اقتصاد ومال

في ذِكْرى "هَزيمَةِ يونْيو"... المَنادِبُ السَّنَوِيَّةُ وَتَجارِبُ الشُّعوبِ الأُخْرى!

اقْتَرَنَ الخامِسُ مِنْ يونْيو، بِذِكْرى الهَزيمَةِ العَسْكَرِيَّةِ المُرَوِّعَةِ التي تَعَرَّضَتْ لَها مِصْرُ وَسورْيا وَالأُرْدُنّ عامَ 1967 مِنْ دونِ حَرْبٍ حَقيقِيَّة، وَالتي تَوَقَّعَ الكِيانُ الصُّهْيونِيُّ أَنْ يَتْبَعَها اسْتِسْلامُ تِلْكَ الدُّوَلِ لِرَغَباتِهِ وَأَهْدافِه، وَهِيَ الهَزيمَةُ الحَقيقِيَّة. لَكِنَّ الرَّدَّ المِصْرِيَّ لَمْ يَتَأَخَّرْ كَثيرًا بِحَيْثُ دارَتْ مَعْرَكَةُ رَأْسِ العِشِّ في بِدايَةِ يولْيو 1967، وَتَمَكَّنَ ثَلاثونَ مِنْ أَبْطالِ الصّاعِقَةِ المِصْرِيَّةِ بِأَسْلِحَتِهِمُ الخَفيفَةِ مِنْ إِحْرازِ نَصْرٍ أُسْطورِيٍّ على قُوَّةٍ صُهْيونِيَّةٍ كَبيرَةٍ بِدَبّاباتِها وَمُدَرَّعاتِها. وهَذا النَّصْرُ حَمى مَدينَتَيْ بورْفُؤاد وَبورْسَعيد.

في ذِكْرى

في 21 أُكْتوبر 1967 دَمَّرَتِ البَحْرِيَّةُ المِصْرِيَّةُ "المُدَمِّرَةَ إيلات"، كُبْرى قِطَعِ الأُسْطولِ الصُّهْيونِيِّ شَمالَ بورْسَعيد، وَقَتَلَتْ 47 مِنْ طاقِمِها. ثُمَّ بَدأَتْ في مارِس 1968 حَرْبُ الِاسْتِنْزاف، وَهِيَ واحِدَةٌ مِنْ أَنْبَلِ وَأَشْرَفِ الحُروبِ المَنْسِيَّة، وَالتي أَعادَتِ الثِّقَةَ إلى الجُيوشِ العَرَبِيَّة، وَمَهَّدَتِ الطَّريقَ لِخَوْضِ المُنازَلَةِ الكُبْرى في أُكْتوبر 1973.

قبول شروط الأعداء في اتفاقات التسوية هو الكارثة

وَإِذا كَانَ الأَهَمُّ هُوَ قِراءَةُ خِبْراتِ تِلكَ الهَزيمَةِ العَسْكَرِيَّة، وَالِانْخِراطَ في السِّباقِ التِّقْنِيِّ المُؤَهِّلِ لِلِانْتِصارِ في الحُروبِ الحَديثَة، فَإِنَّ المُشيرَ محمد عبد الغنيّ الجَمْسيّ، وَزيرَ الدِّفاعِ المِصْرِيَّ الأَسْبَق، يورِدُ في مُذَكِّراتِهِ شَهادَةَ الفَريقِ أَوَّل محمد فَوْزي، وَزيرِ الدِّفاعِ الأَسْبَق، عَنْ أَسْبابِ كَارِثَةِ يونْيو 1967، حَيْثُ يُشيرُ ضِمْنَ تِلْكَ الأَسْبابِ إلى: "دُخولِ القُوّاتِ المُسَلَّحَةِ في الإِصْلاحِ الزِّراعِيِّ وَالإِسْكانِ وَالنَّقْلِ الدّاخِلِيِّ وَأَعْمالِ مَباحِثِ أَمْنِ الدَّوْلَةِ وَالسَّدِّ العالي وَأَشْياءَ أُخْرى كَثيرَةً". وَيُضيفُ في شَهادَتِه: "يَهُمُّني في هَذِهِ النُّقْطَةِ مِنَ النّاحِيَةِ التّاريخِيَّةِ القَوْلُ إِنَّ انْتِشارَ سُلْطَةِ القُوّاتِ المُسَلَّحَةِ في مُخْتَلِفِ نَشاطاتِ الدَّوْلَةِ أَخْرَجَ القُوّاتِ المُسَلَّحَةَ أَوْ قَلَّلَ اهْتِمامَها بِمَسْؤولِيَّاتِها الأَساسِيَّةِ وَهِيَ إِعْدادُ القُوّاتِ المُسَلَّحَةِ لِلقِتَال" (مذكرات الجمسي... حرب أكتوبر 1973، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الثانية، القاهرة 2016، صـ 134-143).

وَنَظَرًا لِغَرابَةِ اسْتِمْرارِ تَعْليقِ البَعْضِ لِأَيِّ فَشَلٍ اقْتِصادِيٍّ أَوْ سِياسِيٍّ على الهَزيمَةِ العَسْكَرِيَّةِ في يونْيو 1967 في المَوْسِمِ السَّنَوِيِّ لِلنَّدْبِ عَلَيْها في ذِكْراها بَعْدَ ما يَقْرُبُ مِنْ سِتَّةِ عُقودٍ على وُقوعِها، فَإِنَّهُ مِنَ المُهِمِّ تَذْكيرُهُمْ بِأَنَّ عَدَمَ اسْتِكْمالِ حَرْبِ التَّحْرير، وَوَضْعَ 99% مِنْ أَوْراقِ القَضِيَّةِ في يَدِ العَدُوِّ الأَميرْكِيّ، وَقَبولَ شُروطِ الأَعْداءِ في اتِّفاقاتِ التَّسْوِيَةِ هُوَ الكارِثَة، وَتَذْكيرُهُمْ أَيْضًا بِتَجاوُزِ شُعوبٍ أُخْرى لِهَزائِمَ أَشَدَّ وَطْأَة، وَتَحْقيقِها لِسِيادَةٍ غَيْرِ مَنْقوصَةٍ وَإِنْجازاتٍ عُظْمى، بَدَلًا مِنَ النَّدْبِ وَتَعْليقِ كُلِّ فَشَلٍ عَلَيْها.

الاتِّحَادُ السّوفْياتِيّ... المارِدُ نَهَضَ مِنَ الهَزيمَةِ وَسَحَقَ النّازِيَّةَ وَحَقَّقَ انْطِلاقَةً اقتِصادِيَّةً جَبارَة

تَلَقّى الجَيْشُ السّوفْياتِيُّ في بِدايَةِ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ هَزيمَةً عَسْكَرِيَّةً ساحِقَةً مِنْ أَلمانْيا التي احْتَلَّتْ غَرْبَ روسْيا وَجُمْهورِيّاتِ الِاتِّحادِ السّوفْياتِيِّ الأوروبِّيَّة، وَوَصَلَتْ إلى أَبْوابِ المُدُنِ السّوفْياتِيَّةِ الكُبْرى الثَّلاث، أَيْ موسْكو وَسْتالينْغرادَ وَلينينْغراد. لَكِنَّ الِاتِّحادَ السّوفْياتِيَّ بِقِيادَةِ سْتالينِ احْتَشَدَ لِمُواجَهَتِها وَسَحْقِ عُدْوانِها الذي كَرَّسَ لَهُ 200 فِرْقَةٍ بِعَدَدِها البالِغِ 4 مَلايين، تُشَكِّلُ 80% مِنْ قُوّاتِها، حَيْثُ كانَتْ تُحارِبُ بَرِّيًّا في القارَّةِ الأوروبِّيَّةِ ضِدَّ الِاتِّحادِ السّوفْياتِيِّ وَحْدَهُ (روسْيا أَساسًا) لِمُدَّةِ ثَلاثَةِ أَعْوام (يونْيو 1941 - يونْيو 1944). وَبَعْدَ صُمودٍ أُسْطُورِيٍّ لِمَدِينَتَيْ لينينْغِراد (سَانْتْ بُطْرُسْبورْغ)، وَموسْكو، تَمَكَّنَ الِاتِّحادُ السّوفْياتِيُّ مِنْ سَحْقِ أَلمانْيا النّازِيَّةِ في مَعْرَكَةِ سْتالينْغراد وَأَوْقَعَ بِها مِئاتِ الآلافِ مِنَ القَتْلى وَالأَسْرى، وَسَحَقَ قُوَّتَها المُدَرَّعَةَ في أَكْبَرِ مَعْرَكَةٍ لِلدَّبّاباتِ في التّاريخِ في "كورْسْك"، بَيْنَما صَمَدَتْ لينينْغِراد بِشَكْلٍ أُسْطورِيٍّ لِحِصارٍ دامَ 872 يَوْمًا إلى أَنْ فَكَّ الجَيْشُ السّوفْياتِيُّ الحِصارَ عَنْها وَهُوَ يَجْتَاحُ القُوّاتِ الأَلمانِيَّةَ وَيوقِعُ بِها الهَزيمَةَ النِّهائِيَّة، وَيُحَرِّرُ أَراضيهِ وَأوروبّا الشَّرْقِيَّةَ كُلَّها وَالنَّمْسا.

الأمم التي تريد أن تتقدّم لا تبحث عن شمّاعة لتعلّق عليها فشل أجيالها اللاحقة

لَمْ يَسْتَسْلِمِ الِاتِّحادُ السّوفْياتِيُّ وَيوقِفِ التّاريخَ عِنْدَ الهَزيمَةِ في بِدايَةِ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ كَما يَفْعَلُ نَدّابُو هَزيمَةِ 1967، بَلِ احْتَشَدَ وَأَوْقَعَ هَزيمَةً ساحِقَةً بِأَلمانِيا النّازِيَّة، كَما شارَكَ في سَحْقِ الفاشِيَّةِ اليابانِيَّةِ وَأَسَرَ 600 أَلفٍ مِنْ قُوّاتِها التي كَانَتْ تَحْتَلُّ "كَانْتونَ" الصّينِيَّةَ، وَانْطَلَقَ في مَسيرَةِ بِناء، وَأَصْبَحَ ثانِيَ أَكْبَرِ قُوَّةٍ اقْتِصادِيَّةٍ في العالَم. وَفي الوَقْتِ الرّاهِن، وَإِذا أَخَذْنا بِحِساباتِ النّاتِجِ المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ الحَقيقِيِّ بِالدّولارِ وِفْقًا لِتَعادُلِ القُوى الشِّرائِيَّة، فَإِنَّ روسْيا وَحْدَها بِناتِجِها المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ الذي بَلَغَ 6.9 تْريلْيوناتِ دولارٍ عامَ 2024، أَصْبَحَتْ رابِعَ أَكْبَرِ قُوَّةٍ اقْتِصادِيَّةٍ في العالَمِ بَعْدَ الصِّينِ وَالوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَالهِنْدِ بِالتَّرْتيب.

فَرَنْسا مِنَ الهَزيمَةِ المُذِلَّةِ وَالخُضوعِ لِلِاحْتِلالِ إلى التَّحَوُّلِ لِقُوَّةٍ اقْتِصادِيَّةٍ عالَمِيَّة

تَعَرَّضَتْ فَرَنْسا لِهَزيمَةٍ مُذِلَّةٍ وَتَمَّ سَحْقُ جَيْشِها وَاسْتِسْلامُ بَعْضِهِ وَاحْتِلالُها كُلِّيًّا وَلَيْسَ جُزْءًا مِنْها في سِتَّةِ أَسابِيع، لَكِنَّ إِرادَةَ المُقاوَمَةِ لَدى الشَّعْبِ الفَرَنْسِيِّ وَبِخاصَّةِ القُوى الوَطَنِيَّةِ وَاليَسارِيَّة، مَكَّنَتْ فَرَنْسا، بِالتَّعاوُنِ مَعَ بَريطانِيا وَالوِلاياتِ المُتَّحِدَة، مِنِ اسْتِغْلالِ انْهِيارِ الجُيوشِ الأَلمانِيَّةِ أَمامَ الِاتِّحادِ السّوفْياتِيّ، لِلدُّخولِ في الحَرْبِ البَرِّيَّةِ وَتَحْريرِ فَرَنْسا. وَلَمْ يَتَوَقَّفِ الفَرَنْسِيّونَ عِنْدَ لَحْظَةِ الهَزيمَةِ المُذِلَّة، بَل أَعادوا بِناءَ وَطَنِهِمْ بَعْدَ تَحْريرِهِ وَلَمْ يُعَلِّقوا أَيَّ كارِثَةٍ أَوْ فَشَلٍ أَوْ سوءِ أَداءٍ على هَزيمَةٍ انْتَهَتْ وَتَمَّ تَجاوُزُها، وَأَصْبَحَتْ فَرَنْسا بِناتِجِها المَحَلِّيِّ الإِجْمالِيِّ الذي بَلَغَ 4.3 تْريلْيوناتِ دولارٍ عامَ 2024، وِفْقًا لِتَعادُلِ القُوى الشِّرائِيَّة، ثانِيَ أَهَمِّ قُوَّةٍ اقْتِصادِيَّةٍ في الِاتِّحادِ الأوروبِّيِّ بَعْدَ أَلمانْيا، وَسابِعَ أَكْبَرِ قُوَّةٍ اقْتِصادِيَّةٍ في العالَم، على عَكْسِ ما يَفْعَلُ نَدّابو كارِثَةِ 1967 مِنْ تَعْليقِ كُلِّ فَشَلٍ لاحِقٍ عَلَيْها، وَهُوَ غَرَضٌ فاسِدٌ لَدى مُعارِضي عَبْدِ الناصِرِ وَنَموذَجِهِ لِلتَّنْمِيَةِ المُسْتَقِلَّةِ وَالعَدالَةِ الِاجْتِماعِيَّةِ وَالِاسْتِقْلالِ الوَطَنِيِّ وَالوَحْدَةِ العَرَبِيَّة.

مِنْ رُكامِ الهَزِيمَةِ إلى فَوْرَةِ النُّهوضِ الِاقْتِصادِيِّ في اليابانِ وألمانيا

تَعَرَّضَتْ أَلمانْيا وَاليابانُ لِهَزيمَةٍ ساحِقَةٍ في نِهايَةِ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثَّانِيَة، وَخَضَعَتا لِاحْتِلالِ المُنْتَصِرينَ في الحَرْب، لَكِنَّهُما نَهَضَتا مِنْ رُكامِ الهَزيمَةِ لِتَبْنِيا نَفْسَيْهِما مِنْ جَديد، وَلِتَتَحَوَّلا إلى قُوَّتَيْنِ عُظْمَيَيْنِ في مَجالِ الِاقْتِصاد. فَاليابانُ بِناتِجِها الذي بَلَغ، وِفْقًا لِتَعادُلِ القُوى الشِّرائِيَّة، 6.6 تْريلْيوناتِ دولارٍ عامَ 2024، هِيَ خامِسُ أَكْبَرِ قُوَّةٍ اقْتِصادِيَّةٍ في العالَم، تَليها أَلمانْيا بِناتِجِها الذي بَلَغَ 6 تْريلْيوناتِ دولارٍ في العامِ نَفْسِه. أَيْ إِنَّ الدَّوْلَتَيْنِ لَمْ تَتَوَقَّفا لِلنَّدْبِ على هَزيمَتِهِما السّاحِقَةِ في خِتامِ الحَرْبِ العالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ لِتَعْليقِ أَيِّ فَشَلٍ لاحِقٍ عَلَيْها، بَلِ انْطَلَقَتا لِتَحْقيقِ قَفَزاتٍ اقْتِصادِيَّةٍ عُظْمى بِالعِلْمِ وَالعَمَلِ وَالتَّخْطيط، وَبِالتَّأْكيدِ على أَنَّ أَيَّ نَجاحٍ أَوْ فَشَلٍ مَرْهونٌ بِكَفاءَةِ وَإِرادَةِ وَنَزاهَةِ الأَجْيالِ الجَديدَةِ مِنَ الِاقْتِصادِيِّينَ وَالسّاسَة، وَهَكَذا هِيَ الأُمَمُ التي تُريدُ أَنْ تَتَقَدَّمَ وَلا تَبْحَثُ عَنْ شَمّاعَةٍ لِتُعَلِّقَ عَلَيْها فَشَلَ أَجْيالِها اللّاحِقَةِ مِنَ الِاقْتِصادِيّينَ وَالسّاسَة.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن