حَذَّرَتْ وِزارَةُ الصِّحَّةِ الفِلَسْطينِيَّةُ مِنْ أَنَّ حَياةَ أَكْثَرَ مِنْ 4 آلافِ "مَريضِ سَرَطان" مُهَدَّدَةٌ بِسَبَبِ نَقْصِ الأَدْوِيَة، موضِحَةً أَنَّ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ الأَصْنافِ الدَّوائِيَّةِ المَوْجودَةِ في قائِمَةِ الأَدْوِيَةِ الأَساسِيَّةِ باتَ رَصيدُها صِفْرًا في مُسْتَوْدَعاتِ الوِزارَة.
وَبَلَغَ عَدَدُ الأَصْنافِ الدَّوائِيَّةِ مِنْ قائِمَةِ الأَدْوِيَةِ الأَساسِيَّةِ التي وَصَلَ رَصيدُها إلى الصِّفْرِ نَحْوَ 180 صِنْفًا مِنْ أَصْلِ 520 صِنْفًا أَساسِيًّا تُوَفِّرُها وِزارَةُ الصِّحَّة، أَمّا في ما يَخُصُّ أَدْوِيَةَ الأَوْرام، فَقَدْ وَصَلَ عَدَدُ الأَصْنافِ التي سَجَّلَتْ رَصيدًا صِفْرِيًّا إلى 50 صِنْفًا مِنْ أَصْلِ 97 تُوَفِّرُها الوِزارَة.
وَتُشيرُ بَياناتُ مُسْتَوْدَعاتِ المَوادِّ المِخْبَرِيَّةِ إلى ارْتِفاعِ عَدَدِ الأَصْنافِ الدوائيَّةِ الحَرِجَةِ والأَرْصِدَةِ الصِّفْرِيَّة، وإلى وُجودِ فَجْوَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ بَيْنَ التَّوْريدِ والِاسْتِهْلاك. وَقَدْ بَلَغَ عَدَدُ الأَصْنافِ المِخْبَرِيَّةِ التي سَجَّلَتْ رَصيدًا صِفْرِيًّا 79 صِنْفًا تُوَفِّرُها وِزارَةُ الصِّحَّةِ، كَما أَنَّ 265 مُسْتَهْلَكًا طِبِّيًّا تَخَصُّصِيًّا وَصَلَ رَصيدُها إلى صِفْر، مِنْ مُجْمَلِ الأَصْناف.
وَفي المُقابِل، ارْتَفَعَ عَدَدُ العَمَلِيّاتِ الجِراحِيَّةِ المُبَرْمَجَةِ التي أُجِّلَتْ وَلَمْ يَتِمَّ إِجْراؤُها، بِسَبَبِ نَقْصِ المُسْتَهْلَكاتِ والإِضْراب، إلى أَكْثَرَ مِنْ 11 أَلْفِ عَمَلِيَّةٍ نَتيجَةَ النَّقْصِ المُتَزايِدِ في المُسْتَلْزَماتِ الطِّبِّيَّةِ والخُيوطِ الجِراحِيَّةِ والمَوادِّ اللازِمَةِ لِلعَمَلِيّات.
وَتوضِحُ بَياناتُ وِزارَةِ الصِّحَّةِ إلى أَنَّ الأَزْمَةَ المالِيَّةَ أَدَّتْ إلى ضَعْفِ قُدْرَةِ الحُكومَةِ على سَدادِ مُسْتَحَقّاتِ شَرِكاتِ الأَدْوِيَة، نَتيجَةَ احْتِجازِ الِاحْتِلالِ لِعائِداتِ الضَّرائِبِ الفِلَسْطينِيَّة (أَمْوالِ المُقاصَّة) بِشَكْلٍ كامِلٍ مُنْذُ 15 شَهْرًا، والتي تُشَكِّلُ حَوالَيْ 68% مِنْ إِيراداتِ وِزارَةِ المالِيَّة، مِمّا تَسَبَّبَ في تَباطُؤٍ أَوْ تَوَقُّفِ تَوْريدِ الأَدْوِيَة، وحُصولِ نَقْصٍ حَادٍّ في أَدْوِيَةِ الأَمْراضِ المُزْمِنَةِ والسَّرَطانِ والعِنايَةِ المُكَثَّفَة، واخْتِلالٍ في التَّوازُنِ الِاسْتراتيجِيِّ لِمَخْزونِ الأَدْوِيَة.
مِنْ جانِبِهِ، حَذَّرَ رَئيسُ جَمْعِيَّةِ الإِغاثَةِ الطِّبِّيَّةِ الفِلَسْطِينِيَّة، الدُّكْتور مُصْطَفى البَرْغوثي، في حَديثٍ لِـ"عُروبَة 22"، مِنْ أَنَّ القِطاعَ الصِّحِّيَّ الفِلَسْطينِيَّ يُواجِهُ خَطَرًا مُتَصاعِدًا يُهَدِّدُ قُدْرَتَهُ على الِاسْتِمْرارِ في تَقْديمِ الخِدْماتِ الصِّحِّيَّة، نَتيجَةَ السِّياساتِ الإِسْرائيلِيَّةِ التي تَسْتَهْدِفُ المَنْظومَةَ الصِّحِّيَّة، إلى جانِبِ الأَزْمَةِ المالِيَّةِ الخانِقَةِ التي تُعاني مِنْها السُّلطَةُ الفِلَسْطينِيَّة.
وَأَوْضَحَ البَرْغوثي أَنَّ إِسْرائيلَ صادَرَتْ ما يُقارِبُ 6 مِلْياراتِ دولارٍ مِنْ أَمْوالِ المُقاصَّةِ الفِلَسْطينِيَّة، وَهِيَ أَمْوالُ ضَرائِبَ يَدْفَعُها الفِلَسْطينِيّونَ وَتُشَكِّلُ نَحْوَ 70% مِنْ إِيراداتِ السُّلْطَةِ الفِلَسْطينِيَّة، الأَمْرُ الذي أَدّى إلى عَجْزٍ مالِيٍّ كَبيرٍ انْعَكَسَ بِصورَةٍ مُباشِرَةٍ على القِطاعِ الصِّحِّيّ.
وَلَفَتَ إلى أَنَّ السُّلْطَةَ الفِلَسْطينِيَّةَ اضْطُرَّتْ إلى تَقْليصِ الخِدْماتِ الصِّحِّيَّةِ وَتَقْليلِ ساعاتِ الدَّوام، إِضافَةً إلى عَدَمِ قُدْرَتِها على تَوْفيرِ العَديدِ مِنَ الأَدْوِيَةِ الأَساسِيَّة، وَلا سِيَّما أَدْوِيَةُ مَرْضى السَّرَطانِ مُرْتَفِعَةُ الثَّمَن، الأَمْرُ الذي أَدّى إلى وَفاةِ عَدَدٍ مِنَ المَرْضى نَتيجَةَ عَدَمِ تَمَكُّنِهِمْ مِنَ الحُصولِ على العِلاجِ اللّازِم.
كما كَشَفَ أَنَّ الدُّيونَ المُتَراكِمَةَ على الحُكومَةِ الفِلَسْطينِيَّةِ لِصالِحِ شَرِكاتِ الأَدْوِيَةِ بَلَغَتْ نَحْوَ 50 مِلْيارَ شيكِل، وَهُوَ ما يَزيدُ مِنْ تَعْقيدِ الأَزْمَةِ وَيُهَدِّدُ اسْتِمْرارِيَّةَ تَزْويدِ المُسْتَشْفَياتِ والمَراكِزِ الصِّحِّيَّةِ بِالأَدْوِيَةِ والمُسْتَلْزَماتِ الطِّبِّيَّة.
كَذلك لَفَتَ البَرغوثي إِلى أَنَّ العَديدَ مِنَ المُؤَسَّساتِ الإِنْسانِيَّةِ الدَّوْلِيَّة، وَمِنْها مُنَظَّماتٌ إِغاثِيَّةٌ مِثْلُ "أوكْسْفام"، تَتَعَرَّضُ لِضُغوطٍ وَإِجْراءاتٍ إِسْرائيلِيَّةٍ تُجْبِرُها على مُغادَرَةِ الأَراضي الفِلَسْطينِيَّةِ أَوْ تُعيقُ عَمَلَها بِذَريعَةِ عَدَمِ تَسْجيلِها لَدى السُّلُطاتِ الإِسْرائيلِيَّة، إِلى جانِبِ القُيودِ المَفْروضَةِ على حَرَكَةِ المُؤَسَّساتِ الأَهْلِيَّةِ وَفِرَقِ الإِسْعافِ والإِغاثَةِ عَبْرَ أَكْثَرَ مِنْ 1.400 حاجِزٍ عَسْكَرِيٍّ تَنْتَشِرُ في الضِّفَّةِ الغَرْبِيَّة، فَضْلًا عَنِ الِاعْتِداءاتِ المُتَكَرِّرَةِ التي يَتَعَرَّضُ لَها العامِلونَ في المَجالِ الصِّحِّيِّ مِنْ قِبَلِ المُسْتَوْطِنين.
وَنَبَّهَ البَرغوثي إِلى أَنَّ الِاحْتِلالَ يُواصِلُ عَزْلَ مَدينَةِ القُدْسِ عَنْ مُحيطِها الفِلَسْطينِيّ، مِنْ خِلالِ مَنْعِ سُكّانِ الضِّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ مِنَ الوُصولِ إِلى مُسْتَشْفَياتِها الرَّئيسِيَّة، مِثْلَ مُسْتَشْفَياتِ المَقاصِدِ والفَرَنْسِيِّ والعُيون، ما يَحْرِمُ آلافَ المَرْضى مِنْ تَلَقّي العِلاجِ التَّخَصُّصِيّ.
وفيما يَتَعَلَّقُ بِقِطاعِ غَزَّة، أَكَّدَ البَرغوثي أَنَّ الِاحْتِلالَ يَسْعى إِلى تَقْويضِ عَمَلِ "وَكالَةِ غَوْثِ وَتَشْغيلِ اللّاجِئينَ الفِلَسْطينِيّينَ" (أونرْوا)، على الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ نَحْوَ 70% مِنْ سُكّانِ القِطاعِ يَعْتَمِدونَ على خِدْماتِها، مُحَذِّرًا مِنْ أَنْ اسْتِهْدافَ الوَكالَةِ سَيُؤَدّي إِلى كارِثَةٍ إِنْسانِيَّةٍ وَصِحِّيَّةٍ غَيْرِ مَسْبوقَة. ووَصَفَ الوَضْعَ الصِّحِّيَّ في القِطاعِ بِأَنَّهُ الأَكْثَرُ خُطورَةً، موضِحًا أَنَّ هُناكَ نَحْوَ 20 أَلْفَ جَريحٍ يَحْتاجونَ إِلى العِلاج، بَيْنَما تَمْنَعُ إِسْرائيلُ أَعْدادًا كَبيرَةً مِنْهُمْ مِنَ السَّفَرِ لِتَلَقّي العِلاجِ خارِجَ القِطاع، كَما تُواصِلُ مَنْعَ دُخولِ الأَجْهِزَةِ الطِّبِّيَّةِ والأَدْوِيَةِ والمُسْتَلْزَماتِ الصِّحِّيَّة.

وَأَضافَ أَنَّ الدَّمارَ الواسِعَ الذي لَحِقَ بِالبُنْيَةِ التَّحْتِيَّةِ والبيئَةِ في قِطاعِ غَزَّةَ تَسَبَّبَ في انْتِشارِ الأَمْراض، كاشفًا في هذا السياق عن تَسْجيلِ نَحْوَ 76 أَلْفَ إِصابَةٍ بِالتِهابِ الكَبِد، إِلى جانِبِ ارْتِفاعِ مُعَدَّلاتِ الإِصابَةِ بِالأَمْراضِ الجِلْدِيَّةِ وَأَمْراضِ الجِهازِ التَّنَفُّسِيِّ نَتيجَةَ التَّلَوُّثِ وانْهِيارِ شَبَكاتِ المِياهِ والصَّرْفِ الصِّحِّيّ.
وَأَكَّدَ البَرغوثي أَنَّ الأَزْمَةَ الصِّحِّيَّةَ لا تَرْتَبِطُ فَقَطْ بِالإِجْراءاتِ الإِسْرائيلِيَّة، وَإِنَّما تَتَفاقَمُ أَيْضًا بِسَبَبِ عَوامِلَ مَحَلِّيَّة، أَبْرَزُها سوءُ تَوْزيعِ المَوارِدِ العامَّة، موضِحًا أَنَّ الإِنْفاقَ على القِطاعِ الصِّحِّيِّ لا يَتَجاوَزُ 11% مِنَ المُوازَنَةِ العامَّة، مُقابِلَ نَحْوَ 35% تُخَصَّصُ لِقِطاعِ الأَمْن، مُعْتَبِرًا أَنَّ هَذا التَّوْزيعَ لا يَنْسَجِمُ مَعَ أَوْلَوِيّاتِ المَرْحَلَة، سِيَّما وَأَنَّ الِاسْتِثْمارَ في الصِّحَّةِ يُمَثِّلُ أَحَدَ أَهَمِّ عَناصِرِ صُمودِ الشَّعْبِ الفِلَسْطينِيِّ وَتَعْزيزِ بَقائِهِ في أَرْضِه.
وَخَتَمَ البَرغوثي بِدَعوَةِ المُجْتَمَعَ الدَّوْلِيَّ إِلى التَّحَرُّكِ العاجِلِ لِحِمايَةِ النِّظامِ الصِّحِّيِّ الفِلَسْطينِيّ، والضَّغْطِ على إِسْرائيلَ لِوَقْفِ الإِجْراءاتِ التي تَسْتَهْدِفُ الخِدْماتِ الصِّحِّيَّةَ المُقَدَّمَةَ للفلسطينين، والإِفْراجِ عَنْ أَمْوالِ المُقاصَّة، وَضَمانِ وُصولِ الأَدْوِيَةِ والمُعَدّاتِ الطِّبِّيَّةِ وَحُرِّيَّةِ حَرَكَةِ المَرْضى والطَّواقِمِ الطِّبِّيَّة، بِما يَتَوافَقُ مَعَ قَواعِدِ القانونِ الدَّوْلِيِّ الإِنْسانِيّ.
بِدَوْرِه، قالَ أَمينُ سِرِّ مَجْلِسِ نَقابَةِ الأَطِبّاءِ في فِلَسْطين، الدكتور باسِل بَواطْنَة، لِـ"عُروبَة 22"، إِنَّ نَقْصَ الأَدْوِيَة، خاصَّةً لِأَصْحابِ الأَمْراضِ المُزْمِنَة، تَسَبَّبَ بِانْتِكاسَةٍ لَدى بَعْضِ المَرْضَى، وَرَفَعَ مِنْ نِسْبَةِ إِدْخالِ المَرْضى إِلى المُسْتَشْفَيات، مِمّا زادَ مِنَ الضَّغْطِ على المُسْتَشْفَياتِ والطاقَمِ الطِّبِّيِّ فيها.
وَأَوْضَحَ أَنَّ نَقْصَ الأَدْوِيَةِ يَحُدُّ مِنْ عَمَلِ الطَّبيبِ أَيْضًا، في إِنْقاذِ حَياةِ المَرْضى، وَيَتَسَبَّبُ لَهُ بِالإِحْباط، خصوصًا عِنْدَما يَضَعُ خُطَّةَ عِلاجٍ لِمَريضٍ مُصابٍ بِمَرَضٍ بِيولوجِيٍّ أَوْ مَرَضٍ مُزْمِن، ثُمَّ يَنْقَطِعُ الدَّواء، فَيُضْطَرُّ الطَّبيبُ لِلعَوْدَةِ في العِلاجِ إلى النقطة صِّفْر!.
(خاص "عروبة 22")

