رهانُ إسرائيلُ الأول هو أن يوافقَ الرئيسُ الأميركيُّ دونالد ترامب على استئنافِ القتالِ ضدَّ إيرانَ، بذريعةِ القضاءِ على ما تبقَى لديها من منشآتٍ حيويةٍ، لا سيّما في مجالِ الطاقةِ. ويستغلُ الأخيرُ فشلَ محادثاتِ إسلامَ آباد، ودورانهَا في "دائرةٍ مغلقةٍ" من دونِ تحقيقِ أيِّ تقدمٍ يُذكَرُ، للتحريضِ على هذا المسارِ. بينما تبدو واشنطنُ في سباقٍ لإبرامِ تسويةٍ يعلنُ عبرَهَا ترامب انتصارَهُ ونجاحَهُ في إنهاءِ قتالٍ جديدٍ، إسوةً بتصريحاتِهِ السابقةِ التي تباهَى فيها بإنهاءِ تسعِ حروبٍ، على الرغمِ من العقباتِ والاختلافاتِ التي تواجهُهُ. وتتعدّدُ السيناريوهاتُ المرسومةُ لـ"اليومِ التالي"، وسطَ محاولاتِ النظامِ الإيرانيِّ الثباتَ والتمسكَ بمواقفِهِ وعدمِ تقديمِ تنازلاتٍ "سخيّةٍ" في ما يتعلقُ بالاتفاقِ النوويِّ وتخصيبِ اليورانيوم.
فالمرشدُ الإيرانيُّ الجديد مجتبى خامنئي، المتواري عن الأنظارِ منذ انتخابِهِ خلفًا لوالدِهِ، أصدرَ توجيهاتٍ، بحسبِ ما أفادَت وكالةُ "رويترز"، نقلًا عن مصدرينِ إيرانيينِ رفيعي المستوى، يقضي بعدمِ نقلِ مخزونِ إيرانَ من اليورانيومِ عالي التخصيبِ القريبِ من درجةِ النقاءِ، المستخدمةِ في تصنيعِ الأسلحةِ النوويةِ إلى خارجِ البلادِ. وهي خطوةٌ وصفَهَا مراقبون بـ"المتشدّدةِ" تجاهَ أحدِ المطالبِ الأميركيّةِ الرئيسيّةِ في المحادثاتِ الراهنة. وهذا التصلّبُ في الموقفِ من شأنِهِ زيادة تعرّضِ إيرانَ لتهديداتٍ وهجماتٍ مستقبليّةٍ مُحتملةٍ باعتباره من أعقدِ الملفاتِ السياسيّةِ والعسكريةِ العالقةِ بين البلدينِ، لأن واشنطنَ وتلّ أبيب تصرّان على ضرورةِ إيجادِ حلٍ مستدامٍ له. فنتنياهو يرّكزُ على عدمِ اعتبارِ الحربِ منتهيةً ما لم تُزَل هذه المواد كليًا، ما يضع سقفًا مختلفًا تمامًا لتعريفِ نهايةِ الحربِ لدى الأطرافِ المتنازعةِ. ووفقًا لتقديراتِ الوكالةِ الدوليّةِ للطاقةِ الذريةِ، يملكُ النظامُ الإيرانيُّ نحوَ 440 كيلوغرامًا من اليورانيومِ المخصبِ بنسبةِ 60 في المئةِ، وهي كميةٌ تكفِي تقنيًا لإنتاجِ نحو 10 قنابل نوويةً إذا رُفِعَ تخصيبُهَا إلى 90 في المئةِ، ما يفسّرُ التركيزَ الغربيّ المتكرّرِ على هذه الأرقامِ. وتدرسُ الولاياتُ المتحدةُ خيارَ تنفيذِ عمليةٍ عسكريةٍ خاصةٍ لاستخراجِ هذا اليورانيومِ، لكن هذه المهمةَ لن تكونَ سهلةً، بل محفوفةً بالكثيرِ من المخاطرِ.
ومن هنا، يبدُو خيارُ الديبلوماسيّةِ أفضلَ الممكنِ لإبرامِ صفقةٍ من دونِ المضيّ قدمًا بالتصعيد، الذي ترتابُ منه المنطقةُ. إذ إن هذه الحرب انعكسَت على مختلفِ دولِ العالمِ، حتى النائيةِ منها، بسببِ ما يدورُ في مضيقِ هُرمزَ وتحوّلِهَا إلى حربٍ متعدّدةِ الساحاتِ والأبعادِ. وتسعى باكستانُ، بكلِّ ما تملكُهُ من علاقاتٍ، إلى دفعِ خيارِ الحوارِ ومنعِ العودةِ مجددًا إلى القتالِ. وفي هذا الإطارِ، تبرزُ زياراتُ المسؤولينَ فيهَا واللقاءاتُ رفيعة المستوى التي تُعقَدُ، وسطَ تضاربٍ في المعلوماتِ بشأنِ اتفاقٍ باتَ قريبًا من دونِ أن ينعكسَ ذلكَ في التصريحاتِ. فالرئيسُ ترامب كرّرَ موقفَ بلادَهُ الرافضِ لتحوّلِ إيرانَ إلى دولةٍ نوويةٍ، قائلًا: "ستكونُ لديكم حربٌ نوويةٌ في الشرقِ الأوسطِ، وستأتِي تلكَ الحربُ إلى هنا، وستذهبُ تلك الحربُ إلى أوروبا"، مضيفًا: "لا يمكننا السماح بحدوثِ ذلك، ولن يحدث. هذا أهمُ من أيِّ شيءٍ آخر". ووفقَ المعطياتِ، ضَيّقَ العرضُ الجديدُ إلى حدٍ ما الفجواتِ، من دونَ أن يستطيعَ التقدّمَ في الملفاتِ الحساسةِ، التي استمرَت على حالِهَا. وفي هذا السياقِ، لفتَت وسائلُ إعلامٍ إيرانيّةٌ إلى أن طهرانَ تعملُ على إعدادِ ردٍّ على النصِ الذي قدمتهُ الولاياتُ المتحدة. وأشارَت إلى أن المقترحَ الأميركيَّ ساعدَ في تقليصِ بعضِ الخلافاتِ بين الجانبينِ في مسارِ تحويلِ وقفِ إطلاقِ النارِ الهشِّ إلى اتفاقِ سلامٍ. ويأتي ذلك بالتزامنِ مع الحديثِ عن زيارةٍ سيجريها قائدُ الجيشِ الباكستانيّ عاصم منير إلى طهرانَ سعيًا إلى دفعِ المسارِ نحوَ "لحظةِ الإعلانِ الرسميِّ عن قبولِ مذكرةِ التفاهمِ".
من جانبِهِ، أعربَ وزيرُ الخارجيةِ الأميركيّ ماركو روبيو عن أملهِ في أن تُسهمَ زيارةُ منير إلى إيرانَ في دفعِ الجهودِ الدبلوماسيّةِ لإنهاءِ الحربِ، متحدثًا عن تحقيقِ بعضِ التقدمِ في المحادثاتِ الجاريةِ. لكنه استدركَ ذلكَ بالقول إن واشنطنَ تتعاملُ مع "نظامٍ متصدعٍ بعضَ الشيء"، في إشارةٍ إلى وجودِ اختلافاتٍ واضحةٍ داخلَ النظامِ نفسه. واستكملَ وزيرُ الداخليةِ الباكستانيّ محسن نقوي لقاءاتِهِ في طهرانَ، فعقدَ اجتماعًا مع نظيرِهِ عباس عراقجي تناولَ المستجدات الراهنة. وتُسابقُ هذه المحادثاتُ الخططَ المُعدّةَ لاستئنافِ الحربِ، فوفقَ صحيفةِ "يديعوت أحرونوت"، أجرَى رئيسُ الأركانِ إيال زامير، في الأسابيعِ الأخيرةِ، سلسلةَ مداولاتٍ ولقاءاتِ إحاطةٍ مع قياداتِ سلاحِ الجوِ والاستخباراتِ العسكريةِ وقسمِ العملياتِ، في إطارِ الاستعداداتِ لاحتمالِ العودةِ إلى القتالِ. وتعملُ تلّ أبيب وفقَ "عقليةٍ جديدةٍ" تقومُ على تهيئةِ الشارعِ الإسرائيليِّ إلى إمكانيةِ تنفيذِ جولاتٍ حربيةٍ جديدةٍ مع استمرارِهَا في الحديثِ عن المخاطرِ التي تشكّلُهَا إيرانُ على الأمنِ الدوليّ. في المقابلِ، تواصلُ إيرانُ التهديدَ بفتحِ جبهاتٍ جديدةٍ، متوعدةً بـ"مفاجآتٍ" في حالِ شنِّ هجماتٍ جديدةٍ عليها. وقدّمَ قائدُ الجيشِ الإيرانيّ أمير حاتمي تقريرًا، أمسِ الخميسِ، حولَ آخرِ المستجداتِ العملياتيةِ والإجراءاتِ الدفاعيّةِ للجيشِ في مواجهةِ ما أسمَاهُ "تحركاتِ الأعداءِ". وشرحَ الخطواتِ التي اتُخِذَت لإعادةِ الجاهزيةِ ورفعِ كفاءةِ القواتِ المقاتلةِ وتعزيزِهَا خلالَ فترةِ وقفِ إطلاقِ النارِ. يُذكرُ أنَ أربعةَ مصادرَ معنيةً تحدثَت إلى شبكةِ "سي أن أن"، أن الاستخبارات الأميركيّة تشيرُ إلى أن الجيشَ الإيرانيَّ يُعيدُ بناءَ صفوفِهِ بوتيرةٍ "أسرعَ بكثيرٍ ممّا كانَ متوقعًا".
ومع استمرارِ عقدةِ اليورانيومِ على حالِهَا، وسطَ مزيدٍ من التشدّدِ الإيرانيِّ، يبرزُ ملفٌ آخر لا يقلُّ أهميةً وصعوبةً، يتمثلُ في مضيقِ هُرمزَ، الذي حوّلتهُ طهرانُ إلى "ورقةِ ضغطٍ" مهمةٍ تُقارعُ فيهَا الخصومَ، بعدما أقرّت له هيئةً إداريةً حدّدَت ضمنَ مهامِهَا التنسيقَ المباشرَ مع قواتِهَا البحريةِ والحصولِ على إذنِ عبورٍ ودفعِ رسومٍ، ما يشكّلُ خطرًا جسيمًا على حريةِ الملاحةِ البحريةِ ويُسهمُ في تزايدِ المخاطرِ. إذ يُعتبرُ هذا المضيقُ الحيويُّ شريانًا أساسيًا ورئةً للعديدِ من الدولِ، التي تعتمدُ عليهِ في مختلفِ صادراتِهَا ووارداتِهَا على حدٍّ سواء. وحذّرَ وزيرُ الخارجيةِ الأميركيِّ من أن أيّ نظامِ رسومِ عبورٍ تفرضُهُ طهرانُ في مضيقِ هُرمزَ سيجعلُ الاتفاقَ الدبلوماسيَّ "مستحيلًا"، مشددًا على أنه "لا يمكنُ لأحدٍ في العالمِ أن يؤيدَ نظامَ الرسومِ. فهذا غيرُ مقبولٍ وغيرُ قانونيٍّ تمامًا". وانتقدَ روبيو، قبيلَ توجهِهِ إلى محادثاتٍ لحلفِ شمالِ الأطلسي في السويد، رفضَ "الناتو" دعمَ الحربِ الأميركيّةِ على إيرانَ، معربًا عن خيبةِ أملِهِ تجاهَ هذا الأمرُ. كما رأى أن "عضويةَ الولاياتِ المتحدةِ في أيّ تحالفٍ يجب أن تكونَ ذاتَ منفعةٍ لهَا، وأن إحدَى المنافعَ الأساسيّة في حلفِ الناتو تتمثلُ في القواعدِ الأميركيّةِ في أوروبا، إذ تتيحُ هذه القواعدُ للولاياتِ المتحدةِ نشرَ قواتِهَا العسكريةَ خلالَ أيِّ أزمةٍ في الشرقِ الأوسطِ أو في أماكن أخرى". وكلامُ روبيو ليس جديدًا، إذ سبقَ أن شنَّ الرئيسُ ترامب حملةً ضد الحلفِ، ووصلَ بهِ الأمرُ إلى وصفِهِ بأنهُ "نمرٌ من ورقٍ".
في سياقٍ متصلٍ بهذه التداعيات، تُسرّعُ المملكةُ العربيةُ السعودية إعادةَ تشكيلِ بنيتِهَا اللوجستيّةِ والبحريةِ، مع استمرارِ اضطراباتِ التجارةِ والطاقةِ في الخليجِ، عبرَ خططٍ لإنشاءِ كيانٍ لوجستيٍ ضخمٍ وتوسيعِ خدماتِ الشحنِ في البحرِ الأحمر. وهي خطوةٌ تعكسُ تحولًا مُتسارعًا في أولوياتِ المملكةِ منذُ اندلاعِ الحربِ مع إيرانَ، بحسبِ ما أوردتهُ وكالةُ "بلومبيرغ". كما أفادت الوكالةُ بأن صندوقَ الاستثماراتِ العامةِ السعودي، البالغة أصوله نحو تريليون دولار، يدرسُ دمجَ أصولٍ في قطاعاتِ الموانئِ والسككِ الحديديةِ والشحنِ ضمنَ كيانٍ موحدٍ، قد يتحولُ لاحقًا إلى منصةٍ لاستثماراتٍ بملياراتِ الدولاراتِ في قطاعِ الخدماتِ اللوجستيةِ. وتأتي هذه الخطوةُ ضمنَ مسارٍ طويلٍ تخططُ لهُ الرياضُ بهدفِ مواجهةِ الانعكاساتِ المستقبليّةِ، بعدَ أن اختبرَت ما يجرِي في "عرضِ البحار". ومن هنا أتَى أيضًا إعلان "مونئ"، وهي الهيئةُ العامةُ للموانئِ، عن إطلاقِ خدمةِ شحنٍ جديدةٍ تربطُ بينَ جدة وصلالة وجيبوتي بسعةِ 1730 حاوية قياسيّة، بهدفِ تعزيزِ الربطِ البحريِّ بينَ المملكةِ والموانئِ العالميِّة. فـ"ما قبلَ الحربِ على طهرانَ لن يكونَ كمَا بعدَهَا" من وجهةِ نظرِ العديدِ من الدولِ، التي بدأَت بإنجازِ خططٍ جديدةٍ ورسمِ تحالفاتٍ مختلفةٍ لتحصينِ نفسِهَا واقتصادِهَا. أما دولةُ الإمارات، فانتقدَت على لسانِ مستشارِ الرئيسِ الإماراتي أنور قرقاش، خطةَ إيرانَ للسيطرةِ على مضيقِ هُرمزَ، ووصفتهَا بـ"أضغاثِ أحلامٍ"، عقبَ إعلانِ طهرانَ أنَ نطاقَ سيطرتِهَا على الممرِ المائيِّ الحيويِّ يشملُ مياهًا إماراتيّةً. ونبّهَت إلى أنَ "من يريدُ التعايشَ مع محيطِهِ العربيِّ، عليه أن يدركَ أن الثقةَ مفقودةٌ، وأن استعادتَهَا لا تتمُ بالشعاراتِ، بل بلغةٍ مسؤولةٍ، وصونِ السيادةِ، والالتزامِ الحقيقيِّ بمبادئِ حسنِ الجوارِ".
وتنعكسُ العرقلةُ الحاصلةُ في المفاوضاتِ، والاستمرارُ في سياسةِ "الكرِّ والفرِّ"، على الساحةِ اللبنانيّةِ. إذ تشهدُ أيامًا حالكةً ووضعًا خطيرًا، نبَّهَ إليهِ الموفدُ الخاصُ للرئيسِ الفرنسيِّ إلى لبنانَ جان إيف لودريان. وحذّر لودريان من أنَ "لبنانَ مُهدّدٌ في سلامةِ أراضِيهِ لأنَّ جزءًا تحتلّهُ إسرائيلُ، وجزءًا آخرَ يتحرّكُ وينشطُ فيه "حزب الله"، وهو يخدمُ المصالحَ الإيرانيّة، أي مصالحَ قوةٍ أجنبيةٍ". وتتواصلُ المساعي والجهودُ الحكوميّة الرسميّة لدفعِ تلّ أبيب نحوَ الالتزامِ باتفاقِ وقفِ النارِ، لكن من دونِ أيِّ نتيجةٍ. فالاحتلالُ يواصلُ ارتكابَ المجازرِ، ويزيدُ من التصعيدِ الميدانيِّ، محوّلًا العديد من القرى والبلدات الجنوبيّة إلى ركامٍ وأراضٍ مدّمرةٍ بالكاملِ. وفي إطارِ الاتّصالاتِ السياسيةِ والدبلوماسيّةِ المواكبةِ لهذا المسارِ، استقبلَ رئيسُ مجلسِ الوزراءِ نواف سلام السفير سيمون كرم، وبحثا في الخطواتِ التحضيريّةِ للجولتينِ المقبلتينِ من المفاوضاتِ المباشرةِ مع إسرائيلَ، المزمعُ عقدُهَا في التاسعِ والعشرينَ من الشهرِ الحالي. وتواصلَت، أمسِ الخميسِ، الغاراتُ العنيفةُ والمُكثفةُ، ما أسفرَ عن وقوعِ المزيدِ من الضحايا، حتى وصل عددهم إلى 3,089 قتيلًا و9,397 جريحًا. فيمَا أعلنَ "حزبُ الله" التصدّي لمحاولةِ توغّلٍ إسرائيليّةٍ، وخوضِ اشتباكاتٍ مع قوّةٍ عسكريةٍ أوقعَت إصاباتٍ، ضمنَ 24 عمليّة نفّذَهَا ضدَّ تجمّعاتٍ لآليّاتٍ وجنودٍ، مستخدمًا صلياتٍ صاروخيّةً وقذائفَ مدفعيّةً ومُسيّراتٍ انقضاضيّةً في الجنوب. واعترفَت قوّاتُ الاحتلالِ بإصابةِ سبعةِ عسكريّينَ، من بينهم ضابطان، نتيجةَ انفجارِ طائرةٍ مُسيّرةٍ مفخّخةٍ في جنوبِ لبنانَ.
وتزامنَ هذا التوسعُ في الاستهدافِ مع إعلانِ الولاياتِ المتحدةِ عقوباتٍ على تسعةِ أفرادٍ، من ضمنهم أربعةُ نوابٍ من "حزبِ الله" ومسؤولانِ في "حركةِ أمل"، التي يتزعمُهَا رئيسُ مجلسِ النوابِ نبيه بري، ومسؤولانِ أمنيانِ لبنانيانِ، ودبلوماسيٌ إيرانيٌ هو السفيرُ المُعيّنُ في لبنانَ محمد رضا الشيباني، الذي أثارَ جدلًا في وقتٍ سابقٍ لرفضهِ تركَ البلادِ بعدَ اعتبارِهِ غيرَ مرغوبٍ فيهِ، بتهمةِ "عرقلةِ عمليةِ السلامِ" في لبنانَ، و"إعاقةِ نزعِ" سلاحِ التنظيمِ الموالي لإيرانَ. وشملَت العقوباتُ نوابَ الحزبِ في البرلمانِ محمد فنيش، حسن فضل الله، إبراهيم الموسوي وحسين الحاج حسن. كذلك المسؤولينَ الأمنيينَ في حركةِ "أمل" أحمد أسعد البعلبكي وعلي أحمد صفاوي. لكن الأخطرَ، تلك التي استهدفَت ضباطًا في الجيشِ والأمنِ العامِ، بعد وَضعِ رئيسِ قسمِ الأمنِ الوطنيِّ في المديريةِ العامةِ للأمنِ العامِ العميد خطار ناصر الدين، ورئيس فرع الضاحية في مديريةِ الاستخباراتِ العقيد سمير حمادة، على لائحةِ العقوباتِ عينِهَا. وهي خطوةٌ تؤكدُ أن واشنطنَ مستمرةٌ في زيادةِ ضغوطِهَا على الدولةِ من أجلِ نزعِ سلاحِ الحزبِ وتفكيكِ بنيتِهِ العسكريةِ. وتُعدُّ هذه العقوباتُ متعددةَ الرسائل، فإلى جانبِ الدولةِ، يبرزُ الرئيسُ بري عبر استهدافِ المقربينَ منهُ، وهو متّهمٌ بعرقلةِ مسارِ المفاوضاتِ واستمرارِ تقديمِ الدعمِ لـ"حزبِ الله". في غضونِ ذلكَ، أصدرَت قيادتا الحزبُ والحركةُ موقفينِ حادَّينِ ردًّا على العقوباتِ الأميركيّةِ، واضعتين القرارَ في إطارِ "محاولةِ الضغطِ السياسيِّ والأمنيِّ على لبنانَ، والاستهدافِ المباشرِ لخيارِ المقاومةِ ودورِ المؤسّساتِ الوطنيةِ".
وتترافقُ الرسائلُ الأميركيّةُ الواضحةُ تجاهَ لبنانَ مع الحديثِ عن خطةٍ وضعتهَا الولاياتُ المتحدةُ لحلِّ فصائلِ "الحشدِ الشعبي" في العراقِ، على مراحل، تبدأُ بنزعِ السلاحِ الثقيلِ وعزلِ قياداتِهَا وتعيينِ ضباطٍ محترفينَ مشرفينَ على البنيةِ التحتيةِ للهيئةِ. ويزيدُ هذا الأمرُ الضغطَ على الحكومةِ الجديدةِ، التي تواجهُ ضغوطًا وعراقيلَ من كل حدبٍ وصوبٍ. في إطارٍ مختلفٍ، تواصلُ واشنطنُ تضييقَ الخناقِ على السلطةِ الفلسطينيّةِ، إذ أفادَت المعلوماتُ بأنَ المندوبَ الفلسطينيَّ الدائمِ لدى الأممِ المتحدةِ رياض منصور سحبَ ترشيحَهُ إلى منصبِ نائبِ رئيسِ الجمعيةِ العامةِ للمنظمةِ الدوليةِ تحتَ وطأةِ تهديداتٍ من إدارةِ ترامب بسحبِ تأشيراتِ دبلوماسيّي البعثةِ الفلسطينيةِ في نيويورك. ويندرجُ هذا الضغطُ ضمنَ سياقٍ مُمنهجٍ من أجل حرفِ الأنظارِ عن القضيةِ والمآسِي التي يمرُّ بهَا سكانُهَا سواءً في غزّة أو الضفةِ الغربية.
وفي فقرةِ الصحفِ اليوميّةِ الصادرةِ في العالمِ العربي، موجزٌ بأهمِ ما وردَ في عناوينِهَا وتحليلاتِهَا:
تحت عنوان "جمود استراتيجيّ"، كتبت صحيفة "الرياض" السعودية: "يتشكل المشهد في الخليج داخل مساحة سياسيّة شديدة الحساسية، حيث تتحرك المنطقة بين التصعيد والتفاوض في وقت واحد، فيما يتحول مضيق هُرمز إلى مركز الضغط الحقيقي في العالم، بعد أن تجاوز تأثيره حدود النفط والطاقة نحو الاقتصاد العالمي وأسواق التأمين والغذاء والاستثمار والتحالفات، وسط قناعة دولية متزايدة بأن أي اضطراب واسع في الخليج قادر على إعادة رسم التوازنات الدولية بأكملها، يتحول أمن الممرات والطاقة من ملف إقليمي إلى قضية ترتبط مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي". واستنتجت أن "الخلاصة التي تتكرّر اليوم داخل النقاشات السياسية الدولية تتمثل في ثلاث حقائق واضحة؛ الحرب الشاملة تحمل ارتدادات قاسية على الاقتصاد العالمي، ومضيق هُرمز أصبح مركز الضغط الأهم في المشهد الدولي، فيما يبدأ الحل الواقعي من حماية الملاحة والطاقة قبل الانتقال إلى الملفات السياسية والنووية الأكثر تعقيدًا، لأن استقرار الخليج تحول إلى جزء مباشر من استقرار العالم بأكمله".
الموضوع عينه تطرّقت له صحيفة "الأهرام" المصرية، التي أشارت إلى أن "حزمة الإجراءات التى أعلنتها طهران، للعبور الآمن من مضيق هرمز، تُعيد قضية عسكرة الممرات المائية حول العالم إلى صدارة المشهد السياسى الدولى، بعد عقود ظلت خلالها تلك الممرات تمثل إحدى نقاط الارتكاز الاستراتيجية فى منظومة تجارة الطاقة الدولية، وكل ما يتعلق بحركة النقل البحرى حول العالم". وقالت إن "ما يشهده هُرمز، لا يختلف كثيرًا عما يمكن أن يتعرض له باب المندب من توترات، تختلط فيها الأبعاد السياسية بالاستراتيجية بالأمنية، وربما تمتد الأزمة فى وقت قريب، لتطول المضيق الثالث المطل على السواحل المغربية، الذي يخضع لتشابك معقد في الإشراف السياسي عليه، حيث تتقاسمه الى جانب المملكة المغربية، إسبانيا من الشمال الشرقي، والمملكة المتحدة من خلال منطقة جبل طارق البريطانية، ما يضفي عليه طابعًا من الازدواجية السيادية، والتنافس الجيوسياسي المستمر بين القوى الثلاث".
واعتبرت صحيفة "الخليج" الإماراتية أنه "ظهر جليًا ارتباط الوضع الأمني والسياسي في لبنان بالحرب الأميركية - الإيرانية، ومحاولة ربط الأعمال العسكرية بما يجري في واشنطن وإسلام اباد، وفي المحصلة، لم تتمكن الجولة الثالثة من المفاوضات من إحداث اختراقٍ واضح، إنما أبقت الخطوط مفتوحة مستقبلًا لعدم الانجرار إلى مواجهات كبيرة". وأوضحت أن لبنان "سيشهد ضغوطًا، أمنية وعسكرية، بهدف انتزاع مواقف هدفها محاولة الوصول الى معاهدة سلام، وتطبيع كامل، وهو أمر له مخاطر كبيرة من الصعب على لبنان مواجهتها. فقياسًا على سابقة 17 أيار/مايو 1983، وما جرى بعد إسقاط الاتفاق اللبناني الإسرائيلي آنذاك، أدت تداعياته إلى جرّ لبنان إلى فلتان أمني عنيف كلّف الكثير، وصولًا إلى إعادة الوضع اللبناني إلى الاستقرار النسبي بعد اتفاق الطائف".
في إطارٍ منفصل، رأت صحيفة "الوطن" القطرية أن "اعتراض أسطول الحرية المتجه إلى غزة وسط المياه الدولية قرصنة ما بعدها قرصنة، واقتياد كل الذين ركبوا السفن إلى مركز اعتقال جماعي، كما ظهر في الفيديو الذي تفاخر به الوزير الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير وهو يقوم بتعذيبهم، ويطلق من فمه عنان الوعيد وتهديدات رعناء". وأكدت أن "الصمت الدولي دفع أمثال بن غفير لمواصلة إرهابهم اليومي، ليس فقط بحق المتضامنين الأجانب، بل بحق الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لأكبر موجات الاعتداء من خلال مجموعات المستوطنين تحت حماية وحراسة مباشرة من قبل جيش الاحتلال، بينما لا يجد الفلسطيني أدنى حقوق الحماية، وممنوع عليه الدفاع عن نفسه، فهل ينتظر العالم كارثة أكبر حتى يتحرك، أم أن دم الفلسطيني سيبقى خارج حسابات العدالة والإنسانية؟".
(رصد "عروبة 22")

