تَزْدانُ المَكْتَبَةُ العَرَبِيَّةُ بِالعَديدِ مِنَ المُؤلَّفاتِ التي تُعْنى بِرَصْدِ مُصْطَلَحاتِ أَكْثَرَ مِن عِلْمٍ وَمَجالٍ مَعْرِفِيٍّ مُخْتَلِف، وَهُوَ مَجالٌ مُتَقَدِّمٌ في تَرْتيبِ العُلومِ وَمُصْطَلَحاتِها في مَعاجِمَ مُتَخَصِّصَةٍ تَكادُ تَكونُ مَوْسوعَةً مُصَغَّرَة، عَبْرَ تَبْويبِ كُلِّ عِلْمٍ وَشَرْحِ المُصْطَلَحاتِ المُسْتَخدَمَةِ فيه، لِيَكونَ مَنارَةً لِلباحِثينَ في سَبيلِ مَعْرِفَةِ المُصْطَلَحات، أَيْ أَدَواتِ كُلِّ عِلْمٍ، فَالمُصْطَلَحُ هُوَ أَداةُ البَحْثِ وَلُغَةُ العِلْمِ وَ"الشِّفْرَة" التي يَتَحَدَّثُ بِها أَهْلُ التَّخَصُّصِ في ما بَينَهُم، وَيَكْشِفُ تَطَوُّرُ كُتُبِ المُصْطَلَحاتِ عِنْدَ العَرَبِ عَن تَطَوُّرِ العِلْمِ عِنْدَهُم، لِأَنَّ هذِهِ الكُتُبَ تَكْشِفُ ما أَخَذوهُ مِنَ الحَضاراتِ السّابِقَةِ وَكَيفَ بَنَوْا عَلَيْهِ صَرْحَ الحَضارَةِ العَرَبِيَّةِ الشّامِخ.
وَيَأْتي في مُقَدِّمَتِها كِتابُ "إحصاءِ العُلومِ" لِلفارابِي (ت 339هـ/ 950م)، الذي حاوَلَ فيه أَن يُحْصِيَ العُلومَ المَعْروفَةَ في زَمَنِه، أَيْ في ذُرْوَةِ عَطاءِ الحَضارَةِ العَرَبِيَّةِ الإِسلامِيَّةِ وَقِمَّةِ نُضْجِها المَعْرِفِيّ، وَإِنِ اكْتَفى بِالتَّعْريفِ الموجَزِ وَالمُقتَضَبِ لَها. وَعَنِ الفارابِيّ وَكِتابِهِ يَقولُ صاعِد الأَندَلُسِي في "طَبَقاتِ الأُمَم": "وَلَهُ كِتابٌ لَم يُسْبَق إِلَيه، وَلا ذَهَبَ أَحَدٌ مَذهَبَهُ فيه، وَلا يَسْتَغْني طُلّابُ العُلومِ كُلُّها عَنِ الِاهتِداءِ بِه، وَتَقْديمِ النَّظَرِ فيه".
الحضارة العربية قدّمت إسهامات أصيلة في مختلف العلوم
وَيُعَدُّ كِتابُ "مَفاتيحِ العُلومِ" لِلخوارِزْمِي (ت 387هـ/ 998م) أَحَدَ أَهَمِّ الكُتُبِ في هَذا المَجال، فَقَد جَعَلَ كِتابَهُ مَقالَتَيْن: أولاهُما عَن عُلومِ الشَّريعَةِ وَما يَقْتَرِنُ بِها مِنَ العُلومِ العَرَبِيَّة، وَالثّانِيَةُ عَن عُلومِ العَجَمِ مِنَ اليُونانِيِّينَ وَغَيرِها مِنَ الأُمَم، وَتَضُمُّ كُلُّ مَقالَةٍ أَبْوابًا جامِعَةً عِدَّةً لِعُلومِها. وَيَقولُ إِنَّهُ يَهْدِفُ مِن كِتابِهِ أَن "يَكونَ جامِعًا لِمَفاتيحِ العُلومِ وَأَوائِلِ الصِّناعات، مُضَمَّنًا ما بَيْنَ كُلِّ طَبَقَةٍ مِنَ العُلَماءِ مِنَ المُواضَعاتِ وَالِاصطِلاحات، التي خَلَتْ مِنْها أَو مِن جُلِّها الكُتُبُ الحاضِرَةُ لِعِلْمِ اللُّغَة، حَتّى أنَّ اللُّغَوِيَّ المُبرزَ في الأَدَبِ إِذا تَأَمَّلَ كِتابًا مِنَ الكُتُبِ التي صُنِّفَت في أَبْوابِ العُلومِ وَالحِكمَة، وَلَم يَكُن شَدا صَدْرًا مِن تِلكَ الصِّناعَة، لَم يَفْهَم شَيئًا مِنْه، وَكانَ كَالأُمِّيِّ الأَغْتَمِّ عِنْدَ نَظَرِهِ فيه"، وَقَد وَصَفَهُ المَقريزِيُّ (ت 845هـ/ 1442م) في "المَواعِظِ وَالِاعتِبار" بِـ"كِتابٍ جَليلِ القَدْر".
وَيَقولُ الدُّكتورُ مُحَمَّد حَسَن عَبدِ العَزيز، المُتَخَصِّصُ في دِراسَةِ عِلْمِ المُصْطَلَحِ عِنْدَ العَرَب، في إِطارِ مُقارَنَتِهِ بَيْنَ الكِتابَيْنِ وَيَضُمُّ لَهُما كِتابَ "الفِهْرِستِ" لِلنَّديم، إِنَّ الكُتُبَ الثَّلاثَةَ تَنْتَمي إلى القَرْنِ الرّابِعِ الهِجْرِيِّ/العاشِرِ الميلادِيّ، وَهِيَ تَدورُ حَوْلَ مَوْضوعِ إِحْصاءِ العُلومِ وَعَدِّها، فَالفارابِيّ رَكَّزَ على إِحْصاءِ العُلومِ وَتَحْديدِ مَوْضوعِ كُلِّ عِلْمٍ وَالغايَةِ مِن تَعَلُّمِه. أَمّا الخوارِزْمِيُّ فَيُحْصي العُلومَ وَيُحَدِّدُ مُصْطَلَحاتِها، وَيُبَيِّنُ حُدودَ كُلِّ مُصْطَلَح، في حينِ يُرَكِّزُ النَّديمُ على إِحْصاءِ العُلومِ وَيُبَيِّنُ ما تُرْجِمَ مِنها وَما أُلِّفَ فيها، وَيَتَحَدَّثُ عَن أَخْبارِ مُصَنِّفِيها وَطَبَقاتِهِم.
وَمِنْ هَذِهِ الكُتُبِ الثَّلاثَةِ ظَهَرَت سِلْسِلَةٌ مِنَ الكُتُبِ التي بَنَتْ على هَذِهِ الحَصيلَةِ التي يُمْكِنُ أَن نَقولَ إِنَّها تَفَرَّعَتْ بَيْنَ الكُتُبِ المُهْتَمَّةِ بِاصْطِلاحاتِ العُلومِ وَبَيْنَ تِلْكَ المُهْتَمَّةِ بِحَصْرِ الكُتُبِ المُؤَلَّفَةِ في فَرْعٍ مَعْرِفِيٍّ بِعَيْنِه، فَمِنَ المَجْموعَةِ الأولى نَجِدُ كُتُبَ "التَّعْريفاتِ" لِلجُرْجانِي (ت 816هـ/ 1413م)، وَ"كَشّافِ اصْطِلاحاتِ الفُنونِ وَالعُلومِ" لِلتَّهانَوِي (ت بَعْدَ 1158هـ/ 1745م)، وَ"جامِعِ العُلومِ في اصْطِلاحاتِ الفُنونِ" لِعَبْدِ النَّبِيِّ بنِ عَبدِ الرَّسولِ الأَحمَدِ نُكرِيِّ (ت بَعدَ 1183هـ/ 1770م)، بَينَما ظَهَرَتِ الكُتُبُ التي تَسيرُ على مِنْهاجِ "الفِهْرِسْت" في تَعَدُّدِ مُصْطَلَحاتِ العِلْمِ وَالكُتُبِ المُؤلَّفَةِ فيه، مِثْلَ "كَشْفِ الظُّنونِ عَن أَسامي الكُتُبِ وَالفُنُون".
العربية كانت لغة العلم تُكتب مصطلحاته بها
تَكْشِفُ كُتُبُ المُصْطَلَحاتِ عَن نَفَسٍ عِلْمِيٍّ إِبدْاعِيّ، وَقُدْرَةٍ على التَّعَمُّقِ في العُلومِ المُخْتَلِفَةِ وَمَعْرِفَةِ دَقيقِها، وَالعَمَلِ على تَنْظيمِ مادَّةٍ عِلمِيَّةٍ بِدِقَّةٍ وَالكَشفِ عَن مُصْطَلَحاتِ كُلِّ عِلْم، وَهِيَ قُدرَةٌ تَعْكِس، ضِمْنَ ما تَعْكِس، القُدْرَةَ على الِانْدِماجِ الحَضارِيِّ في سِياقِ المَسارِ الإِنسانِيّ، فَالحَضارَةُ العَرَبِيَّةُ التي استَفادَت مِن مُنْجَزِ الحَضاراتِ السّابِقَةِ قَدَّمَت إِسْهاماتٍ أَصيلَةً في مُخْتَلِفِ العُلومِ ظَهَرَت بِوُضوحٍ في كُتُبِ المُصْطَلَحات، فَضْلًا عَنْ قُدْرَةٍ على تَرْجَمَةِ المُصْطَلَحاتِ غَيْرِ العَرَبِيَّةِ إلى العَرَبِيَّةِ بِنَفَسٍ إِبْداعِيٍّ يَكْشِفُ عَن حَقيقَةٍ واقِعِيَّةٍ يَتَجاهَلُها البَعْض، وَهِيَ أَنَّ العِلْمَ قائِمٌ على التَّفاعُل، وَأَنَّ العَرَبِيَّةَ لُغَةٌ قادِرَةٌ على أَداءِ الرِّسالَةِ العِلْمِيَّةِ إِذا ما رَغِبَ أَهْلُها في ذلِك، فَهِيَ تَمْتَلِكُ تَجْرِبَةً تاريخِيَّةً كانَت فيها لُغَةُ العِلْمِ تُكْتَبُ مُصْطَلَحاتُهُ بِها.
(خاص "عروبة 22")

