كُلَّما اعْتَقَدَتْ واشِنْطُن أَنَّها نَجَحَتْ في إِزالَةِ تَهْديدٍ أَوْ إِضْعافِ خَصْمٍ أَوْ إِعادَةِ تَشْكيلِ تَوازُنٍ سِياسِيٍّ، كانَتْ تَكْتَشِفُ لاحِقًا أَنَّها ساهَمَت، مِنْ حَيْثُ لا تُريد، في وِلادَةِ خَصْمٍ جَديدٍ أَكْثَرَ تَعْقيدًا أَوْ في تَعْزيزِ نُفوذِ قُوَّةٍ كانَتْ تَسْعى أَصْلًا إِلى احْتِوائِها.
مِنْ إيرانَ إِلى أَفْغانِسْتان، وَمِنَ العِراقِ إِلى لُبْنانَ وَفِلَسْطين، تَبْدو العُقودُ الخَمْسَةُ الماضِيَةُ سِلْسِلَةً طَويلَةً مِنَ القَراراتِ التي حَقَّقَتْ أَهْدافَها المُباشِرَة، لَكِنَّها أَخْفَقَتْ في اسْتِشْرافِ تَداعِياتِها اللّاحِقَة.
هَلْ تَقِفُ أَميرْكا أَمامَ حَلْقَةٍ جَديدَةٍ مِنْ هَذا المَسارِ الطَّويل، أَمْ أَنَّها تَعَلَّمَتْ أَخيرًا مِنْ دُروسِ العُقودِ الماضِيَة؟ فَالحَرْبُ التي خاضَتْها إِسْرائيلُ ضِدَّ إيرانَ بِدَعْمٍ أَميرْكِيٍّ مُباشِرٍ وَغَيْرِ مُباشِرٍ قُدِّمَتْ بِوَصْفِها مُحاوَلَةً لِإِضْعافِ المَشْروعِ الإيرانِيِّ وَتَقْليصِ قُدُراتِهِ العَسْكَرِيَّةِ وَالنَّوَوِيَّةِ وَالإِقْلِيمِيَّة. غَيْرَ أَنَّ التَّجْرِبَةَ تَدْعو إِلى الحَذَرِ مِنَ الِاكْتِفاءِ بِقِراءَةِ النَّتائِجِ العَسْكَرِيَّةِ المُباشِرَة.
تدمير القدرات العسكرية لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء المشاريع السياسية أو العقائدية
فَفي الشَّرْقِ الأَوْسَط، نادِرًا ما تَكونُ نَتائِجُ الحُروبِ هِيَ ما تَقولُهُ البَياناتُ العَسْكَرِيَّةُ أَوْ ما تَعْكِسُهُ مَوازينُ القُوى المادِّيَّةُ وَحْدَها. وَغالِبًا ما يَتَحَدَّدُ المُنْتَصِرُ الحَقيقِيُّ مِنْ خِلالِ الصّورَةِ السِّياسِيَّةِ التي تَسْتَقِرُّ في أَذْهانِ شُعوبِ المِنْطَقَةِ وَالقُوى الفاعِلَةِ فيها. وَمِنْ هذِهِ الزَّاوِيَة، يَبْدو المَشْهَدُ أَكْثَرَ تَعْقيدًا مِمّا قَدْ توحي بِهِ حِساباتُ الخَسائِرِ وَالأَضْرار.
صَحيحٌ أَنَّ إيرانَ تَعَرَّضَتْ لِضَرَباتٍ قاسِيَةٍ وَاسْتِنْزافٍ كَبير، لَكِنَّ النِّظامَ بَقِيَ قائِمًا، وَمُؤَسَّساتُ الدَّوْلَةِ اسْتَمَرَّتْ في العَمَل، كَما احْتَفَظَتْ طَهْران بِقُدْرَتِها على الرَّدِّ وَإِظْهارِ اسْتِعْدادِها لِمُواصَلَةِ المُواجَهَة. لَكِنْ في المُقابِل، نَجَحَتِ القِيادَةُ الإيرانِيَّةُ في تَسْويقِ رِوايَةٍ مُفادُها أَنَّها واجَهَتِ الوِلاياتِ المُتَّحِدَةَ وَإِسْرائيلَ مَعًا، وَلَمْ تَخْضَعْ لِشُروطِهِما أَوْ تَسْتَسْلِمْ لِضُغوطِهِما. وَمَهْما يَكُنِ المَوْقِفُ مِنْ صِحَّةِ هذِهِ الرِّوايَة، فَإِنَّ مُجَرَّدَ قُدْرَتِها على فَرْضِ نَفْسِها في جُزْءٍ واسِعٍ مِنَ الرَّأْيِ العامِّ الإِقْليمِيِّ يَطْرَحُ سُؤالًا حَوْلَ ما إِذا كانَتِ الحَرْبُ قَدْ أَضْعَفَتِ النُّفوذَ الإيرانِيَّ فِعْلًا، أَمْ أَنَّها قَدْ تَمْنَحُه، في بَعْضِ البيئاتِ السِّياسِيَّةِ وَالشَّعْبِيَّة، مَصادِرَ جَديدَةً مِنَ الشَّرْعِيَّةِ وَالتَّعْبِئَة.
وَإِذا كانَتِ التَّجارِبُ السّابِقَةُ تُعَلِّمُنا شَيْئًا، فَهُوَ أَنَّ تَدْميرَ القُدُراتِ العَسْكَرِيَّةِ لا يُؤَدّي بِالضَّرورَةِ إِلى إِنْهاءِ المَشاريعِ السِّياسِيَّةِ أَوِ العَقائِدِيَّة. فَقَدْ سَقَطَتْ أَنْظِمَة، وَتَفَكَّكَتْ جُيُوش، وَقُضِيَ على تَنْظيماتٍ وَقادَة، لَكِنَّ الأَفْكارَ التي أَنْتَجَتْها الأَزْماتُ بَقِيَتْ حَيَّة، وَعادَتْ إِلى الظُّهورِ بِأَشْكالٍ مُخْتَلِفَة. وَلِذَلِكَ قَدْ يَكونُ مِنَ المُبَكِّرِ اعْتِبارُ المُواجَهَةِ مع إيرانَ خاتِمَةً لِصِراعٍ بَدَأَ قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ عُقود، تَمامًا كَما كانَ مِنَ المُبَكِّرِ الِاعْتِقادُ أَنَّ إِسْقاطَ صَدّامِ حُسَيْن سَيَقودُ إِلى شَرْقٍ أَوْسَطَ أَكْثَرَ اسْتِقْرارًا، أَوْ أَنَّ هَزيمَةَ السّوفياتِ في أَفْغانِسْتانَ سَتُنْهي التَّهْديداتِ الأَمْنِيَّةَ في تِلْكَ المِنْطَقَة.
الكثير من الأزمات التي انفجرت في الإقليم كانت نتيجة تسويات جزئية عالجت الأعراض وتركت المرض قائمًا
وَيَنْسَحِبُ الأَمْرُ نَفْسُهُ على لُبْنان، حَيْثُ يَبْدو أَنَّ المُقارَبَةَ الدَّوْلِيَّةَ وَالأَميرْكِيَّةَ الرّاهِنَةَ تُرَكِّزُ قَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ على مَنْعِ تَحَوُّلِ الجَبْهَةِ اللُّبْنانِيَّةِ إِلى مَصْدَرِ تَهْديدٍ مُباشِرٍ لِإِسْرائيل. وَمِنْ هَذا المُنْطَلَقِ جاءَتِ التَّفاهُماتُ التي أَعْقَبَتِ الحَرْبَ الأَخيرَةَ، وَالتي كَرَّسَتْ أَوْلَوِيَّةَ أَمْنِ الحُدودِ وَهُدوءِ الجَنوب. غَيْرَ أَنَّ هذِهِ المُقارَبَةَ تُثيرُ بِدَوْرِها أَسْئِلَةً تَتَجاوَزُ الِاعْتِباراتِ الأَمْنِيَّةَ المُباشِرَة.
فَإِذا كانَتِ النَّتيجَةُ العَمَلِيَّةُ لِهذِهِ التَّرْتيباتِ هِيَ إِبْعادَ "حِزْبِ اللهِ" عَنِ الجَنوبِ مع بَقاءِ السِّلاحِ وَالنُّفوذِ العَسْكَرِيِّ وَالسِّياسِيِّ في بَقِيَّةِ الأَراضي اللُّبْنانِيَّة، فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يُحَقِّقُ هَدَفًا أَمْنِيًّا مُؤَقَّتًا لِإِسْرائيلَ مِنْ دونِ أَنْ يُعالِجَ جَوْهَرَ الأَزْمَةِ اللُّبْنانِيَّةِ المُتَمَثِّلَةِ في احْتِكارِ الدَّوْلَةِ وَحْدَها لِقَرارِ الحَرْبِ وَالسِّلْمِ وَالسِّيادَةِ على كامِلِ أَراضيها. وَبِعِبارَةٍ أُخْرى، قَدْ يَكونُ ما يَجْري أَقْرَبَ إِلى إِدارَةِ المُشْكِلَةِ لا إِلى حَلِّها، وَإِلى احْتِواءِ التَّهْديدِ لا إِلى إِزالَةِ أَسْبابِه.
وَهُنَا تَحْديدًا يَلْتَقي الْحَاضِرُ بِالْمَاضي. فَالْكَثيرُ مِنَ الْأَزْماتِ التي انْفَجَرَتْ لاحِقًا في الْإِقْليمِ كانَتْ نَتيجَةَ تَسْوِياتٍ جُزْئِيَّةٍ عَالَجَتِ الْأَعْراضَ وَتَرَكَتِ الْمَرَضَ قائِمًا. فَالتَّغاضي عَنْ طَبيعَةِ النِّظامِ الْإيرانِيِّ النّاشِئِ بَعْدَ الثَّوْرَةِ لَمْ يَمْنَعْ تَحَوُّلَهُ إلى قُوَّةٍ إِقْليمِيَّة. وَالتَّعامُلُ مع النُّفوذِ السّورِيِّ في لُبْنانَ بِاعْتِبَارِهِ ضَمانَةً لِلِاسْتِقْرارِ لَمْ يَمْنَعْ تَحَوُّلَهُ إلى وَصايَةٍ كامِلَةٍ راعِيَةٍ لِزَعْزَعَةِ الِاسْتِقْرار. وَإِسْقاطُ نِظامِ صَدّامَ حُسَيْن لَمْ يُؤَدِّ إلى بِناءِ عِراقٍ مُسْتَقِرّ، بَلْ إلى إِعادَةِ تَشْكيلِ مِيزانِ الْقُوى الْإِقْليمِيِّ لِمَصْلَحَةِ إيران. وَحَتّى عَمَلِيَّةُ السَّلامِ الْفِلَسْطينِيَّةُ تَحَوَّلَتْ مع الْوَقْتِ إلى وَلّادَةٍ لِلصِّراعَاتِ أَكْثَرَ مِنْها مَسارًا لِإِنْهائِها.
معالجة النتائج من دون معالجة الأسباب تؤدي إلى تأجيل الأزمات لا إلى إنهائها
لِهَذا قَدْ لا يَكونُ السُّؤالُ الْأَهَمُّ الْيَوْمَ هُوَ ما إِذَا كانَتْ أَميرِكا وَإِسْرائيلُ قَدْ حَقَّقَتا أَهْدافَهُما الْعَسْكَرِيَّةَ في إيرانَ أَوِ الْعِراقِ أَوْ لُبْنانَ أَوْ غَزَّة، بَلْ مَا إِذا كانَتا تُعالِجانِ الْأَسْبابَ السِّياسِيَّةَ التي أَنْتَجَتْ هَذِهِ الصِّراعاتِ أَصْلًا. فَالتّاريخُ الْحَديثُ لِلشَّرْقِ الْأَوْسَطِ يوحي بِأَنَّ النَّجاحَ الْعَسْكَرِيَّ لا يَضْمَنُ النَّجاحَ الِاسْتراتيجِيَّ، وَبِأَنَّ مُعالَجَةَ النَّتائِجِ مِنْ دونِ مُعالَجَةِ الْأَسْبابِ تُؤَدّي إلى تَأْجيلِ الْأَزْماتِ لا إلى إِنْهائِها.
مُنْذُ الثَّوْرَةِ الْإيرانِيَّة، مُرورًا بِأَفْغانِسْتانَ وَالْعِراقِ وَسورْيا وَلُبْنانَ وَفِلَسْطين، تَتَكَرَّرُ الْمُفارَقَةُ نَفْسُها بِصورَةٍ تَكادُ تَكونُ ثابِتَة: وَاشِنْطُن تَدْخُلُ الْمِنْطَقَةَ سَعْيًا إلى حَلِّ مُشْكِلَةٍ مُحَدَّدَة، لَكِنَّها تَخْرُجُ في كَثيرٍ مِنَ الْأَحْيانِ وَقَدْ ساهَمَتْ، مِنْ حَيْثُ لا تُريد، في صِناعَةِ مُشْكِلَةٍ أَكْبَر. وَلِهَذا فَإِنَّ أَكْبَرَ خُصومِهَا في الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ لَمْ يولَدوا دائِمًا مِنْ خارِجِ سِياساتِها، بَلْ خَرَجَ كَثيرٌ مِنْهُمْ مِنْ بَيْنِ ثَناياها. وَرُبَّما لِهَذا السَّبَبِ تَبْدو الْعِبارَةُ الْأَكْثَرُ تَعْبيرًا عَنْ تاريخِ الْوِلاياتِ الْمُتَّحِدَةِ في الْمِنْطَقَةِ بَسيطَةً وَقاسِيَةً مَعًا: لَقَدْ رَبِحَتْ أَميرْكَا كَثيرًا مِنَ الْحُروبِ في الْمِنْطَقَة، لَكِنَّها كَثيرًا مَا خَسِرَتْ نَتائِجَها!.
(خاص "عروبة 22")

