اتَّضَحَ أَنَّ هَيْمَنَةَ التَّفاعُلِ الإِقْليمِيِّ مع فَعّالِيّاتِ مونْدِيالِ كُرَةِ القَدَم، لا تُفيدُ بِالضَّرورَةِ بِأَنَّ الأَمْرَ مُجَرَّدُ مُواكَبَةٍ عابِرَةٍ لِحَدَثٍ رِياضِيٍّ عالَمِيّ، لِأَنَّهُ في صُلْبِ تِلْكَ التَّفاعُلات، هُناكَ مُؤَشِّراتٌ إِلى تَحَوُّلاتٍ جَرَتْ في المِنْطَقَةِ خِلالَ العُقودِ الماضِيَة، وَنَزْعُمُ أَنَّ وَتيرَةَ تِلْكَ التَّحَوُّلاتِ ارْتَفَعَتْ بِشَكْلٍ جَلِيٍّ مُباشَرَةً بَعْدَ أَحْداثِ 2011، وَعُنْوانُها الانْتِصارُ أَكْثَرَ لِلْقَضايا المَحَلِّيَّةِ على حِسابِ قَضايا المِنْطَقَة، وَالتَّأْثيرُ بِالتّالي على طَبيعَةِ تَفاعُلاتِ شُعوبِ المِنْطَقَةِ مع الهَمِّ العَرَبِيِّ المُشْتَرَك.
على سَبيلِ المِثال، مُنْذُ عُقودٍ مَضَت، كانَ تَحْصيلُ حاصِلٍ أَنْ تَكونَ الشُّعوبُ العَرَبِيَّةُ مُتَعاطِفَةً كُلِّيًّا وَمُشَجِّعَةً لِلْمُنْتَخَباتِ العَرَبِيَّةِ المُشارِكَةِ في هذِهِ المُبارَيات، مِنْ دونِ أَدْنى اسْتِثْناءات، وَالأَمْرُ نَفْسُهُ مع باقي المُنْتَخَباتِ العَرَبِيَّة، مِنْ قَبيلِ المَغْرِبِ وَالجَزائِرِ وَتُونِسَ وَمِصْرَ وَالسُّعودِيَّةِ وَقَطَرَ وَالأُرْدُنِّ وَالعِراق، لَكِنَّهُ عَمَلِيًّا اليَوْمَ، خِلالَ السَّنَواتِ الماضِيَةِ على الخُصوص، لَمْ يَعُدْ كَذَلِكَ بِالضَّرورَة، بِدَليلِ صُدورِ تَفاعُلاتٍ في مَواقِعِ التَّواصُلِ الاجْتِماعِيِّ تُزَكّي هَذا المُعْطى.
حسابات وهمية أطلقت في الكيان الإسرائيلي على قاعدة "فرّق تسد"
رُبَّ مُعْتَرِضٍ يَرى أَنَّ الأَمْرَ يَهُمُّ أَقَلِّيَّةً مُقارَنَةً بِالسَّائِدِ إِجْمالًا لَدى الرَّأْيِ العَامّ، لَكِنَّ الأَمْرَ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بِالأَمْس، لِأَنَّنا لَمْ نَكُنْ نَسْمَعُ عَنْ تِلْكَ الأَقَلِّيَّةِ أَساسًا.
بَيْنَ أَيْدينا ثَلاثَةُ أَسْبابٍ تُفَسِّرُ ارْتِفاعَ وَتيرَةِ الاحْتِقانِ في مَواقِعِ التَّواصُلِ الاجْتِماعِيّ:
ــ يَتَعَلَّقُ السَّبَبُ الأَوَّلُ بِتَأْثيرِ كَتائِبَ إِلِكْترونِيَّةٍ مَصْدَرُها الكِيان الإسرائيلي، وَهَذا لَيْسَ مُنْتَظَرًا وَحَسْبُ بِمُقْتَضى تَفْعِيلِ قاعِدَةِ "فَرِّقْ تَسُدْ"، وَإِنَّما اتَّضَحَ عَمَلِيًّا مُنْذُ مُدَّةٍ عِنْدَما كَشَفَتْ إِدارَةُ مِنَصَّةِ "إِكْس" ("تْويتِر" سابِقًا) عَنْ مَصْدَرِ العَديدِ مِنَ الحِساباتِ الرَّقْمِيَّة، وَاتَّضَحَ أَنَّ بَعْضَها الذي كُنّا نَعْتَقِدُ أَنَّ مَصْدَرَهُ بَعْضُ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، وَكانَ مُنْخَرِطًا في شَيْطَنَةِ هذِهِ الدَّوْلَةِ أَوْ تِلْك، لا عَلاقَةَ لَهُ بِأَيِّ مَصْدَرٍ عَرَبِيّ، وَأَنَّنا إِزاءَ حِساباتٍ وَهْمِيَّةٍ أُطْلِقَتْ في عُقْرِ الكِيان.
ــ يَتَعَلَّقُ السَّبَبُ الثّاني بِحِساباتٍ أَطْلَقَها شَبابٌ عَرَبِيٌّ مِنْ دُوَلٍ عَرَبِيَّةٍ عِدَّة، بِشَكْلٍ انْفِرادِيٍّ لا عَلاقَةَ لَهُ بِتَنْظيماتٍ إيدْيولوجِيَّةٍ أَوْ حِساباتِ صانِعي القَرار، وَهِيَ مُنْخَرِطَةٌ في تَرْويجِ خِطابِ الاحْتِقانِ مِنْ خِلالِ نَشْرِ التَّدْويناتِ وَالتَّغْريداتِ المُسيئَة، بِهَدَفِ إِثارَةِ الاسْتِفْزاز، وَبِالتّالي فَتْحِ أَبْوابِ التَّفاعُلاتِ وَالتَّرْويجِ وَنَشْرِ الخِطابِ التَّحْريضِيّ، مِنْ أَجْلِ حَصْدِ مُواكَباتٍ وَمُشاهَداتٍ أَكْبَر، لِأَغْراضٍ مادِّيَّة.
ثمّة غلبة لخطاب لَمّ الشمل والتضامن العربي لكن لا يمكن صرف النظر عن الحملات السلبية
ــ وَأَخيرًا، هُناكَ سَبَبٌ ثالِثٌ لا يُمْكِنُ صَرْفُ النَّظَرِ عَنْه، وَيَهُمُّ حِساباتٍ أَطْلَقَتْها دَوائِرُ أَوْ تَيّاراتٌ في صِناعَةِ القَرار، في سِياقِ صِراعاتٍ إِقْليمِيَّةٍ وَجِيوسِياسِيَّةٍ بَيْنَ بَعْضِ دُوَلِ المِنْطَقَة، على غِرارِ ما عايَنّا في عِزِّ أَحْداثِ 2011، لَوْلا أَنَّ مِثْلَ هذِهِ المُبادَرات، غالِبًا ما تُقابَلُ بِحَمَلاتٍ مُضادَّة، وَالنَّتيجَةُ تَكْريسُ المَزيدِ مِنَ الفِتَنِ وَالاحْتِقانِ وَالانْقِساماتِ بَيْنَ نِسْبَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الرَّأْيِ العَامِّ العَرَبِيّ.
مِنَ المُؤَكَّدِ أَنَّهُ ثَمَّةَ غَلَبَةٌ لِخِطابِ لَمِّ الشَّمْلِ وَالتَّضامُنِ العَرَبِيّ، كَما عايَنّا في تَفاعُلاتٍ نَوْعِيَّةٍ لِأَهْلِ القِطاعِ وَالضِّفَّةِ مع الفِرَقِ العَرَبِيَّةِ المُشارِكَةِ في المونْدِيال، بَلْ عايَنّا تَفاعُلاتٍ قادِمَةً مِنْ بَنْغلادِشَ وَباكِسْتانَ وَإِنْدونيسْيا وَدُوَلٍ إِسْلامِيَّةٍ عِدَّة، تَضامُنًا مع الفِرَقِ العَرَبِيَّة، لَكِنْ لا يُمْكِنُ صَرْفُ النَّظَرِ أَيْضًا عَنِ التَّأْثيرِ السَّلْبِيِّ لِمُجْمَلِ هذِهِ الحَمَلات، وَمَنْ كانَ يَتَوَقَّعُ أَنْ يَصِلَ الأَمْرُ إِلى انْخِراطِ بَعْضِ الحِساباتِ العَرَبِيَّةِ في تَشْجيعِ الفِرَقِ المُنافِسَةِ التي تُواجِهُ الفِرَقَ العَرَبِيَّة؟!.
وَإِذا وَصَلَتْ تِلْكَ التَّحَوُّلاتُ إِلى هذِهِ الدَّرَجَةِ في المَجالِ الرِّياضِيّ، فَلَنا أَنْ نَتَخَيَّلَ بَقِيَّةَ التَّفاعُلاتِ التي تَهُمُّ المَجالاتِ السِّياسِيَّةِ وَالجِيوسِياسِيَّةِ وَغَيْرِها!.
(خاص "عروبة 22")

