَةَ الإِنْتاج. في المُقابِل، تَحْتاجُ البُلْدانُ العَرَبِيَّةُ بِشِدَّةٍ إلى اسْتِثْماراتٍ قادِرَةٍ على اسْتيعابِ أَجْيالٍ شابَّةٍ تَدْخُلُ سوقَ العَمَلِ سَنَوِيًّا، حيث تُقَدِّرُ مُنَظَّمَةُ العَمَلِ الدَّوْلِيَّةِ أَنَّ بَطالَةَ الشَّبابِ في البُلْدانِ العَرَبِيَّةِ بَلَغَتْ 27.7 في المِئَةِ في عامِ 2023، وَهِيَ مِنْ أَعْلى المُعَدَّلاتِ في العالَم. هَذا يَعْني أَنَّ كُلَّ فُرْصَةِ اسْتِثْمارٍ مُنْتِجٍ ضائِعَةٍ هِيَ، في النِّهايَة، فُرْصَةُ عَمَلٍ مُؤَجَّلَة.
وَلا تَخْسَرُ الِاقْتِصاداتُ العَرَبِيَّةُ المالَ وَحْدَه، بَل تَخْسَرُ "المُضاعِفَ الِاقْتِصادِيّ". المِلْيارُ دولارٍ الذي يُسْتَثْمَرُ في مَصْنَعٍ أَوْ شَرِكَةِ تِكْنولوجْيا أَوْ مَشْروعٍ زِراعِيٍّ لا يُوَلِّدُ وَظائِفَ مُباشِرَةً فَحَسْب، بَل يُحَرِّكُ أَيْضًا النَّقْلَ والخِدْماتِ والتَّأْمينَ والتَّدْريبَ والِاسْتِهْلاكَ والضَّرائِب. أَمّا حينَ يَذْهَبُ إلى أَصْلٍ آمِنٍ في الخارِج، فَيُحْدِثُ مُعْظَمُ هَذِهِ الدَّوْرَةِ الِاقْتِصادِيَّةِ في مَكَانٍ آخَر.
استعادة رأس المال تبدأ بإصلاحات قانونية ومؤسّسية ومالية
مَعَ ذَلِكَ، لا يَرْفُضُ رَأْسُ المالِ العَرَبِيُّ المِنْطَقَةَ كُلَّها. تَجارِبُ بُلْدانِ الخَليج، وَلا سِيَّما المَمْلَكَةُ العَرَبِيَّةُ السُّعودِيَّةُ وَدَوْلَةُ الإِماراتِ العَرَبِيَّةِ المُتَّحِدَة، تُظْهِرُ أَنَّ المالَ يُسْتَثْمَرُ حينَ يَجِدُ بُنْيَةً تَحْتِيَّة، وَإِصْلاحات، وَسوقًا قابِلَةً لِلنَّمُوّ، وَرُؤْيَةً بَعيدَةَ الأَجَل. كَذَلِكَ شَهِدَ الِاسْتِثْمارُ العَرَبِيُّ البَيْنِيُّ نُمُوًّا في بَعْضِ المُؤَشِّرات، لَكِنَّ جُزْءًا كَبيرًا مِنَ رَأْسِ المالِ لا يَزالُ يُفَضِّلُ الأَسْواقَ العالَمِيَّةَ الأَكْثَرَ اسْتِقْرارًا وَعُمْقًا، على الِاقْتِصاداتِ العَرَبِيَّةِ الأَقَلِّ قابِلِيَّةً لِلتَّوَقُّع. وَهَذا يَكْشِفُ ضَعْفَ التَّكامُلِ الِاقْتِصادِيِّ العَرَبِيِّ وَغِيابَ سوقٍ عَرَبِيَّةٍ مُوَحَّدَةٍ تَحْمي المُسْتَثْمِرَ وَتُسَهِّلُ انْتِقالَ الأَمْوالِ والمَشاريع.
لَنْ تَتَحَقَّقَ اسْتِعادَةُ رَأْسِ المالِ بِالمَواعِظِ الوَطَنِيَّةِ وَلا بِاتِّهامِ المُسْتَثْمِرينَ بِالخِيانَة، بَلْ تَبْدَأُ بِإِصْلاحاتٍ قانونِيَّةٍ وَمُؤَسَّسِيَّةٍ وَمالِيَّةٍ واضِحَة: حِمايَةِ المِلْكِيَّة، واسْتِقْلالِ القَضاء، وَشَفافِيَّةِ الضَّرائِب، وَسُهولَةِ تَحْويلِ الأَرْباح، وَمُكَافَحَةِ الفَساد، وَتَقْليصِ البيروقْراطِيَّة، وَتَشْجيعِ القِطاعاتِ المُنْتِجَةِ لا الرَّيْعِيَّة. لَيْسَ رَأْسُ المالِ بِطَبيعَتِهِ وَطَنِيًّا وَلا خائِنًا؛ إِنَّهُ حَسّاسٌ لِلثِّقَة. وَحينَ يُصْبِحُ الدّاخِلُ قابِلًا لِلِاحْتِسابِ مِثْلَ الخارِج، يُمْكِنُ أَنْ تَعودَ الأَمْوال. وَعِنْدَها فَقَط، يُمْكِنُ أَنْ تولَدَ الوَظائِفُ قَبْلَ أَنْ تُهاجِرَ الثَّرَوات.
(خاص "عروبة 22")

