صحافة

مكرُ بنيامين نتنياهو في غزة ولبنان

جلبير الأشقر

المشاركة
مكرُ بنيامين نتنياهو في غزة ولبنان

فلسطينيون يتفقدون مركبة أُصيبت بغارة جوية إسرائيلية في دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ب)

سوف يدخل بنيامين نتنياهو التاريخ بلا شك بوصفه أحد النماذج الفذّة عمّا عُرف باسم أحد أكبر أعلام الاستراتيجية السياسية، مفكّر القرن السادس عشر الإيطالي الكبير، نيكولو مكيافيلي. وقد أحيل إلى اسم مكيافيلي ما أسداه من نصح في كتابه الشهير "الأمير"، في التحرّر من الالتزام الأخلاقي وممارسة الخديعة والنفاق في السياسة بغية الاحتفاظ بالسلطة. هذا وقد عرف التاريخ جملة من اللاعبين اشتهروا بمغالاتهم في الكيد واستعدادهم لفعل كل ما يخدم مصلحتهم الشخصية بلا رادع أخلاقي أو اهتمام بمؤدّى الأمر في المجتمع الذي ينتسبون إليه.

وبين هؤلاء يبرز بامتياز بنيامين نتنياهو الذي أثبت خلال تاريخه السياسي، على سبيل المثال، أنه لا يتردّد في عقد التحالفات مع شتى أنواع الجماعات السياسية، بما فيها الأكثر تطرّفاً، كي يبقى متربّعاً على كرسي الحكم. وقد بلغ الذروة في هذا المجال في تحالفه في نهاية عام 2022 مع زعيم حزب "القوة اليهودية"، إيتمار بن غفير، المنحدر من تيار سبق منعُه في الدولة الصهيونية ذاتها بتهمة "الإرهاب"، وهي تهمة مستحقة تماماً في هذه الحالة.

ومن أكثر ما يأخذه على نتنياهو أخصامُه "المعتدلون" في السياسة الإسرائيلية أنه آثر التعايش مع "حماس" على حساب سلطة رام الله، فعامل هذه الأخيرة بازدراء وفرض عليها خناقاً أمنياً ومالياً بينما أجاز لحكم "حماس" في القطاع الحصول على تمويل خارجي، بما أتاح له الاستمرار مستقلاً عن رام الله. ولم تكن جولات القصف المتتالية على غزة بمتناقضة مع الأمر، بل إن التوتّر الدائم بين القطاع والدولة الصهيونية هو بالضبط ما توخّاه نتنياهو تدعيماً للمنحى اليميني العنصري في المجتمع الصهيوني الذي يخدم مصلحته السياسية، وهو عينه سبب احتقاره لمحمود عبّاس، إذ إن هذا الأخير، المقبول في المحافل الدولية، هو رمز نهج "الدولة الفلسطينية" الذي يرفضه نتنياهو رفضاً باتاً.

إن اللعبة التي يمارسها الآن نتنياهو في غزة ولبنان، إنما هي قمة في المكيدة في إطار يفرض على إسرائيل أخذ تدخّل الحليف الأمريكي في الحسبان. فقد تعامل مع دونالد ترامب وهو يدرك أن معاكسة نزوات الرجل من شأنها أن تثير غضبه لشدة نرجسيته، فاختار أن يلتفّ على تلك النزوات لعلمه أن الالتفاف خير سبيل إلى تحقيق مبغاه. هكذا فلم يعارض نتنياهو "مشروع السلام" الذي صدر عن إدارة ترامب، بل تظاهر بتأييده ذاهباً إلى حدّ الانضمام إلى "مجلس السلام" المسخرة الذي أنشأه الرئيس الأمريكي. وقبِل بسحب قواته عن قسم من أراضي غزة التي احتلتها منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، لتحتفظ بما يزيد قليلاً عن نصف مساحة القطاع. وقد علم نتنياهو علماً يقيناً أن "مشروع السلام" سريعاً ما سوف يتعثّر، إن لم يلد ميتاً، لكون "حماس" مستمرة بالوجود العسكري ومحتفظة بجزء من أسلحتها، وهو ما يناسبه في الحقيقة وما يتعمّد تحفيزه من خلال مواصلة عدوان قواته المسلّحة على القطاع على الرغم من وقف إطلاق النار الرسمي.

فقد أدرك نتنياهو أن "حماس" لن تقبل بتسليم أسلحتها وأن ذلك سوف يجمّد "مشروع السلام" بحيث يتيح له مواصلة قضمه لأراضي القطاع. فبعد أن تحولت نسبة الاحتلال تدريجياً، إثر "السلام" المزعوم، من 53 في المئة من مساحة القطاع إلى ما يناهز 60 في المئة، ها أن نتنياهو يعلن أنه قرّر توسيع رقعة الاحتلال إلى 70 في المئة. والحبل على الجرّار، إذ يراهن رئيس الوزراء الصهيوني على «حماس» كي تُحبط المشروع السلمي الخيالي، وتوفّر له ذريعة لمواصلة التوسّع في معظم القطاع، ربّما باستثناء بقعة في جنوبه سوف يُحصر فيها معظم من بقي من الغزاويين تحت إشراف عربي، إماراتي على الأرجح.

وهي الحيلة ذاتها التي مارسها ويمارسها نتنياهو في لبنان. فقد وافق على قرار وقف إطلاق النار في خريف عام 2024 إثر انقضاضه على "حزب الله"، وقبِل بالعودة إلى إطار قرار مجلس الأمن الدولي 1701 لعام 2006 الذي نصّ على خروج الحزب من المنطقة الواقعة جنوبي نهر الليطاني وانتشار قوات الجيش اللبناني الرسمي فيها بالتعاون مع القوات الدولية المتواجدة هناك منذ عام 1978، كما نصّ القرار على نزع سلاح "حزب الله". وقد تعمّد الحكم الصهيوني إبقاء جبهة الجنوب اللبناني مشتعلة على نار خفيفة نسبياً، وهو يدرك أن فعلَه هذا بالذات من شأنه أن يبرّر احتفاظ "حزب الله" بسلاحه ويُضعف حجة الحكم اللبناني في هذا الصدد.

ثم انتظر نتنياهو حدوث العدوان الثنائي الأمريكي - الإسرائيلي على إيران، وهو متأكد من أن طهران سوف تحرّك الجبهة اللبنانية في المواجهة. فانتهز هذه الفرصة الجديدة ليتقدمّ بصورة حاسمة، في خضمّ المعركة، في احتلال قواته لجنوب لبنان وإلحاقه بمصير غزة من حيث الجمع بين تهجير سكانه وتدمير مبانيه بغية السيطرة المديدة عليه وضمّه تدريجياً في المستقبل، تحقيقاً لأحد أقدم مرامي النزعة التوسّعية الملازمة للمشروع الصهيوني. وقد أدرك نتنياهو أن سلوك قواته هذا بالذات من شأنه أن يعيد تنشيط "حزب الله" وإحياء شرعيته بما يقضي على مشروع نزع سلاحه الذي توهّم الحكم اللبناني أنه قابل للتحقيق.

هكذا ففي نهاية المطاف، يراهن نتنياهو على "حماس" وعلى "حزب الله" ذريعتين لمضيّه في توسيع أراضي دولته على حساب الشعبين الفلسطيني واللبناني، ناهيك من الاستمرار في توسّعها على حساب الشعب السوري.

(القدس العربي)

يتم التصفح الآن