العرب وطموح الوحدة

عَنِ الآمالِ التي رافَقَت "الأمينَ العام"!

أَخْشى أَنْ تَكونَ الآمالُ العَريضَةُ التي رافَقَت اخْتِيارَ نَبيل فَهْمي، أَمينًا عامًّا لِجامِعَةِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّة، قَدْ تَبَدَّدَتْ في الأُسْبوعِ الأَوَّلِ مِنْ وُجودِهِ في مَكْتَبِه، أَوْ على الأَقَلِّ تَبَدَّدَ جُزْءٌ لا بَأْسَ بِهِ مِنْها. أَسارِعُ فَأَقولُ إِنَّ الأَمْرَ لا عَلاقَةَ لَهُ بِالرَّجُل، فَهُوَ على حَدِّ تَعْبيرِ الشّاعِرِ القَديمِ قَدْ صَحَّ مِنْهُ العَزْمُ لَكِنَّ الدَّهْرَ أَبى. ذَلِكَ أَنَّ الأَمينَ العامَّ الجَديدَ جاءَ إلى مَنْصِبِهِ بِآمالٍ عَريضَةٍ عِنْدَه، ثُمَّ لَدى كُلِّ مُواطِنٍ عَرَبِيّ، وَلَكِنَّهُ ما كادَ يَتَسَلَّمُ مَهامَّ مَنْصِبِهِ في الأَوَّلِ مِنْ هَذا الشَّهْر، حَتّى وَجَدَ أَنَّهُ واقِفٌ أَمامَ اخْتِبارٍ صَعْبٍ لَمْ يَتَحَسَّبْ لَه، وَلَمْ يَتَوَقَّعْ أَنْ يُفَاجِئَهُ هَكَذا في السّاعاتِ الأولى لَهُ في مَقَرِّ الأَمانَةِ العامَّةِ بِمَوْقِعِها في مَيْدَانِ التَّحْرير.

عَنِ الآمالِ التي رافَقَت

القِصَّةُ أَنَّ فَهْمي لَمّا فَكَّرَ في خُطْوَةٍ أولى لَهُ في مَوْقِعِه، لَمْ يَجِدْ أَفْضَلَ مِنْ أَنْ تَكونَ هَذِهِ الخُطْوَةُ في اتِّجاهِ الضَّفَّةِ الغَرْبِيَّة، وَعلى وَجْهِ التَّحْديدِ في اتِّجاهِ رام اللَّه حَيْثُ السُّلْطَةُ الفِلَسْطينِيَّة، وَحَيْثُ يُقيمُ وَيَعْمَلُ الرَّئيسُ مَحْمود عَبّاس.

وَيَبْدو أَنَّ الأَمينَ العامَّ كانَ يَشْعُرُ بِأَنَّ عَقَباتٍ يُمْكِنُ أَنْ تَقِفَ في طَريقِ ذَهابِهِ إلى وِجْهَتِهِ الأولى أَمينًا عامًّا جَديدًا، فَآثَرَ أَلّا يُعْلِنَ عَمّا يَنْوي أَنْ يَفْعَلَه، وَأَدارَ الفِكْرَةَ في ذِهْنِهِ ثُمَّ في مَكْتَبِهِ بِهُدوء، فَبَدا وَكَأَنَّهُ يَقْتَدي في ذَلِكَ بِالرَّسولِ الأَكْرَمِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلام.

فَمِمّا نُطالِعُهُ في سيرَةِ النَّبِيِّ أَنَّهُ كانَ إِذا أَرادَ شَيْئًا وَرَّى بِغَيْرِه، أَيْ أَظْهَرَ عَكْسَ ما يُريدُ أَنْ يَفْعَل، وَكانَ هَذا بِالطَّبْعِ مَعَ العَدُوِّ في المَعارِكِ والغَزَوات. وَكانَ القَصْدُ أَنْ نَعْرِفَ أَنَّ الحَرْبَ خِدْعَة، وَأَنَّ نَجاحَ مَعْرَكَتِنَا مَعَ العَدُوِّ يَقْتَضي ذَلِكَ مِنّا وَيَدْعونا إِلَيْه.

المشكلة أنّ نبأ رفض إتمام زيارة فهمي إلى رام الله مَرّ عابرًا على المستوى العربي

والمَعْرَكَةُ التي بَيْنَنَا كَعَرَبٍ وَبَيْنَ إِسْرائيلَ تَسْتَدْعي ذَلِكَ وَأَكْثَر، وَرُبَّما كانَ هَذا هُوَ ما دَعا الأَمينَ العامَّ إلى أَنْ يُخْفي عَزْمَهُ على أَنْ تَكونَ السُّلْطَةُ الفِلَسْطينِيَّةُ في رام اللَّه هِيَ وِجْهَتَهُ الأولى، وأَنْ يَزورَ الفِلَسْطينِيّينَ هُناكَ أَوَّلَ ما يَزور، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ أَنْ تَكونَ إِسْرائيلُ لِرَغْبَتِهِ بِالمِرْصاد، فَتَقِفَ في طَريقِ رَغْبَتِهِ وَتَمْنَعَ زِيارَتَه!.

كانَ هَذا هُوَ ما فَهِمَهُ عِنْدَما أَبْلَغَتْهُ السُّلْطَةُ الفِلَسْطينِيَّةُ بِأَنَّ سُلْطَةَ الِاحْتِلالِ رَفَضَتِ السَّماحَ بِإِتْمامِ الزِّيارَة، وَبِأَنَّها أَبْلَغَتِ السُّلْطَةَ بِذَلِكَ صَراحَة!.

لا بُدَّ أَنَّ عَرَبًا كَثيرينَ قَدْ آلَمَهُمْ ما سَمِعوا بِهِ في شَأْنِ الزِيارَةِ المَوْءودَة، فَلَقَدْ كانَ هَؤُلاءِ العَرَبُ الكَثيرونَ المُتَأَلِّمونَ يَتَصَوَّرونَ أَنَّ وُجودَ "أبو مازِن" في رام اللَّه يُتيحُ لَهُ اسْتِقْبالَ مَنْ يُحِبُّ وَيَشاء... أَلَيْسَتِ الأَرْضُ التي يُقيمُ فيها هُوَ وَسُلْطَتُهُ وَشَعْبُ الضَّفَّةِ أَرْضًا فِلَسْطينِيَّة؟... هَكَذا يَتَصَوَّرُ أَصْحابُ النَّوايا الحَسَنَةِ بَيْنَنا، فَإِذا بِهِمْ يَسْتَيْقِظونَ على الحَقيقَةِ المُرَّةِ التي كَشَفَ عَنْها نَبَأُ رَفْضِ الزِّيارَة!.

المُشْكِلَةُ لَمْ تَكُنْ في رَفْضِ الزِّيارَةِ في حَدِّ ذاتِه، فَرَفْضُها مُتَوَقَّعٌ في النِّهايَةِ بِحُكْمِ أَنَّ سُلْطَةَ الِاحْتِلالِ تَتَحَكَّمُ في مَخارِجِ وَمَداخِلِ الضَّفَّة، وَبِحُكْمِ أَنَّها تَجْعَلُ مِنَ الضَّفَّةِ على اتِّساعِها سِجْنًا مُمْتَدًّا فَسيحًا، إِذا جازَ لِلسِّجْنِ أَنْ يوصَفَ بِأَنَّهُ فَسيح، وَإِنَّما المُشْكِلَةُ أَنَّ نَبَأَ رَفْضِ إِتْمامِ الزِّيارَةِ مَرَّ عابِرًا على المُسْتَوى العَرَبِيِّ كُلِّه، بَل إِنَّ نَشْرَهُ كانَ في مِساحاتٍ ضَيِّقَةٍ لا يَكادُ يَراها المُتابِعُ لِلشَّأْنِ العام!.

وَإِذا كانَتْ حُكومَةُ التَّطَرُّفِ في تَلِّ أَبيبَ قَدِ اتَّخَذَتْ هَذا المَوْقِفَ المُتَعَسِّفَ تُجاهَ الزِّيارَة، فَهِيَ تَعْرِفُ ماذا تَفْعَل، وَهِيَ تَعْرِفُ أَنَّ تَعَسُّفَها لَيْسَ ضِدَّ الأَمينِ العامِّ كَشَخْص، وَلا حَتّى ضِدَّهُ كَصَاحِبِ المَنْصِبِ الأَعْلى في جامِعَةِ الدُّوَل، وَلَكِنَّ تَعَسُّفَها هُوَ مَعَ العَرَبِ جَميعًا في الحَقيقَة، لِأَنَّ الجامِعَةَ هِيَ الوِعاءُ الجامِعُ لِلعَرَب، وَلِأَنَّها لا تَزالُ توصَفُ بِأَنَّها بَيْتُ العَرَب.

على العرب استخدام الأوراق السياسية والديبلوماسية والاقتصادية التي في أيديهم

مَوْقِفٌ إِسْرائيلِيٌّ مُتَعَنِّتٌ وَمُتَعَسِّفٌ كَهَذا، كانَ يَدْعو العَرَبَ إلى أَنْ يَتَّخِذوا مَوْقِفًا في المُقابِلِ مَعَ حُكومَةِ التَّطَرُّفِ في تَلِّ أَبيب، وَلَمْ يَكونوا مَدْعُوّينَ إلى حَرْبٍ مَعَها وَلا إلى قِتال، وَلَكِنَّهُمْ كانوا مَدْعُوّينَ إلى اسْتِخْدامِ الأَوْراقِ السِّياسِيَّةِ والدّيبْلوماسِيَّةِ والِاقْتِصادِيَّةِ التي في أَيْديهِم، وَجَميعُها أَوْراقٌ تَسْتَطيعُ أَنْ تُرْغِمَ الإِسْرائيلِيّينَ وَمَنْ وَراءَهُمْ على التِزامِ الأَدَبِ أَمامَ كُلِّ ما هُوَ عَرَبِيّ.

جامِعَةُ الدُّوَلِ هِيَ جامِعَةٌ لِلعَرَب، لا لِلأَمينِ العامِّ وَفَريقِ عَمَلِه، وَعِنْدَما فَكَّرَ الرَّجُلُ في التَّصَرُّفِ على هَذا الأَساسِ في شَأْنِ زِيارَتِهِ التي لَمْ تَتِمَّ، أَحَسَّ بِأَنَّهُ تَقْريبًا يَقِفُ وَحْدَه... وَمِنْ عَلاماتِ ذَلِكَ أَلّا يَتَوازى مَعَ رَفْضِ الزِّيارَةِ مَوْقِفٌ عَرَبِيٌّ مُسانِدٌ وَمُعْتَبَر... وَلَكِنَّ هَذا لا يَمْنَعُ أَنَّ هُناكَ بَقِيَّةً مِنْ أَمَل، في أَنْ يَتَطَلَّعَ العَرَبُ نَحْوَ الجامِعَةِ على النَّحْوِ الواجِب، وَإِلّا، فَإِنَّ الأَمينَ العامَّ الجَديدَ لَنْ يَسْتَطيعَ فِعْلَ ما يَرْغَبُ فيهِ تَجاوُبًا مَعَ الآمالِ العَريضَةِ التي رافَقَتْهُ يَوْمَ جاء!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن