لَقَد بُنِيَ الفِكْرُ السِّياسِيُّ اللّيبيرالِيُّ على اعْتِقادِ أَنَّ الحَلَّ النِّهائِيَّ لِمَوْضوعِ الشَّرْعِيَّةِ السِّياسِيَّةِ مِن خِلالِ نُظُمٍ مُؤسَّسِيَّةٍ قائِمَةٍ على الحُرِّيَّةِ وَالمُشارَكَةِ الشَّعبِيَّة، تَكْفُلُ خِيارَ التَّناوُبِ السِّلْمِيِّ على السُّلْطَة، وَمِن ثَمَّ، لا تَحْتاجُ هذِهِ النُّظُمُ إِلى المُراجَعَةِ وَالتَّعْديلِ لِكَوْنِها تَتَلاءَمُ مَعَ مُقْتَضَياتِ وَمُتَطَلَّباتِ الحُرِّيَّةِ وَالدّيموقْراطِيَّةِ، فَهِيَ بِذلِكَ مُسْتَقِرَّةٌ وَثابِتَة.
النزعات الشعبوية مظهر واضح لأزمة الديموقراطيات الليبيرالية
بَيْدَ أَنَّهُ في السَّنواتِ الأَخيرَة، كَثُرَتِ الكِتاباتُ عَن أَزمَةِ الدّيموقْراطِيَّةِ اللّيبيرالِيَّة، وَتَرَكَّزَ النَّظَرُ على أَنْظِمَةِ الحُكْمِ الشَّعْبَوِيَّةِ التي بَرَزَت في العَديدِ مِنَ السّاحاتِ الغَربِيَّة، مُتَبَنِّيَةً خِيارَ الفَصْلِ بَينَ الإِرادَةِ الشَّعْبِيَّةِ السِّيادِيَّةِ وَالقِيَمِ اللّيبيرالِيَّةِ التي هِيَ روحُ الفِكْرَةِ الدّيموقراطِيَّة.
وَلا شَكَّ أَنَّ هذِهِ النَّزَعاتِ الشَّعبَوِيَّةَ مَظْهَرٌ واضِحٌ لِأَزْمَةِ الدّيموقْراطِيّاتِ اللّيبيرالِيَّةِ التي تَظْهَرُ في اخْتِلالاتٍ عِدَّة، أَماطَتِ الباحِثَةُ الأَميرْكيَّةُ اللِّثامَ عَنها، مِثلَ: تَزايُدِ التَّمايُزاتِ الطَّبَقِيَّةِ وَالاجتِماعِيَّةِ وَما أَفضَت إِلَيهِ ديناميكِيَّةُ العَوْلَمَةِ مِن تَعْريضِ فِئاتٍ واسِعَةٍ لِلهَشاشَةِ وَالغُبْن، وَضَعْفِ الأَحْزابِ السِّياسِيَّةِ التَّقليدِيَّةِ التي كانَت سابِقًا هِيَ هَياكِلَ التَّنْظيمِ الاجْتِماعِيِّ الفاعِلَة، فَضلًا عَن تَراجُعِ الثِّقَةِ في المُؤسَّساتِ العُمومِيَّة.
وَلَيْستِ الحالَةُ الشَّعْبَوِيَّةُ سِوى تَجْسيدٍ لِهذِهِ الأَزْمَةِ مُتَعَدِّدَةِ الأَوْجُه، بِاعتِبارِها تُكَرِّسُ ثَلاثَةَ اخْتِلالاتٍ واضِحَةٍ هِيَ: التَّنافُرُ بَيْنَ السُّلْطَةِ التَّنْفِيذِيَّةِ وَبَقِيَّةِ المُؤسَّساتِ الدّيموقْراطِيَّةِ الضّامِنَةِ لِتَوازُنِ الحُكْم، وَالقَضاءُ على مَكاسِبِ حُرِّيَّةِ التَّعْبيرِ التي تَتَكَرَّسُ في الصَّحافَةِ وَالإِعْلامِ التَّداولِيِّ المَفْتوح، وَالقَضاءُ على فِكْرَةِ الإِجْماعِ الوَطَنِيِّ المُسْتَنِدِ إلى قِيَمٍ جَوْهَرِيَّةٍ تَتَجاوَزُ مَيْدانَ الصِّراعاتِ الإيدْيولوجِيَّةِ وَالسِّياسِيَّةِ الظَّرْفِيَّة.
استحالة تجسيد الحالة السياسية في بناء شخصي
في البُلْدانِ التي حَكَمَتها أَنْظِمَةٌ شَعْبَوِيَّة، أَصْبَحَ رَئيسُ السُّلْطَةِ التَّنْفِيذِيَّةِ هُوَ مِحْوَرُ مَرْكَزِ القَرارِ على حِسابِ القَضاءِ وَالمَجالِسِ التَّشْريعِيَّةِ المُنْتَخَبَة، وَتَمَّ اخْتِزالُ الإِرادَةِ العُمومِيَّةِ في خِياراتِهِ الشَّخْصِيَّةِ مِن حَيْثُ هُوَ مُتَمَتِّعٌ بِأَهلِيَّةِ الانْتِخابِ وَالشَّرْعِيَّة، ما يُخَوِّلُهُ أَخْذَ القَراراتِ المَصيرِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالدَّولَةِ وَالمُجتَمَع. وَمِنَ الواضِحِ أَنَّ هذا الاخْتِلالَ يَتَعارَضُ مَعَ الفِكْرَةِ الدّيموقْراطِيَّةِ التي تَقومُ على ما أَسْماهُ كْلود لوفور (Claude Lefort) بِالخانَةِ الفارِغَة، أَيِ اسْتِحالَةِ تَجْسيدِ الحالَةِ السِّياسِيَّةِ في بِناءٍ شَخْصِيٍّ ما دامَتِ الدَّولَةُ فِكْرَةً مُجَرَّدَةً سامِيَةً وَلَيْسَتْ سُلْطَةً مُحَدَّدَةً فَرْدِيَّة.
وَعلى الرَّغْمِ مِنَ الخِلافِ النَّظَرِيِّ المَعْروفِ حَوْلَ عَلاقَةِ الدّيموقْراطِيَّةِ مِن حَيْثُ هِيَ آلِيَّةٌ لِتَدبيرِ التَّعَدُّدِيَّةِ السِّياسِيَّةِ وَالاجتِماعِيَّة، وَاللّيبيرالِيَّةِ مِن حَيْثُ هِيَ مَنْظومَةٌ قِيَمِيَّةٌ وَفِكرِيَّة، إِلَّا أَنَّهُ مِنَ البَديهِيِّ أَنَّ مَفْهومَ الحُرِّيَّةِ السِّياسِيَّةِ الَّذي تَتَأَسَّسُ عَلَيهِ الدّيناميكِيَّةُ الدّيموقْراطِيَّةُ يَنْتَمي في العُمْقِ لِلعَقْلِ اللّيبيرالِيِّ في تَصَوُّرِهِ لِلإِرادَةِ المُسْتَقِلَّةِ وَالتَّسامُحِ الاجْتِماعِيِّ وَالعَدالَةِ الإِجرائِيَّة. وَمِن ثَمَّ، فَإِنَّ مَسْلَكَ الدّيموقْراطِيَّةِ غَيرِ اللّيبيرالِيَّةِ الَّذي يَتَحَدَّثُ عَنهُ رَئيسُ الوُزَراءِ الهَنْغارِيُّ السّابِقُ فيكتور أورْبان لا مَعْنى لَه.
كَما أَنَّ الدّيموقْراطِيَّةَ لا تَقومُ مِن دونِ مَجالٍ تَداوُلِيٍّ وَنِقاشِيٍّ حُرّ، هُوَ الَّذي تَتَشَكَّلُ فيهِ الإِرادَةُ العُمومِيَّةُ وَتَنْضُجُ فيهِ المَشاريعُ السِّياسِيَّةُ المُتَصارِعَة، وَتُصَحَّحُ فيهِ اخْتِلالاتُ السِّياساتِ الحُكومِيَّةِ المُعْتَمَدَة، وَمِن ثَمَّ، فَإِنَّ إِجْراءاتِ السَّيْطَرَةِ على النَّشاطِ الإِعْلامِيِّ التي تَضْطَلِعُ بِها الأَنْظِمَةُ الشَّعْبَوِيَّةُ تُعَرِّضُ الدّيموقْراطِيَّةَ لِلِانْهيارِ الكامِل.
السؤال الحقيقي يتعلّق بقدرة المؤسسات الديموقراطية على استيعاب الإصلاحات
وَبِالعَوْدَةِ إِلى مَقالِ شيري بِيرمان، نُلاحِظُ أَنَّها تُقَدِّمُ جُمْلَةً مِنَ المُقْتَرَحاتِ العَمَلِيَّةِ لِإِصْلاحِ المُؤسَّساتِ الدّيموقْراطِيَّةِ في الغَرْبِ اللّيبيرالِيّ، مِن بَيْنِها: تَحْديثُ النُّظُمِ الانْتِخابِيَّةِ مِن حَيْثُ الدَّورِيَّةِ وَالأَشْكالِ التَّنْظيمِيَّة، وَتَنْشيطُ الأَحْزابِ وَالتَّنْظيماتِ السِّياسِيَّة، وَالحَدُّ مِنَ الاخْتِلالاتِ الطَّبَقِيَّةِ وَالاجْتِماعِيَّة، وَضَبْطُ الشَّبَكاتِ التَّواصُلِيَّةِ الرَّقْمِيَّة، وَتَجْديدُ الثِّقَةِ في المُؤسَّساتِ الإِدارِيَّةِ العُمومِيَّة، وَتَحْسينُ مُستَوى وَوَتيرَةِ المُشارَكَةِ الشَّعْبِيَّةِ في مَسارِ القَرار.
لا شَكَّ أَنَّ هذِهِ المُقْتَرَحاتِ هامَّةٌ وَضَرورِيَّةٌ في الوَقْتِ الحاضِر، وَتَحْتاجُ إِلَيْها الدّيموقْراطِيّاتُ اللّيبيرالِيَّةُ لِلخُروجِ مِن أَزْمَتِها الخانِقَة، لَكِنَّ السُّؤالَ الحَقيقِيَّ يَتَعَلَّقُ بِقُدْرَةِ المُؤسَّساتِ الدّيموقْراطِيَّةِ القائِمَةِ عَلى اسْتيعابِ الإِصْلاحاتِ المُقتَرَحَة، وَالحالُ أَنَّها تَشَكَّلَت في سِياقٍ ثُنائِيٍّ حَدَّدَتهُ الدَّوْلَةُ القَوْمِيَّةُ وَالاقتِْصادُ الصِّناعِيُّ الرَّأسِمالِيّ، وَهُما مُحَدِّدانِ في طَوْرِ التَّجاوُز. وَمِن هُنا يَغْدو الإِشْكالُ هُوَ: كَيفَ يُمكِنُ تَأسيسُ ديموقْراطِيَّةِ ما بَعْدَ الدَّوْلَةِ القَوْمِيَّةِ وَما بَعدَ اللّيبيرالِيَّةِ الصِّناعِيَّة؟.
(خاص "عروبة 22")

