حَمَلَتِ الطَّائِرَةُ الإيرانِيَّةُ وَفْدَ الحوثِيينَ المُشارِكَ في جَنازَةِ المُرشِدِ الإيرانِيِّ الرّاحِلِ علي خامِنَئي، إِلّا أَنَّ رِحْلَةَ العَوْدَةِ تَحَوَّلَتْ إِلى مُواجَهَةٍ بَيْنَ الحُكومَةِ اليَمَنِيَّةِ المُعْتَرَفِ بِها دَوْلِيًّا وَالمَدْعومَةِ مِنَ السُّعودِيَّة، وَالحُوثِيّينَ المُوالِينَ لِإيران. إِذْ رَفَضَتِ الحُكومَةُ السَّماحَ لِلطَّائِرَةِ بِالهُبوط، وَقَصَفَتْ مَدْرَجَ مَطارِ صَنْعاءَ لِمَنْعِ وُصولِها، قَبْلَ أَنْ تُغَيِّرَ الطَّائِرَةُ وِجْهَتَها وتَهبِطَ في مَطارِ الحُدَيْدَة، الذي كانَ مُتَوَقِّفًا عَنِ العَمَلِ مُنْذُ أَحَدَ عَشَرَ عامًا.
أَنْهَتِ الرِّحْلَةُ أَزْمَةَ وَفْدِ الحُوثِيّين، لَكِنَّها فَتَحَتِ البابَ أَمامَ مُواجَهَةٍ جَديدَة؛ إِذِ اسْتَهْدَفَ الحوثِيّونَ مَطارَ أَبْها السُّعودِيّ، وَحَذَّروا شَرِكاتِ الطَّيَرانِ مِنْ عُبورِ الأَجْواءِ السُّعودِيَّة. وَفي المُقابِل، رَكَّزوا عَلى مَطْلَبِ اسْتِئْنافِ الرِّحْلاتِ التِّجارِيَّةِ مِنْ مَطارِ صَنْعاء، التي تَوَقَّفَتْ بَعْدَ تَدْميرِ الطّائِراتِ الأَرْبَعِ التي كانَتْ تُسْتَخْدَمُ لِنَقْلِ الرُّكّابِ بَيْنَ صَنْعاءَ وَالأُرْدُن.

وَبَعيدًا عَنِ المَطالِبِ المُعْلَنَة، يَرى مَسْؤولونَ وَسِياسِيّونَ يَمَنِيّونَ أَنَّ الحوثِيّينَ يُواجِهونَ أَزْمَةً مالِيَّةً عَميقَةً نَتيجَةَ تَوَقُّفِ تَدَفُّقِ النَّفْطِ الإيرانِيِّ إِلَيْهِم، وَالذي بَلَغَ نَحْوَ مِليَوْنَيْ بَرْميلٍ شَهْرِيًّا بِحَسَبِ قائِدٍ مُنْشَقٍّ عَنِ الجَماعَة، إِضافَةً إِلى إِغْلاقِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ مَكاتِبَها في مَناطِقِ سَيْطَرَتِهِمْ عَقِبَ اعْتِقالِ 72 مِنْ مُوَظَّفيها، وَما تَبِعَ ذلِكَ مِنْ وَقْفِ المُساعَداتِ عَنْ مَلايينِ المُحْتاجين اليَمَنِيين.
وَوِفْقَ هذِهِ الرُّؤْيَة، فَإِنَّ جَماعَةَ الحوثي التي تَخْشى انْدِلاعَ انْتِفاضَةٍ شَعْبِيَّةٍ ازْدادَتْ مَخاوِفُها مَعَ الحُشودِ القَبَلِيَّةِ التي تَجَمَّعَتْ في مَناطِقِ التَّماسِّ بِمُحافَظَةِ الجَوْفِ لِنُصْرَةِ أَحَدِ وُجَهاءِ القَبائِلِ بَعْدَ تَعَرُّضِهِ لِلسِّجْنِ وَالإِهانَةِ عَلى أَيْدي الحوثِيّينَ قَبْلَ فَرارِهِ مِنْ مَناطِقِ سَيْطَرَتِهِم. وَلِذلِكَ يَسْعى الحوثِيون، بِحَسَبِ هذِهِ القِراءَة، إِلى الهُروبِ إِلى الأَمامِ عَبْرَ فَتْحِ جَبْهَةِ مُواجَهَةٍ جَديدَةٍ مَعَ السُّعودِيَّةِ لِتَجاوُزِ الضُّغوطِ الدّاخِلِيَّة، وَالدَّفْعِ نَحْوَ تَنْفيذِ خَريطَةِ الطَّريقِ التي كانَتْ سَتُوَفِّرُ لَها امْتِيازاتٍ مالِيَّةً تُساعِدُهُم عَلى مُواجَهَةِ أَزْمَتِهِم الِاقْتِصادِيَّة.
وَيَرى مُراقِبونَ أَنَّ الحوثِيّينَ يَسْعَوْنَ كَذلِكَ إِلى مُمارَسَةِ ضُغوطٍ على السُّعودِيَّةِ في مَرْحَلَةٍ تَعْمَلُ فيها الرِّياضُ عَلى تَوْفيرِ بيئَةٍ إِقْليمِيَّةٍ مُسْتَقِرَّةٍ لِتَنْفيذِ رُؤْيَةِ وَلِيِّ العَهْدِ الأَميرِ مُحَمَّد بن سَلمان 2030، وَالِاسْتِعْدادِ لِاسْتِضافَةِ كَأْسِ العالَمِ 2034. وَيَعْتَقِدُ هؤُلاءِ أَنَّ جَماعَةَ الحوثي تُراهِنُ عَلى أَنَّ أَيَّ تَصْعيدٍ عَسْكَرِيٍّ ضِدَّ الحُدودِ الجَنوبِيَّةِ أَوِ المُنْشَآتِ الحَيَوِيَّةِ السُّعودِيَّةِ قَدْ يَرْفَعُ كُلْفَةَ المُواجَهَةِ على السعودية وَيَدْفَعُها نَحْوَ تَقْديمِ تَنازُلات. وَيَسْتَشْهِدونَ بِتَصْريحِ أَحَدِ قادَةِ الحُوثِيّينَ الذي قالَ فيهِ إِنَّ السُّعودِيَّةَ "لَدَيْها الكَثيرُ مِنَ المُنْشَآتِ وَالمَصالِحِ التي يُمْكِنُ أَنْ تَتَضَرَّر"، في حينِ "لَمْ يَعُدْ لَدَى الحوثيينَ ما يَخْسَرونَهُ" بَعْدَ الضَّرَباتِ الأَميرْكِيَّةِ وَالإِسْرائيلِيَّةِ التي اسْتَهْدَفَتِ المَطاراتِ وَالمَوانِئَ وَالمَصانِعَ وَمَحَطّاتِ الكَهْرَباءِ في مَناطِقِ سَيْطَرَتِهِم، وَهُوَ ما يَعْكِس، وِفْقَ مُراقِبين، اعْتِمادَ الجَماعَةِ عَلى اسْتراتيجِيَّةِ "رَفْعِ كُلْفَةِ الحَرْبِ" عَلى خُصومِها.
وَلا تَقْتَصِرُ أَسْبابُ التَّوَتُّرِ على ذَلِكَ، بَل تَمْتَدُّ إِلى المَخاوِفِ مِنْ تَصاعُدِ الصِّراعِ بَيْنَ الأَطْرافِ القَبَلِيَّةِ التي شارَكَتْ في القِتالِ إِلى جانِبِ الحوثِيّين. وَمَعَ اسْتِمْرارِ الهُدْنَةِ لِأَرْبَعَةِ أَعْوام، بَدَأَ الحَديثُ يَتَزايَدُ عَنْ تَقاسُمِ المَصالِحِ وَالنُّفوذِ وَالمَناصِب، وَظَهَرَتِ انْتِقاداتٌ مِنْ مَسْؤولينَ يَعْمَلونَ مَعَ جَماعَةِ الحوثي بِشَأْنِ الفَسادِ وَآلِيّاتِ تَوْزيعِ المَناصِبِ في المُحافَظات.

وَمَعَ تَحَرُّكِ مَبْعوثِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ الخاصِّ إِلى اليَمَن، هانْس غْرونْدبِرْغ، لِوَقْفِ التَّصْعيدِ وَإِعادَةِ طَرَفَيِ الصِّراعِ إِلى مَسارِ اتِّفاقِ التَّهْدِئَةِ الذي رَعَتْهُ الأُمَمُ المُتَّحِدَةُ في أَبْريلَ/نَيْسانَ 2022، تَتَوَقَّعُ مَصادِرُ سِياسِيَّةٌ وَديبْلوماسِيَّةٌ أَنْ تَتَجاوَزَ النِّقاشاتُ مَسْأَلَةَ العَوْدَةِ إِلى الهُدْنَةِ لِتَشْمَلَ وَضْعَ آلِيَّةٍ جَديدَةٍ لِاسْتِئْنافِ الرِّحَلاتِ التِّجارِيَّةِ مِنْ صَنْعاءَ، بَعْدَما أَصْبَحَ هَذا المَلَفُّ أَحَدَ أَبْرَزِ العَناوينِ التي يَتَمَسَّكُ بِها الحوثِيّون.
وَفي حالِ التَّوَصُّلِ إِلى اتِّفاقٍ بِشَأْنِه، فَإِنَّهُ قَدْ يَمْنَحُ الجَماعَةَ خِطابًا دِعائِيًّا جَديدًا أَمامَ أَنْصارِها، في حينِ تَخْشى أَطْرافٌ أُخْرى مِنْ أَنْ يَتَحَوَّلَ المَلَفُّ إِلى مَدْخَلٍ لِلحُصولِ عَلى مَزيدٍ مِنَ التَّنازُلات، خُصوصًا ما يَتَعَلَّقُ بِعائِداتِ اسْتِئْنافِ تَصْديرِ النَّفْطِ وَالغاز، في ظِلِّ الضعط المتزايد على الحوثيين نَتيجَةَ اتِّساعِ الفَقْرِ وَظُهورِ بُؤَرٍ لِلمَجاعَةِ في مَناطِقِ سَيْطَرَتِهم!.
(خاص "عروبة 22")

