قَرْنانِ مِنَ الزَّمَنِ وَالسّودانُ يَخوضُ غِمارَ الحُروب. بَدَأَها المَهْدِيُّ ضِدَّ مِصْرَ مُحَمَّد علي، الجارَةِ اللَّدود، وَبَريطانْيا، المُسْتَعْمِرِ الذي لا تَغيبُ عَنْ بِلادِهِ الشَّمْس؛ حُروبٌ لَمْ تَتَجاوَزْ صيغَةَ الغَزْو، آخِرُها حَرْبُ "داحِسٍ وَالغَبْرَاء" بَيْنَ الجَيْشِ وَقُوَّاتِ الدَّعْمِ السَّريع، كَرٌّ وَفَرّ، وَالعالَمُ كُلُّه، وَالعَرَبِيُّ مِنْه، يَكُرُّ مَعَهُما وَيَفِرّ، مَعَ أَنَّها لَيْسَتْ سِوى حَضيضِ الحُروبِ الأَهْلِيَّةِ الحَديثَةِ التي لَنْ يَنْتَصِرَ فيها سِوى التَّدَخُّلِ الخارِجِيّ، أَمّا في الدّاخِلِ فَالكُلُّ خَاسِر.
كُنّا نَعْتَقِدُ أَنَّ لُبْنانَ هُوَ البَلَدُ العَرَبِيُّ السَّيِّئُ الحَظِّ لِأَنَّ تاريخَهُ قَرينُ الحُروب. حَرْبُ الخَمْسينَ عامًا مُنْذُ 1975، رُبْعٌ أَخيرٌ مِنَ القَرْنِ الماضي وَرُبْعٌ أَوَّلُ مِنْ هَذا القَرْن، وَالأَمَلُ بِالوُصولِ إلى خَطِّ النِّهايَة: "قَريبٌ على بُعْدٍ بَعيدٌ على قُرْب". سَائِرُ بُلْدانِ العالَمِ العَرَبِيِّ نَعِمَتْ بِسَنَواتٍ وَلَوْ قَليلَةٍ مِنَ الهُدوءِ القَسْرِيّ، غَيْرَ أَنَّ السّودانَ بَدَأَ نَهْضَتَهُ بِالحُروبِ باكِرًا، في الرُّبْعِ الأَوَّلِ مِنَ القَرْنِ التّاسِعِ عَشَرَ، وَلَمْ يَتَوَقَّف. نَهْضَةُ لُبْنانَ مَطْبَعَةٌ وَمَدارِسُ وَإِرْسالِيّاتٌ أَجْنَبِيَّة، أَمّا السُّودانُ فَجَعَلُوهُ "مَكَبَّ" رُموزِ النَّهْضَةِ وَمَنْفى رائِدِها، المِصْرِيِّ رِفاعَة الطَّهْطاوِيّ، وَمَخْبَأَ الهارِبينَ نَحْوَ الجَنوب، مِنْ شَمالٍ افْتَتَحَ نَهْضَتَهُ بِمَجْزَرَةِ المَماليكِ الإِقْطاعِيّينَ في قَلْعَةِ مُحَمَّد علي.
التغيير نحو الأفضل لا يمكن حصوله إلا تحت خيمة الدولة الديموقراطية
الِانْتِقالُ مِنَ العُصورِ الوُسْطى إلى الحَداثَةِ تَزامَنَ مَعَ خُروجِ العَرَبِ مِنْ غَرْناطَةَ وَمَعَ الغَزْوِ الأوروبِّيِّ الذي افْتَتَحَهُ كْريسْتوفُ كولومْبوس بِاكْتِشافِ أَميرْكا، وَلَمْ يَنْتَهِ بِاحْتِلالٍ إِنْكليزِيٍّ لِلصِّين. عَمَلِيَّةٌ مُعَقَّدَةٌ تَوَّجَتْها فَرَنْسا بِثَوْرَةٍ وَمِقْصَلَةٍ وَشِعارَاتٍ ثَلاثَة: حُرِّيَّة - إِخاء - مُساواة. هَدَمَتْ أَسْوارَ سِجْنِ الباسْتيلِ كَتَعْبيرٍ رَمْزِيٍّ عَنِ الدُّخولِ في عَصْرِ الحُرِّيَّة، ثُمَّ راحَ نابُليون يُصَدِّرُ إلى أوروبّا وَالعالَمِ ما أَنْتَجَتْهُ الثَّوْرَة. تَوَقَّفَتْ صادِرَاتُهُ عِنْدَ أَسْوارِ عَكّا، وَعلى حاجِزِ السَّلْطَنَةِ العُثْمانِيَّة، وَعادَ خائِبًا مِنْ مِصْر، وَاكْتَفى عُلَماؤُهُ بِنَقْلِ "حَجَرِ رَشيد"، وَفَكّوا بِهِ طَلاسِمَ اللُّغَةِ الهيروغْليفِيَّةِ التي أَتْقَنَ قِراءَتَها عُلَماءُ الآثارِ في مِصْر، وَعلى رَأْسِهِمْ زاهِي حَوّاس.
النَّهْضَةُ العَرَبِيَّةُ لَمْ تَكُنْ طَريقُها مُعَبَّدَة. عَوَائِقُ كَثيرَة. أَبْرَزُها مُيولٌ نابُليونِيَّةٌ لَدى العَسْكَرِيّينَ مِنَ اليَسارِ المارْكْسِيِّ وَالقَوْمِيّ، أَوْ مِنْ تَيّاراتِ الإِسْلامِ السِّياسِيّ. ما إِنْ يُصْبِح العَسْكَرِيُّ ضابِطًا في الجَيْشِ حَتّى يَحْسَبَ نَفْسَهُ نابُليونَ بَلَدِهِ وَمُلْهِمًا ثَوْرِيًّا. فَقَدْ بَلَغَ الجَيْشُ السّودانِيُّ المَرْتَبَةَ الأولى في الإِسْراعِ إلى ارْتِكابِ جَريمَةِ تَعْليقِ الدُّسْتور. مِنْ إِبْراهِيمَ عَبّودٍ حَتّى عَبْدِ الفَتاحِ البُرْهان. تِسْعَةَ عَشَرَ انْقِلابًا وَمُحاوَلَةَ انْقِلاب. حُكْمٌ عَسْكَرِيٌّ مُتَقَطِّعٌ على امْتِدادِ مَرْحَلَةِ الِاسْتِقْلال. تَوَلّى الجَيْشُ بِنَفْسِهِ خَوْضَ حَرْبٍ أَهْلِيَّةٍ بَيْنَ فَريقَيْنِ مِنْه، وَالمَدَنِيّونَ يَدْفَعونَ الثَّمَن. فيما وَزَّعَ بَعْضُ العالَمِ العَرَبِيِّ دَعْمَه، مِنْ غَيْرِ تَبْريرٍ مُقْنِع، لِفَريقَيِ النِّزاعِ العَسْكَرِيِّ مِنْ جُنودِ الجَيْشِ الوَطَنِيِّ وَضُبّاطِه.
الثَّوْرَة، في نَظَرِ ثُوّارِ الِانْقِلابات، هِيَ الِاسْتيلاءُ على السُّلْطَة. هَذَا كُلُّ ما رَأَوْهُ في مِقْصَلَةِ روبِسْبِيير. اقْتَدَوْا بِثَوْرَةِ لينين، فَراحَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَبْحَثُ عَنْ قَيْصَرِ بِلادِهِ وَيَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالمَوْت. انْقِلابٌ وَحيدٌ أَبْقى المَلِكَ حَيًّا وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالنَّفْي، ثُمَّ وَدَّعَهُ وَداعَ المُلوك، انْقِلابُ عَبْدِ النّاصِر. مِصْرُ لَمْ تَقْتُلْ رَئيسَها إلى أَنْ جَاءَ جَهَلَةُ الإِسْلامِ السِّياسِيّ، فَلَمْ يَكْتَفوا بِإِعْدامِ أَنْوَرِ السّادات. على دَرْبِ المَقْتَلَةِ اغْتالوا فَرَج فودَه، وَلَمْ تَنْجَحْ مُحَاوَلَتُهُمْ ضِدَّ جَائِزَةِ نوبِلَ وَالحائِزِ عَلَيْها الرِّوائِيِّ الكَبيرِ نَجيب مَحْفوظ.
الثَّوْرَةُ في تاريخِ الحَضاراتِ أَوْ في العُلومِ وَالآدابِ هِيَ فَنُّ التَّغْييرِ وَالِانْتِقالِ بِالبِلادِ مِنْ حالٍ إلى حال. الثَّوْراتُ الدّينِيَّة، السَّماوِيَّةُ وَغَيْرُ السَّماوِيَّة، اسْتَمَرَّتْ قُرونًا وَأَلفِيّات، وَبَدَّلَتْ أَنْماطَ العَيْشِ وَالتَّفْكيرِ وَأَنْظِمَةَ الحُكْم. الثَّوْرَةُ الرَّأْسِمالِيَّةُ بَدَأَتْ في القَرْنِ الخَامِسِ عَشَر، وَما زالَتْ مُسْتَمِرَّةً حَتّى الحادي وَالعِشْرين. ثَوْراتُنا هِيَ الوَحيدَةُ التي لَمْ تَكُنْ لِتَحْتاجَ إلى أَكْثَرَ مِنَ البَيانِ رَقْمِ وَاحِد، وَكَمْ تَكَرَّرَ إِعْلانُ هَذَا البَيانِ مِنَ الإِذاعَةِ ذاتِها بَيْنَ عامٍ وَعام. تَفَنَّنَتْ في القَتْلِ وَإِلغاءِ الآخَرِ المُخْتَلِفِ في الدّينِ أَوْ في اللُّغَةِ أَوْ في الِانْتِماءِ السِّياسِيّ، وَحاوَلَتْ في نُسْخَتِها اليَسارِيَّةِ القَفْزَ فَوْقَ التّاريخ، وَفي نُسْخَتِها الدّينِيَّةِ جَرَّ التّاريخِ إلى الوَرَاء. أَهْلُ الثَّوْرَةِ في السّودانِ جَعَلوا الوَطَنَ الواحِدَ أَوْطانًا، وَالشَّعْبَ شُعوبًا وَقَبائِل.
السودان الأكثر حاجة إلى إقصاء العسكريين عن كتابة تاريخه
أَثْبَتَتِ الثَّوْرَةُ الرَّأْسِمالِيَّةُ وَالثَّوْراتُ التي قامَتْ ضِدَّها حَقيقَةً واحِدَة، هِيَ أَنَّ التَّغْييرَ نَحْوَ الأَفْضَلِ لا يُمْكِنُ حُصولُهُ إِلّا تَحْتَ خَيْمَةِ الدَّوْلَة. الدَّوْلَةُ التي نَقْرَأُ عَنْها عِنْدَ روسّو وَمونْتِسْكْيو وَهوبْس وَهيغِل. هِيَ دَوْلَةُ القانونِ وَالمُؤَسَّساتِ وَالدَّساتير. هِيَ الدَّوْلَةُ التي تَحْمي التَّعَدُّدَ وَالتَّنَوُّعَ وَتَرْعاه. هِيَ الدَّوْلَةُ التي لا يَفْنى الخُصومُ فيها إِذَا اخْتَلَفوا وَتَنازَعوا وَتَنافَسوا. هِيَ الدَّوْلَةُ الدّيموقْراطِيَّة.
السّودانُ لَيْسَ وَحيدًا بَيْنَ البُلْدان، بَل رُبَّما الأَكْثَرُ حاجَةً إلى إِقْصاءِ العَسْكَرِيّينَ عَنْ كِتابَةِ تاريخِه. وَهَذِهِ لَيْسَتْ مُهِمَّةَ المُجْتَمَعِ المَدَنِيِّ السّودانِيِّ وَحْدَه، بَل هِيَ واجِبُ الأُمَّةِ العَرَبِيَّةِ كُلِّها، وَلا سِيَّما الأَنْظِمَةُ التي تَمُدُّ يَدَ العَوْنِ لِلمُتَقاتِلين. أَلَيْسَتْ تَكْفي عُقودٌ مِنَ الحُكْمِ تَوالَى خِلالَها الانْقِلابِيّونَ على اغْتِصابِ السُّلْطَةِ وَانْتِهاكِ الدُّسْتور؟!.
(خاص "عروبة 22")

