كانَتِ القِمَّةُ قَدِ انْعَقَدَتْ بَيْنَما أَجْواءُ الحَرْبِ تُخَيِّمُ على جِدَّةَ وَعلى غَيْرِ جِدَّةَ مِنْ مُدُنِ الخَليج، وَقَدْ كانَتْ قِمَّةً عَرَبِيَّةً مُصَغَّرَةً إِذا أَرَدْنا أَنْ نُسَمِّيَ الأَشْياءَ بِأَسْمائِها، لا لِشَيْءٍ إِلّا لأَنَّها كانَتْ لِلدُّوَلِ الأَعْضاءِ السِّتِّ في المَجْلِسِ وَحْدَها، لا لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ على إِطْلاقِها أَوْ في عُمومِها.
وَبِحُكْمِ القُرْبِ الجُغْرافِيِّ بَيْنَ الدُّوَلِ السِّتِّ على الشّاطِئِ الغَرْبِيِّ لِلخَليج، وَبَيْنَ إيرانَ على الشّاطِئِ الشَّرْقِيِّ مِنْه، كانَ مِنَ الطَّبيعِيِّ أَنْ تَتَنادى الدُّوَلُ السِّتُّ إلى قِمَّةٍ طارِئَةٍ كَهَذِه، وَأَنْ تَخْرُجَ عَنْها قَراراتٌ لَمْ تَخْرُجْ عَنْ قِمَّةٍ لِلتَّعاوُنِ الخَليجِيِّ قَبْلَها، وَكانَ مِنْ بَيْنِ القَراراتِ مَثَلًا، الِاتِّفاقُ على البَدْءِ في مَشْروعِ خَطِّ أَنْابيبٍ لِنَقْلِ النَّفْطِ وَالغازِ وَالرَّبْطِ المائِيّ، وَمَعَ الخَطِّ مَنْظومَةُ إِنْذارٍ مُبَكِّرٍ ضِدَّ الصَّواريخ، وَإلى جانِبِ الخَطِّ وَالمَنْظومَةِ جَرى الِاتِّفاقُ كَذَلِكَ على إِنْشاءِ مَناطِقَ لِلتَّخْزينِ الِاسْتراتيجِيّ.
هَذِهِ المَساراتُ الثَّلاثَةُ التي أَطْلَقَتْها القِمَّةُ مُجَرَّدُ عَيِّنَةٍ مِمّا تَمَّ الِاتِّفاقُ أَوِ التَّوافُقُ عَلَيْه، وَلَوْ عادَ أَحَدٌ إلى التَّفاصيلِ المُعْلَنَةِ في اليَوْمِ التّالي لِانْعِقادِ القِمَّة، فَسَوْفَ يَجِدُ أَنَّ مِظَلَّتَها كانَتْ واسِعَة، وَأَنَّ هَذِهِ المَساراتِ الثَّلاثَةَ كانَتْ عَناوينَ كَبيرَةً بَيْنَ عَناوينَ أُخْرى فَرْعِيَّة، وَلَكِنَّها مُهِمَّة.
الخطر لا يستثني أرضًا عربية ويستوجب استنفار كلّ قوّة عربية ممكنة وكامنة
لَقَدْ كانَ مَجْلِسُ التَّعاوُنِ الخَليجِيِّ وَلا يَزالَ أَنْجَحَ الصِّيَغِ العَرَبِيَّةِ في مَجالِه، وَلَيْسَتْ هُناكَ صيغَةٌ مِثْلُهُ أَوْ قَرِيبَةٌ مِنْهُ في مَنْطِقَتِنا العَرَبِيَّةِ إِلّا وَتَوَقَّفَتْ أَوِ انْتَكَسَت، وَكانَتِ الأَسْبابُ وَراءَ بَقائِهِ وَصُمودِهِ كَثيرَةً وَمُتَنَوِّعَة، وَلَكِنَّهُ مُنْذُ إِطْلاقِهِ في 1981 لَمْ يُواجِهْ اخْتِبارًا خَطِرًا كاخْتِبارِ الحَرْبِ الأَميرْكِيَّةِ - الإِسْرائيلِيَّةِ على إيران.
وَعِنْدَما سارَعَ إلى قِمَّتِهِ الطّارِئَةِ بَيْنَما الحَرْبُ لا تَزالُ قائِمَةً وَقْتَ انْعِقادِ أَعْمالِه، كانَ ذَلِكَ تَعْبيرًا عَنْ أَنَّ قادَتَهُ أَدْرَكوا حَجْمَ ما جاءَتْ بِهِ الحَرْبُ مِنْ خَطَرٍ على الدُّوَلِ السِّتّ، وَكانَتِ القَراراتُ الصّادِرَةُ عَنِ القِمَّةِ إِشارَةً كافِيَةً إلى أَنَّ القائِمينَ على أَمْرِهِ كَمَجْلِسٍ لِلتَّعاوُنِ عَرَفوا أَنَّ التَّعامُلَ مَعَ الخَطَرِ المُصاحِبِ لِلحَرْبِ وَالنّاتِجِ عَنْها مَسْأَلَةٌ لا تَحْتَمِلُ الِانْتِظار.
لَكِنَّ الأَمْرَ في الحَرْبِ التي لا تَزالُ تُراوِحُ مَكانَها، لَمْ يَكُنْ أَمْرًا يَخُصُّ الخَليجَ في نِطاقِه، وَلا كانَ الخَطَرُ المُصَاحِبُ لِلحَرْبِ وَالنّاتِجُ عَنْها يَتَّصِلُ بِالدُّوَلِ السِّتِّ في حُدودِها، وَإِنَّما هُوَ خَطَرٌ لا يَسْتَثْني أَرْضًا عَرَبِيَّةً إِلّا وَطالَها بِإِحْدى يَدَيْه.
وَلا شَيْءَ يَدُلُّ على ذَلِكَ إِلّا الحَرْبُ على لُبْنان، فَهِيَ حَرْبٌ تَوازَتْ مَعَ الحَرْبِ الأَميرْكِيَّةِ - الإِسْرائيلِيَّةِ على إيران، أَوْ خَرَجَتْ مِنْ باطِنِها، أَوْ دارَتْ على هامِشِها، وَلَكِنَّها في كُلِّ أَحْوالِها مِنْ تَجَلِّياتِ الحَرْبِ الأَوْسَعِ في الخَليج.
وَالمَعْنى أَنَّ اسْتِشْعارَ الخَطَرِ مِنْ هَذِهِ الحَرْبِ الأَوْسَع، إِذا بَقِيَ عِنْدَ حُدودِ دُوَلِ الخَليجِ السِّتّ، فَهُوَ اسْتِشْعارٌ جُزْئِيٌّ لا يُعَبِّرُ عَنْ حَقيقَةِ المَدى الواصِلِ إِلَيْهِ الخَطَر، وَلا يَضَعُهُ في سِياقِهِ الصَّحيحِ مِنْ حَيْثُ هُوَ خَطَرٌ على كُلِّ أَرْضٍ عَرَبِيَّة، لا على أَرْضِ الخَليجِ وَحْدَها، وَكَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ هُوَ دَعْوَةٌ إلى اسْتِنْفارِ كُلِّ قُوَّةٍ عَرَبِيَّةٍ مُمْكِنَةٍ وَكامِنَة.
إِنّي أَتَوَقَّفُ عِنْدَ كَلِمَةِ "كامِنَة" هَذِه، وَأَراها الأَشَدَّ تَعْبيرًا عَنْ حالِنا نَحْنُ العَرَب، وَعَنِ الآفاقِ التي لا نَذْهَبُ إِلَيْها على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الذَّهابَ إِلَيْها في مَقْدورِنا لَوْ تَوَفَّرَتِ الإِرادَة.
ما أشدّ حاجتنا إلى أَنْ نُقرّب المسافة بين قدراتنا الفاعلة وقدراتنا الكامنة
وَلَوْ شِئْنا قُلْنا إِنَّ إِمْكاناتِ العَرَبِ تَتَراوَحُ بَيْنَ الفاعِلِ مِنَ القُدُرات، وَبَيْنَ الكامِنِ مِنَ القُدُراتِ نَفْسِها، وَإِلّا، فَإِنَّ لَنا أَنْ نَتَخَيَّلَ مَدى ما سَوْفَ يَكونُ لِلدُّوَلِ الأَعْضاءِ في جَامِعَةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ مِنْ تَأْثير، لَوْ أَنَّها اجْتَمَعَتْ على كَلِمَةٍ واحِدَةٍ تُجاهَ قَضِيَّةٍ كَقَضِيَّةِ حَرْبِ إيرانَ مَثَلًا، ثُمَّ خَرَجَتْ تُعْلِنُ على الناسِ ما اتَّفَقَتْ أَوْ تَوافَقَتْ عَلَيْه.
لَنا أَنْ نَتَصَوَّرَ أَنَّ الدُّوَلَ الأَعْضاءَ في الجامِعَةِ قَرَّرَتِ التَّوَقُّفَ مَعًا عَنْ أَيِّ عَلاقَةٍ رَسْمِيَّةٍ في المُسْتَقْبَلِ مَعَ إِسْرائيل، ما لَمْ تَذْهَبْ إِسْرائيلُ إلى اسْتِكْمالِ طَريقِ "أوسْلو" حَسَبَ جَدْوَلٍ زَمَنِيٍّ مُعْلَن. فَلا غايَةَ لـ"أوسْلو" إِلّا الدَّوْلَةُ الفِلَسْطينِيَّةُ ذاتُ السِّيادَة، وَإِذا جَرى هَذا فَمَعْناهُ أَنَّ العالَمَ قَدْ ذَهَبَ إلى حَلِّ نِصْفِ مُشْكِلاتِهِ وَكُلِّ مُشْكِلاتِ المِنْطَقَةِ مِنَ البابِ الصَّحيح.
لَدَيْنا نَحْنُ العَرَبَ قُدُراتٌ فاعِلَة، وَلَدَيْنا في المُقابِلِ قُدُراتٌ كامِنَة، وَلَكِنْ ما أَبْعَدَ المَسافَةَ بَيْنَ ما نَقومُ بِتَفْعيلِهِ وَما يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَهُ ما هُوَ كامِنٌ مِنَ القُدُرات. ما أَبْعَدَ المَسافَةَ بَيْنَهُما، وَما أَشَدَّ حاجَتَنا إلى أَنْ نُقَرِّبَ المَسافَةَ بَيْنَ هَذِهِ وَتِلْكَ مِنَ القُدُرات!.
(خاص "عروبة 22")

