اقتصاد ومال

الاقتصادُ اليابانيُّ بَيْـنَ سِعْرَيِّ الصَّرْفِ والفائِدَة!

تَصاعَدَ القَلَقُ العالَمِيُّ مِن أَزْمَةِ اليِنِّ اليابانِيِّ وتَداعِياتِها على الاقْتِصادِ الدَّوْلِيّ، بَعْدَما أَطْلَقَتِ اليابانُ واحِدَةً مِن أَقْوى رَسائِلِها إلى الأَسْواقِ مُنْذُ سَنَوات، مُعْلِنَةً أَنَّها مُسْتَعِدَّةٌ لِلدِّفاعِ عَنْ عُمْلَتِها، وَسَطَ مَوْجَةِ تَراجُعٍ حادَّةٍ دَفَعَتِ اليِنَّ إِلى مُسْتَوَياتٍ غَيْرِ مَسْبوقَةٍ مُنْذُ عُقود، وَأَثارَتْ مَخاوِفَ كَبيرةً مِنْ تَحَوُّلِ ضَعْفِ العُمْلَةِ إِلى أَزْمَةٍ اقْتِصادِيَّةٍ وَسِياسِيَّةٍ داخِلِيَّة (صُنْدوقُ النَّقْدِ الدَّوْليّ).

الاقتصادُ اليابانيُّ بَيْـنَ سِعْرَيِّ الصَّرْفِ والفائِدَة!

لَقَدْ أَصْبَحَتْ تَحَرُّكاتُ اليِنّ، قَضِيَّةً تَتَجاوَزُ الأَسْواقَ المالِيَّةَ لِتَتَحَوَّلَ إِلى اخْتِبارٍ مُباشِرٍ لِقُدْرَةِ صُنّاعِ القَرارِ في اليابانَ على حِمايَةِ الاقْتِصادِ مِنْ مَوْجَةِ تَضَخُّمٍ مُسْتَوْرَدَةٍ تُهَدِّدُ القُوَّةَ الشِّرائِيَّةَ لِلأُسَر، وَتَضْغَطُ على شَعْبِيَّةِ الحُكومَة، إِذْ شَهِدَتِ الأَسْواقُ في الأَيّامِ الأَخيرةِ تَحَرُّكاتٍ حادَّةً عَزَّزَتِ الاعْتِقادَ بِأَنَّ طوكيو دَخَلَتْ فِعْلِيًّا إِلى السّوق، فَقَدِ ارْتَفَعَ اليِنُّ بِصورَةٍ مُفاجِئَةٍ مِنْ نَحْوِ 157.8 يِنًّا لِلدّولارِ إلى مُسْتَوى 155، في قَفْزَةٍ عَدَّها المُتَعامِلونَ دَليلًا واضِحًا على تَدَخُّلٍ حُكومِيٍّ مُباشِر. وَمِنَ الجَديرِ بِالذِّكْرِ أَنَّ بَياناتِ سوقِ المالِ اليابانِيَّةِ تُشيرُ إِلى أَنَّ السُّلْطاتِ رُبَّما أَنْفَقَتْ ما يُقارِبُ 35 مِلْيارَ دولارٍ لِدَعْمِ العُمْلَةِ اليابانِيَّة.

التشديد السريع للسياسة النقدية قد يُهدّد تعافي الاقتصاد الياباني

لقد أصبح مُسْتَوى 160 يِنًّا لِلدّولارِ حَرِجًا بِالنِّسْبَةِ إِلى الأَسْواقِ وَالسُّلْطاتِ اليابانِيَّةِ على حَدٍّ سَواء، وَبحَسَبِ التَقْديرات، فَإِنَّ وِزارَةَ المالِيَّةِ اليابانِيَّةِ لا تَسْعى بِالضَّرورَةِ إِلى الدِّفاعِ عَنْ رَقْمٍ مُحَدَّد، لَكِنَّها تُريدُ مَنْعَ الأَسْواقِ مِنَ الاعْتِقادِ بِأَنَّ طوكيو مُسْتَعِدَّةٌ لِقَبولِ المَزيدِ مِنَ الانْهِيارِ في قيمَةِ اليِنّ. إِنَّ هذا التَّحَوُّلَ في المَوْقِفِ اليابانِيِّ يَعْكِسُ حَجْمَ الأَزْمَةِ الَّتي يُواجِهُها ثالِثُ أَكْبَرِ اقْتِصادٍ في العالَم، فَاليابانُ الَّتي اعْتادَتْ لِعُقودٍ على التَّعامُلِ مَعَ قُوَّةِ اليِنّ، بِوَصْفِها مُشْكِلَةً رَئيسيَّةً تُهَدِّدُ صادِراتِها، تَجِدُ نَفْسَها اليَوْمَ أَمامَ مُعادَلَةٍ مُعاكِسَةٍ تَمامًا، إِذْ أَصْبَحَ ضَعْفُ العُمْلَةِ مَصْدَرَ القَلَقِ الأَكْبَرِ بِسَبَبِ تَأْثيرِهِ المُباشِرِ على التَّضَخُّمِ وَتَكْلِفَةِ المَعيشَة.

وَلَعَلَّ ضَعْفَ اليِنِّ لا يُمْكِنُ مُعالَجَتُهُ فَقَطْ عَبْرَ التَّدَخُّلاتِ في سوقِ الصَّرْف، بَلْ يَحْتاجُ إِلى سِياسَةٍ نَقْدِيَّةٍ أَكْثَرَ تَشَدُّدًا مِنْ جانِبِ "بَنْكِ اليابان"، بِما في ذَلِكَ رَفْعُ أَسْعارِ الفائِدَةِ بِوِتيرَةٍ أَسْرَع. وَتَحْمِلُ الرّسائِلُ الأَميركِيَّةُ حَساسِيَّةً كَبيرةً بِالنِّسْبَةِ إِلى طوكيو، لِأَنَّ أَيَّ تَشْديدٍ سَريعٍ لِلسِّياسَةِ النَّقْدِيَّةِ قَدْ يُهَدِّدُ تَعافِيَ الاقْتِصادِ اليابانِيِّ الَذي لا يَزالُ هَشًّا، كَما قَدْ يَرْفَعُ تَكْلِفَةَ خِدْمَةِ الدَّيْنِ العامِّ الكَبيرِ الَّذي يُعَدُّ الأَكْبَرَ بَيْنَ الاقْتِصاداتِ المُتَقَدِّمَة.

وَحَسَبَ خُبَراءِ السّوق، فَإِنَّ المُشْكِلَةَ الأَساسِيَّةَ تَكْمُنُ في العَوامِلِ الاقْتِصادِيَّةِ العَميقَةِ الَّتي تَدْفَعُ المُسْتَثْمِرينَ إِلى تَفْضيلِ الدّولارِ على اليِنّ، وَلَيْسَ فَقَطْ في المُضارَباتِ قَصيرَةِ الأَجَل، وَلِهذا السَّبَبِ سُرْعانَ ما عادَ اليِنُّ إِلى التَّراجُعِ بَعْدَ كُلِّ مَوْجَةِ صُعودٍ مُرْتَبِطَةٍ بِالتَّدَخُّلاتِ الحُكومِيَّة، وَيَعْتَقِدُ بَعْضُ المُحَلِّلينَ أَنَّ الأَسْواقَ تُرَكِّزُ الآنَ على سُؤالٍ واحِد: هَلْ سَتَدْعَمُ أَميركا اليابانَ بِشَكْلٍ أَكْثَرَ وُضوحًا إِذا اسْتَمَرَّ تَراجُعُ اليِنّ.

أصبح التوتر أحد أبرز سمات أسواق الصرف العالمية

اليابانُ تُدافِعُ عَنِ اليِنِّ وَالأَسْواقُ تُراهِنُ على رَفْعِ الفائِدَة، وَتَسْعى السُّلْطاتُ اليابانِيَّةُ إِلى التَّدَخُّلِ بِقُوَّةٍ في سوقِ العُمْلاتِ بَعْدَ تَراجُعِ اليِنِّ إِلى مُسْتَوى 160 يِنًّا مُقابِلَ الدّولار، حَيْثُ أَنْفَقَتْ طوكيو نَحْوَ 34.3 مِلْيارَ دولارٍ لِدَعْمِ العُمْلَة، وَرَفَعَ بَنْكُ اليابانِ تَوَقُّعاتِهِ لِلتَّضَخُّمِ في 2026 إِلى 2.8%، كَما أَنَّ الأَسْواقَ بَدَأَتْ تُراهِنُ بِصورةٍ مُتَزايِدَةٍ على احْتِمالِ تَشْديدِ السِّياسَةِ النَّقْدِيَّةِ في يونيو/حَزيران.

وَفي الخِتام، يَضَعُ هذا الوَضْعُ اليابانَ أَمامَ خِيارَيْن، فَمِنْ جِهَةٍ قَدْ يُساعِدُ رَفْعُ الفائِدَةِ على اسْتِقْرارِ اليِنِّ وَتَقْليلِ ضُغوطِ التَّضَخُّمِ المُسْتَوْرَد، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرى فَإِنَّ التَّحَرُّكَ بِسُرْعَةٍ كَبيرَةٍ يُهَدِّدُ بِاضْطِرابِ اقْتِصادٍ اعْتادَ لِعُقودٍ على مُعَدَّلاتِ فائِدَةٍ تُقارِبُ الصِّفْر، إِذْ أَصْبَحَ هذا التَّوَتُّرُ أَحَدَ أَبْرَزِ سِماتِ أَسْواقِ الصَّرْفِ العالَمِيَّة، حَيْثُ تَحَوَّلَ اليِنُّ إِلى ساحَةِ مَعْرَكَةٍ بَيْنَ اتِّساعِ فارِقِ أَسْعارِ الفائِدَةِ عالَمِيًّا وَبَيْنَ التَّوَقُّعاتِ المُتَزايِدَةِ بِأَنَّ اليابانَ قَدْ تُنْهي أَخيرًا حِقْبَةَ التَّيْسيرِ النَّقْدِيِّ الفائِق!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن