العرب وطموح الوحدة

المونديالُ وَحَّدَ العَرَبَ في ما فَشِلَت فيهِ السِّياسَةُ والاقتِصاد!

وَحَّدَتْ كُرَةُ القَدَمِ الجَماهيرَ العَرَبِيَّة، وَراءَ مُنْتَخَباتِها في كَأْسِ العالَمِ (2026)، في تَضامُنٍ عابِرٍ لِلحُدود، مِنَ المُحيطِ إلى المُحيط، أَعادَ إِحْياءَ الشُّعورِ بِالهُوِيَّةِ وَالِانْتِماءِ وَالمَصير، على الرَّغْمِ مِنْ بَعْضِ الِاخْتِراقاتِ التَّحْريضِيَّةِ المُنْدَسَّة، لِإِثارَةِ الفِتْنَةِ عَبْرَ مَواقِعِ التَّواصُلِ الِاجْتِماعِيّ، تُغَذّيها أَحْيانًا مَشاعِرُ الحِقْدِ وَالحَسَدِ بَيْنَ الجيران، وَالرَّغْبَةُ في تَبْخيسِ نَجاحِ "الشَّقيقِ" خَوْفًا مِنْ مُحاسَبَةِ أَسْبابِ الفَشَلِ مِنَ الدّاخِل. الكُرَةُ في النِّهايَةِ أَكْثَرُ مِنْ مُجَرَّدِ لُعْبَةٍ وَتَسْلِيَة، فَهِيَ مُنافَسَةٌ سِياسِيَّةٌ وَاقْتِصادِيَّةٌ وَاجْتِماعِيَّةٌ وَتَنْمَوِيَّةٌ وَحُقوقِيَّةٌ وَحَضارِيَّةٌ وَثَقافِيَّة، قَبْلَ أَنْ تَكونَ رِياضِيَّة، إِنَّها تَخْتَزِلُ وَطَنًا كامِلًا بِإِنْجازاتِهِ وَإِخْفاقاتِه، نَجاحاتِهِ وَهَزائِمِه.

المونديالُ وَحَّدَ العَرَبَ في ما فَشِلَت فيهِ السِّياسَةُ والاقتِصاد!

على مَدى شَهْرٍ كامِلٍ كانَتِ الجَماهيرُ العَرَبِيَّةُ تَخْرُجُ إلى الشَّوارِعِ ابْتِهاجًا وَفَرَحًا، بِهذا الفَريقِ العَرَبِيِّ أَوْ ذاك، طالَما أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ هُوِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ يَصْعُبُ فيها الحِياد، على صيغَة "أَنا وَأَخويا على ابْنِ عَمّي، وَأَنا وَابْنُ عَمّي على الغَرِيب". وَتَجاهَلَ أَطْفالُ غَزَّةَ كُلَّ مُعاناتِهِم، وَحَمَلوا أَعْلامَ مُنْتَخَباتِ المَغْرِبِ وَمِصْرَ وَالسُّعودِيَّةِ وَالأُرْدُنّ وَالعِراقِ وَقَطَرَ وَتُونِسَ وَالجَزائِر.

الوحدة مصير والتشرذم ابتلاء

كَأْسُ العالَمِ أَشْعَرَتْهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ وَطَنًا كَبيرًا يَنْتَمونَ إِلَيْه، يَتَجاوَزُ الحُدود. "لَسْنا وَحْدَنا، لَنا أُمَّةٌ تَسْنُدُنا وَهذِهِ أَعْلامُنا"، قالَها الأَطْفالُ بِتَعْبيراتٍ مُخْتَلِفَة، وَقَناعَةٍ بِأَنَّ "الوَحْدَةَ مَصيرٌ وَالتَّشَرْذُمَ ابْتِلاءٌ". لَقَدْ حَقَّقَتْ كُرَةُ القَدَمِ ما لَمْ تُحَقِّقْهُ السِّياسَة، مِنْ شُعورٍ بِالفَخْر، وَالثِّقَةِ في النَّفْس، وَالنِّدِّيَّةِ أَمامَ الكِبار. الكُرَةُ خَلَقَتْ لَحْظَةَ فَرَحٍ وَلَوْ عابِرَة، وَهُوَ ما عَجِزَ عَنْهُ السِّياسِيّونَ عُقودًا مِنَ الوُعود.

مُكافَآتٌ بِقيمَةِ 115 مِليونِ دولار

حَصَلَتِ الدُّوَلُ العَرَبِيَّةُ التي شارَكَتْ في نِهائِيّاتِ كَأْسِ العالَمِ (2026) في الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَكَنَدا وَالمَكْسيكِ على مُكافَآتٍ مالِيَّةٍ بِقيمَةِ 115 مِليونِ دولار. وَهَذا أَكْبَرُ قَدْرٍ مالِيٍّ تَحْصُلُ عَلَيْهِ المُنْتَخَباتُ العَرَبِيَّةُ في تاريخِ الكُرَةِ العالَمِيَّة، مُنْذُ انْطِلاقِ المُنافَساتِ قَبْلَ 96 سَنَة. وَتَبايَنَتْ قيمَةُ التَّعْويضاتِ حَسَبَ النَّتائِجِ المُحَصَّلَةِ لِكُلِّ فَريق، وَالتَّصْنيفِ الدّّوْلِيِّ الذي يَعْتَمِدُهُ "الفيفا" في تَرْتيبِ المُنْتَخَبات، وَاسْتِحْقاقِها الرِّياضِيِّ وَالمادِّيّ. وَقَدْ حَلَّ المَغْرِبُ في الرُّتْبَةِ الأولى كَأَوَّلِ مُنْتَخَبٍ عَرَبِيٍّ ضِمْنَ الثَّمانِيَةِ الكِبار، بَعْدَ وُصولِ "أُسودِ الأَطْلَسِ" إلى رُبْعِ النِّهائِيِّ وَمُلاقاةِ فَرَنْسا، وَصيفَةِ بَطَلَةِ النُّسْخَةِ السّابِقَةِ في قَطَر، بِحَيْثُ حَصَلَ الفَريقُ المَغْرِبِيُّ على 21,5 مِليونَ دولار، وَيَحْصُلُ الفائِزُ بِكَأْسِ العالَمِ على مَكافَأَةٍ بِـ 50 مِليونَ دولار.

وَحَلَّتْ مِصْرُ في الرُّتْبَةِ الثّانِيَةِ عَرَبِيًّا بِـ 17,5 مِليونَ دولارٍ بَعْدَ تَفَوُّقِ الفَراعِنَة، وَاحْتِلالِهِمْ مَراكِزَ مُتَقَدِّمَةً ضِمْنَ أَفْضَلِ 16 فَريقًا عالَمِيًّا، خاصَّةً مُباراتَهُمُ المُتَأَلِّقَةَ ضِدَّ الأَرْجَنْتين، حامِلَةِ كَأْسِ العالَمِ 2022 في قَطَر. وَجاءَ المُنْتَخَبُ الجَزائِرِيُّ في الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ بِـ 13,5 مِليونَ دولار، ضِمْنَ فِئَةِ أَفْضَلِ 32 فَريقًا عالَمِيًّا. وَتَنْتَمي هذِهِ الفِرَقُ الثَّلاثَةُ جَميعُها إلى شَمالِ أَفْريقْيا، وَتُعْتَبَرُ أَقْوى المُنْتَخَباتِ العَرَبِيَّةِ في النُّسْخَةِ الحالِيَّة، وَسَوْفَ تَرْفَعُ القيمَةَ السّوقِيَّةَ لِلاعِبيها. وَحَصَلَتِ الفِرَقُ العَرَبِيَّةُ الخَمْسَةُ الأُخْرى على مَكافَآتٍ مالِيَّةٍ بِقِيمَةِ 12,5 مِليونَ دولارٍ لِكُلِّ فَريق، شَمِلَتْ مُنْتَخَباتِ السُّعودِيَّةِ وَالعِراقِ وَتُونِسَ وَالأُرْدُنّ وَقَطَر. وَهذِهِ أَعْلى قيمَةٍ مالِيَّةٍ تُحَقِّقُها مُنْتَخَباتٌ عَرَبِيَّةٌ في مُنافَساتٍ عالَمِيَّة.

مُشارَكَةٌ عَرَبِيَّةٌ مُتَمَيِّزَةٌ في كَأْسِ العالَم

المُؤَكَّدُ أَنَّ مُشارَكَةَ العَرَبِ في المونْدِيالِ الأَميرِكِيِّ - الكَنَدِيِّ - المَكْسيكِيِّ 2026 تَخْتَلِفُ عَنْ نِهائِيّاتِ كَأْسِ العالَمِ السّابِقَة. فَقَدْ شارَكَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ 48 دَوْلَة، مِنْها ثَمانٍ عَرَبِيَّة، وَقُدِّرَ المُشَجِّعونَ العَرَبُ في الدّاخِلِ بِنَحْوِ نِصْفِ مِلْيارِ نَسَمَة، وَمَلايينَ آخَرينَ مِنَ الجالِياتِ العَرَبِيَّةِ وَالإِسْلامِيَّة، وَالمُعْجَبين. وَحَضَرَ في المُدَرَّجاتِ عَشَراتُ الآلافِ مِنَ المُشَجِّعين، مِمّا يَجْعَلُها أَكْبَرَ نِسْبَةِ حُضورٍ عَرَبِيٍّ في كَأْسِ العالَم.

صَحيحٌ أَنَّ العَرَبَ لَمْ يَكْسَبوا الكَأْسَ الذَّهَبِيَّة، لَكِنَّهُمُ اقْتَرَبوا كَثيرًا، وَكانَ المَغْرِبُ على بُعْدِ مُباراتَيْنِ مِنَ التَّتْويج، وَمِصْرُ على بُعْدِ ثَلاثِ مُباريات. كَما كَسِبَتْ كُلُّ الفِرَقِ احْتِرامَ الجُمْهورِ العالَمِيّ، حَتّى التي شارَكَتْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مِثْلَ الأُرْدُنّ، أَوْ عادَتْ بَعْدَ غِيابٍ طَويلٍ مِثْلَ العِراق. وَلَعَلَّ خُروجَ مَلايينَ المُشَجِّعينَ في دُوَلٍ بَعيدَة، وَبَعْضُها لا يَعْرِفُ أَيْنَ تَقَعُ الدُّوَلُ التي يُناصِرُ مُنْتَخَباتِها، دَليلٌ ساطِعٌ على أَنَّ لِلعَرَبِ مَكانَةً وَوَزْنًا في النِّظامِ العالَمِيِّ الجَديد، ظَهَرَتْ مَلامِحُهُ في كُرَةِ القَدَم، على الرَّغْمِ مِنْ سوءِ تَحْكيمِ بَعْضِ المُبارَيات.

دَعْمٌ لِنِهائِيِّ 2030 في الدّارِ البَيْضاءِ عِوَضًا عَنْ مَدْريد

اعْتَبَرَتْ مَجَلَّةُ "ذي أُوبْزِرْفِر" أَنَّ "22 عُضْوًا مِنْ مَجْموعِ 37 داخِلَ المَجْلِسِ التَّنْفيذِيِّ لِـ"الفيفا" تُسانِدُ المَغْرِب، لِاحْتِضانِ مُباراةِ نِهائِيِّ كَأْسِ العالَمِ 2030 في مَلعَبِ الحَسَنِ الثّاني في الدّارِ البَيْضاء"، وَهُوَ المَلعَبُ الذي يَجْري بِناؤُهُ لِاسْتِقْبالِ 115 أَلْفَ مُتَفَرِّج. وَتَتَنافَسُ إِسْبانْيا مَعَ المَغْرِبِ على اسْتِضافَةِ النِّهائِيِّ الكُرَوِيِّ المُقْبِل، مَدْعومَةً بِدُوَلٍ في الِاتِّحادِ الأوروبِّيّ، حَيْثُ تَعْمَلُ لِأَجْلِ إِبْقاءِ الكَأْسِ في القارَّةِ العَجوز.

الكرة تختزل القوّة الناعمة الأكثر تأثيرًا في الشعوب

وَقالَتِ المَجَلَّةُ نَفْسُها إِنَّ "جُلَّ الِاتِّحاداتِ الكُرَوِيَّةِ الأَفْريقِيَّةِ وَالآسْيَوِيَّةِ وَالأَميرْكِيَّةِ الشَّمالِيَّةِ وَالمُحيطِ الهادِئ، تُسانِدُ تَرْشيحَ المَغْرِب، بِاسْتِثْناءِ الِاتِّحاداتِ الأوروبِّيَّة". وَيَخْضَعُ رَئيسُ "الفيفا" السّْويسْرِيُّ جِياني إِنْفانْتينو لِابْتِزازٍ أوروبِّيٍّ واضِحٍ وَضُغُوط، وَتَهْديدٍ بِعَدَمِ تَجْديدِ وِلايَتِهِ في مارِس/آذار 2027. وَيَعْتَقِدُ مُراقِبونَ مُتَخَصِّصونَ أَنَّ "الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ أَصْبَحَتْ رَقْمًا صَعْبًا في صِياغَةِ النِّظامِ الكُرَوِيِّ العالَمِيّ، لِأَنَّ الكُرَةَ تَخْتَزِلُ القُوَّةَ النّاعِمَةَ الأَكْثَرَ تَأْثيرًا في الشُّعوب".

وَسَتُقامُ مُنافَساتُ كَأْسَيْنِ عالَمِيَّتَيْنِ مُقْبِلَتَيْنِ في كُلٍّ مِنَ المَغْرِبِ وَالسُّعودِيَّةِ عامَيْ 2030 وَ2034 على التَّوالي. وَهُوَ ما سَيَجْعَلُ المِنْطَقَةَ العَرَبِيَّةَ تُنَظِّمُ ثَلاثَ كُؤوسٍ عالَمِيَّةٍ خِلالَ 12 سَنَةً، مِنْها نُسْخَتانِ مُتَتابِعَتانِ في بَلَدَيْنِ عَرَبِيَّيْن. وَتَرى الأَوْساطُ الرِّياضِيَّةُ أَنَّ الشَّرْقَ الأَوْسَطَ وَشَمالَ أَفْريقْيا حَقَّقا نَهْضَةً اقْتِصادِيَّةً وَعُمْرانِيَّة، تُؤَهِّلُهُما لِاسْتِضافَةِ التَّظاهُراتِ العالَمِيَّةِ الكُبْرى. بَل هُناكَ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ المَلاعِبَ العَرَبِيَّةَ تَفَوَّقَتْ هَنْدَسِيًّا وَجَمالِيًّا على بَعْضِ المَلاعِبِ التَّقْليدِيَّةِ في القارَّتَيْنِ الأَميرْكِيَّةِ وَالأوروبِّيَّة. وَلا يُحِبُّ المُشَجِّعونَ الغَرْبِيّونَ هذِهِ المُقارَبات، وَيَنْظُرونَ إلى دُوَلِ الجَنوبِ بِمِنْظارِ القَرْنِ العِشْرين.

وَخِلالَ 100 عامٍ، حَظِيَتْ 19 دَوْلَةً فَقَطْ بِاسْتِضافَةِ النِّهائِيّاتِ العالَمِيَّة، ثَلاثَ مَرَّاتٍ في المَكْسِيك، وَمَرَّتَيْنِ في الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَأَلمانْيا وَفَرَنْسا وَإيطاليا، وَمَرَّةً واحِدَةً في الأوروغْواي، وَسْويسْرا، وَبَِريطانْيا، وَإِسْبانْيا، وَاليابان، وَكورِيا الجَنوبِيَّة، وَجَنوبِ أَفْريقْيا، وَالبَرازيل، وَروسْيا، وَقَطَر.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن