عَلَيْنا أَنْ نُلاحِظَ أَنَّهُ مع نِهايَةِ الحَرْبِ البارِدَة، ارْتَبَطَتِ السِّياسَةُ العَرَبِيَّةُ بِمَنْطِقِ البَحْثِ عَنِ الضّامِنِ الخارِجِيّ، سَواءٌ كانَ الوِلاياتِ المُتَّحِدَة أَوِ المَنْظومَةَ الغَرْبِيَّةُ بِصُورَةٍ أَوْسَع. أَمّا اليَوْم، فَإِنَّ البيئَةَ الدَّوْلِيَّةَ نَفْسَها تَغَيَّرَت. فَالوِلاياتُ المُتَّحِدَةُ لَمْ تَعُدْ راغِبَةً وَلا قادِرَةً على الانْفِرادِ بِإِدارَةِ النِّظامِ الإِقْليمِيّ، بَيْنَما أَصْبَحَتِ الصّينُ شَريكًا اقْتِصادِيًّا لا يُمْكِنُ تَجاهُلُه، وَعادَتْ روسْيا لِتَفْرِضَ نَفْسَها في مِلَفّاتِ الطّاقَةِ وَالأَمْن، في الوَقْتِ الذي وَسَّعَتْ فيهِ قُوًى إِقْليمِيَّةٌ مِثْلُ تُرْكْيا وَإيرانَ مَساحَةَ نُفوذِها السِّياسِيِّ وَالعَسْكَرِيّ. وَفي ظِلِّ هَذا التَّعَدُّد، لَمْ يَعُدِ السُّؤالُ المَطْروحُ أَمامَ صانِعِ القَرارِ العَرَبِيِّ هُوَ: إِلى أَيِّ مُعَسْكَرٍ نَنْتَمي؟ بَلْ أَصْبَحَ: كَيْفَ نَسْتَفيدُ مِنْ تَنافُسِ هَذِهِ المُعَسْكَراتِ مِنْ دونِ أَنْ نُصْبِحَ جُزْءًا مِنْ صِراعاتِها؟.
كُلّما ازدادت المنافسة بين واشنطن وبكين ارتفعت القيمة الجيوسياسية للدول العربية
وَقَدْ ساهَمَ في هَذا التَّطَوُّرِ أَنَّ التَّحَوُّلاتِ في بُنْيَةِ الاقْتِصادِ العالَمِيِّ وَالطّاقَةِ وَالتِّكْنولوجْيا قَدْ أَعادَتْ تَعْريفَ مَفْهومِ الأَمْنِ القَوْمِيِّ العَرَبِي، بِحَيْثُ لَمْ تَعُدِ القُوَّةُ العَسْكَرِيَّةُ وَحْدَها كافيةً لِضَمانِ الاسْتِقْرارِ أَوِ النُّفوذ، ذَلِكَ أَنَّ الشَّرْقَ الأَوْسَطَ يَشْهَدُ انْتِقالًا مِنْ نِظامِ التَّحالُفاتِ الجامِدَةِ إِلى شَبَكاتٍ مَرِنَةٍ مِنَ الشَّراكاتِ المُتَقاطِعَة، مع تَحَوُّلِ المِنْطَقَةِ إِلى إِحْدى السّاحاتِ الرَّئيسِيَّةِ لِإِعادَةِ تَوْزيعِ النُّفوذِ العالَمِيّ، وَهُوَ ما مَنَحَ الدُّوَلَ العَرَبِيَّةَ مَساحَةً أَوْسَعَ لِلْمُبادَرَةِ لَمْ تَكُنْ مُتاحَةً قَبْلَ عَقْدٍ واحِد.
وَفي تَقْديرِنا أَنَّ حالَةَ التَّحَوُّطِ العَرَبِيِّ الرّاهِنَةَ تَقومُ على اسْتِثْمارِ حالَةِ التَّضاغُطِ الدَّوْلِيّ. فَكُلَّما ازْدادَتِ المُنافَسَةُ بَيْنَ واشِنْطُن وَبِكّين، ارْتَفَعَتِ القيمَةُ الجِيوسِياسِيَّةُ لِلدُّوَلِ العَرَبِيَّة، وَكُلَّما تَعاظَمَتْ أَهَمِّيَّةُ الطّاقَةِ وَالمَعادِنِ النّادِرَةِ وَالمَمَرّاتِ البَحْرِيَّةِ وَسَلاسِلِ الإِمْداد، ازْدادَتْ قُدْرَةُ العَواصِمِ العَرَبِيَّةِ على التَّفاوُضِ مِنْ مَوْقِعٍ أَكْثَرَ اسْتِقْلالًا...
وَتُقَدِّمُ السُّعودِيَّةُ وَالإِماراتُ وَمِصْرُ أَمْثِلَةً واضِحَةً على هَذَا التَّحَوُّل. فَالسُّعودِيَّةُ أَعادَتْ صِياغَةَ سِياسَتِها الخارِجِيَّةِ انْطِلاقًا مِنْ رُؤْيَةٍ تَضَعُ التَّنْمِيَةَ الاقْتِصادِيَّةَ في قَلْبِ الأَمْنِ القَوْمِيّ، وَهُوَ ما يُفَسِّرُ انْفِتاحَها المُتَزامِنَ على الصّين، وَاسْتِمْرارَ شَراكَتِها الدِّفاعِيَّةِ مع الوِلاياتِ المُتَّحِدَة، وَحِرْصَها على إِبْقاءِ قَنَواتِ الاتِّصالِ مَفْتوحَةً مع روسْيا وَإيران. أَمّا الإِماراتُ فَقَدْ بَنَتْ واحِدًا مِنْ أَكْثَرِ نَماذِجِ التَّحَوُّطِ تَطَوُّرًا، مِنْ خِلالِ تَوْزيعِ شَراكاتِها بَيْنَ القُوى الكُبْرى، وَرَبْطِ نُفوذِها الخارِجِيِّ بِالاسْتِثْمارِ وَالتِّكْنولوجْيا وَالمَوانِئِ وَالخَدَماتِ اللّوجيسْتِيَّة. وَفي الحالَةِ المِصْرِيَّة، ارْتَبَطَ التَّحَوُّطُ بِالحِفاظِ على اسْتِقْلالِ القَرارِ الوَطَنِيِّ عَبْرَ تَنْويعِ مَصادِرِ التَّسْليح، وَتَعْميقِ العَلاقاتِ الاقْتِصادِيَّةِ مع أُوروبّا وَالخَليجِ وَالصّين، مِنْ دونِ المَساسِ بِالرَّكائِزِ التَّقْليدِيَّةِ لِلشَّراكَةِ الاسْتراتيجِيَّةِ مع الوِلاياتِ المُتَّحِدَة.
وَفي ظَنّي أَنَّ المَنْطِقَ نَفْسَهُ انْسَحَبَ على العَلَاقاتِ العَرَبِيَّةِ مع القُوى الإِقْليمِيَّة. فَقَدِ انْتَقَلَتِ العَلاقاتُ مع تُرْكْيا مِنْ مَرْحَلَةِ التَّنافُسِ الإيدْيولوجِيِّ إلى البْراغْماتِيَّةِ الاقْتِصادِيَّة، وَهَذا التَّحَوُّلُ يَعْكِسُ إِدْراكًا بِأَنَّ التَّحَدِّياتِ العابِرَةَ لِلْحُدود، مِنْ أَمْنِ البَحْرِ الأَحْمَرِ إلى اسْتِقْرارِ أَسْواقِ الطّاقَةِ وَالأَمْنِ الغِذَائِيّ، لَمْ تَعُدْ تَسْمَحُ بِاسْتِمْرارِ سِياساتِ القَطيعَةِ المُطْلَقَة. وَمِنْ ثَمَّ، أَصْبَحَ الهَدَفُ هُوَ ضَبْطَ التَّنافُسِ وَلَيْسَ إِنْهاءَه، وَإِدارَةَ الخِلافاتِ بَدَلًا مِنْ تَحْويلِها إلى صِراعاتٍ مَفْتوحَة.
تبايُن أولويات الدول العربية يمنع تشكُّل مقاربة جماعية مُتماسكة
وَبِطَبيعَةِ الْحال، فَإِنَّ نَجاحَ هَذِهِ السِّياسَةِ لَيْسَ مَضْمونًا بِصورَةٍ دائِمَة. فَكُلَّما اشْتَدَّتِ الْمُنافَسَةُ بَيْنَ الْوِلاياتِ الْمُتَّحِدَةِ وَالصّين، أَصْبَحَتْ تَكْلِفَةُ التَّوازُنِ بَيْنَهُما أَعْلى، خاصَّةً في مَجالاتِ التِّكْنولوجِيا الْمُتَقَدِّمَةِ وَالذَّكاءِ الِاصْطِناعِيِّ وَأَشْباهِ الموصِلات. كَما أَنَّ انْدِلاعَ أَزَماتٍ كُبْرى، مِثْلَ الْحَرْبِ في غَزَّةَ أَوِ التَّوَتُّراتِ في الْبَحْرِ الْأَحْمَر، يَفْرِضُ ضُغوطًا مُتَزايِدَةً على الدُّوَلِ الْعَرَبِيَّةِ لِتَحْديدِ مَواقِفَ أَكْثَرَ وُضوحًا، وَهُوَ ما قَدْ يُضَيِّقُ هامِشَ الْمُناوَرَةِ الذي يَقومُ عَلَيْهِ التَّحَوُّط. وَيُضافُ إلى ذَلِكَ أَنَّ تَبايُنَ أَوْلَوِيّاتِ الدُّوَلِ الْعَرَبِيَّةِ يَمْنَعُ حَتّى الْآنَ تَشَكُّلَ مُقارَبَةٍ جَماعِيَّةٍ مُتَماسِكَة، بِحَيْثُ يَظَلُّ التَّحَوُّطُ مُمارَسَةً وَطَنِيَّةً أَكْثَرَ مِنْهُ اسْتراتيجِيَّةً عَرَبِيَّةً مُوَحَّدَة.
وَعلى الرَّغْمِ مِنْ هَذِهِ الْقُيود، فَإِنَّ التَّحَوُّطَ الِاسْتراتيجِيَّ يَبْدو مُرَشَّحًا لِأَنْ يُصْبِحَ السِّمَةَ الْأَكْثَرَ رُسوخًا في السِّياسَةِ الْعَرَبِيَّةِ خِلَالَ الْعَقْدِ الْمُقْبِل. فَالشَّرْقُ الْأَوْسَطُ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ مَسْرَحٍ تَتَنافَسُ فيهِ الْقُوى الْكُبْرى، بَلْ أَصْبَحَ يَمْتَلِكُ مِنْ عَناصِرِ التَّأْثيرِ ما يَسْمَحُ لِبَعْضِ دُوَلِهِ بِإِعادَةِ تَشْكيلِ قَواعِدِ هَذَا التَّنَافُس. وَهَذا هُوَ التَّحَوُّلُ الْأَهَمُّ الذي لَمْ تَسْتَوْعِبْهُ كَثيرٌ مِنَ الْأَدَبِيّاتِ حَتّى الآن. فَالدُّوَلُ الْعَرَبِيَّةُ لَمْ تَعُدْ تَبْحَثُ عَنْ رَاعٍ دَوْلِيٍّ جَديد، وَإِنَّمَا عَنْ مَوْقِعٍ يُتيحُ لَها التَّفاوُضَ مع جَميعِ الرُّعاةِ الْمُحْتَمَلينَ مِنْ دونِ الِارْتِهانِ لِأَيٍّ مِنْهُم.
(خاص "عروبة 22")

