تقدير موقف

ترامب ونتنياهو.. المِنطَقَةُ بَيْنَ "الجَرِّ والجُنُون"!

كالنّارِ في الهَشيمِ انْتَشَرَتْ تَوْبيخات، بَلْ إِهاناتُ الرَّئيسِ الأَميركِيِّ دونالْد ترامب لِرَئيسِ وُزَراءِ الكِيانِ الإِسْرائيلِيِّ بِنْيامين نِتِنْياهو على خَلْفِيَّةِ مَنْعِهِ مِنْ قَصْفِ بَيْروتَ وَالضّاحِيَةِ الجَنوبِيَّة. وَبَدَتِ المَعْلوماتُ المُسَرَّبَةُ حَوْلَ ما كالَهُ ترامب لِنِتِنْياهو وَكَأَنَّهُ أُريدَ لَها أَنْ تَطْوِيَ مَقولَةً أُخْرى سَبَقَتْها في الانتِشارِ المُحْمومِ حَوْلَ نَجاحِ نِتِنْياهو في جَرِّ ترامب إلى الحَرْبِ ضِدَّ إيران. وَبَدَتِ التَّسْريبَةُ الترامبِيَّةُ حَوْلَ "جُنونِ نِتِنْياهو"، بِمَثابَةِ المُعادَلَةِ اللاغِيَةِ لِمَقولَةِ "نِتِنْياهو جَرَّ ترامب". ما جَعَلَ تَطَوُّراتِ المِنْطَقَةِ أَسيرَةَ اسْتِقْطابٍ حادٍّ بَيْنَ "الجَرِّ وَالجُنون".

ترامب ونتنياهو.. المِنطَقَةُ بَيْنَ

بِدايَةُ انْدِلاعِ الحَرْبِ "الإِسْرائيكِيَّةِ" على إيران، كَشَفَتْ بِوُضوحٍ نَجاحَ نِتِنْياهو في إِسالَةِ لُعابِ ترامب بِاسْتِهْدافِ إيران، مِنْ خِلالِ خُطَّةِ الإِطْباقِ الاِسْتِخْبارِيَّةِ وَالاِسْتراتيجِيَّةِ التي اسْتَعْرَضَها أَمامَ ترامب وَالتي جَرى إِدْماجُها مَعَ بَنْكِ أَهْدافِ البِنْتاغونِ وَمُجْتَمَعِ الاِسْتِخْباراتِ الأَميرْكِيّ، ما دَفَعَ ترامب إلى الجُلوسِ على كُرْسِيِّ قِيادَةِ الحَرْبِ على إيران، وَالتي، وِفْقَ نِتِنْياهو، سَتَسْتَغْرِقُ أَيّامًا تَنْتَهي بِإِسْقاطِ النِّظامِ الإيرانِيِّ بَعْدَ اغْتِيالِ المُرْشِدِ الأَعْلى وَنُخْبَةِ إيرانَ الحاكِمَةِ مِنَ العَسْكَرِيّينَ وَالاِسْتِخْبارِيّينَ وَالنَّوَوِيّين.

نَتائِجُ الحَرْبِ كَشَفَتْ عَنْ فَشَلِ الخُطَّةِ "الإِسْرائيكِيَّةِ" لِإِسْقاطِ النِّظامِ الإيرانِيِّ الذي اسْتَطاعَ إِعادَةَ إِنْتاجِ نَفْسِهِ وِفْقًا لِلمُعادَلَةِ السِّرِّيَّةِ التي سَبَقَ أَنْ وَضَعَها "خامِنَئي الأَب" بِتَعْيينِ ثَلاثَةِ بُدَلاءِ لِمَسْؤولِي النِّظامِ في شَتّى المَواقِعِ وَالقِطاعات، وَبَيْنَها اخْتِيارُ مَجْلِسِ الخُبَراءِ لِلمُرْشِدِ الجَديد، وَيُضافُ إلى كُلِّ هَذا تَحَكُّمُ إيرانَ بِمَضيقِ هُرْمُزَ وَاللَّذانِ باتا بِمَثابَةِ "قُنْبُلَةِ إيرانَ" الحَقيقِيَّة. وَعَبْرَ إِعادَةِ إِنْتاجِ النِّظامِ لِنَفْسِه، خاضَتْ إيرانُ مَعْرَكَتَها الوُجودِيَّةَ حَرْبِيًّا وَديبْلوماسِيًّا مِنْ خِلالِ المُفاوَضاتِ التي باتَ ترامب يُفَضِّلُها بَعْدَ إِخْفاقِ الحَلِّ العَسْكَرِيِّ وَفَرْضِ وَقائِعَ جَديدَةٍ مُرْتَكِزَةٍ على حَراكاتٍ وَتَحَرُّكاتٍ رَبيعِيَّةٍ داخِلِيَّةٍ لَمْ تُزْهِرْ بَعْد.

نرجسية ترامب جعلته يتأرجح بين إمبراطور الحروب وبطل السلام

هَذا الإِخْفاقُ العَسْكَرِيُّ الترامْبِيُّ بَعْدَ نَشْوَةِ القَرْصَنَةِ السَّهْلَةِ على فِنِزْويلا دَوْلَةً وَنِظامًا، جَعَلَ زِيارَةَ تْرامْب إلى الصّينِ مَنْزوعَةً مِنْ صَواعِقِ القُوَّةِ الأُحادِيَّة، ما حَتَّمَ على ترامب مُراجَعَةَ اِسْتراتيجِيَّتِهِ في إيرانَ وَالمِنْطَقَة، فَبَدا أَكْثَرَ نُزوعًا نَحْوَ المُفاوَضاتِ وَالدّيبْلوماسِيَّةِ بَعْدَما بالَغَ في قَرْعِ طُبولِ الحَرْبِ وَالتَّهْويلِ وَالتَّهْديد، تَمامًا كَما بالَغَ في تَحْديدِ المُهْلَةِ الزَّمَنِيَّةِ النِّهائِيَّةِ أَمامَ إيران.

لَعَلَّ النَّرْجِسِيَّةَ النَّزِقَةَ أَوِ المَريضَةَ التي تَطْبَعُ شَخْصِيَّةَ ترامب، المَهْجوسِ بِرَسْمِ صورَتِهِ التّاريخِيَّةِ لِقُرونٍ مُقْبِلَة، جَعَلَتْهُ يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ "إِمْبَراطورِ الحُروبِ" وَ"بَطَلِ السَّلام". السَّلامُ الذي أَنْشَأَ لَهُ مَجْلِسًا في غَزَّة، وَلَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ لافِتَةٍ تُضَمُّ إلى مِلَفِّهِ أَمامَ لَجْنَةِ جائِزَةِ نوبِل، التي خَذَلَتْهُ مِنْ دونِ أَنْ يُقَرِّعَها على مِنْوالِ اسْتِهْدافِهِ للإِعْلامِ الأَميرْكِيِّ الدّيموقْراطِيّ، مِثْلَ "سي.إِنْ.إِنْ"، المُشَكِّكِ دائِمًا في مَقولاتِ وَنَجاحاتِ الرَّجُل. وَكَما أَخْفَقَ في حَرْبِهِ ضِدَّ إيرانَ أَقَلَّهُ حَتّى اليَوْم، فَقَدْ أَخْفَقَ في إِحْلالِ السَّلامِ الذي وَعَدَ بِهِ العَرَبَ في غَزَّة!.

نَرْجِسِيَّةُ ترامب المُتَوَتِّرَةُ وَالقَلِقَة، جَعَلَتْهُ في لَحْظَةٍ حَسّاسَةٍ يَنْتَظِرُ فيها بِرَوِيَّةٍ مَوْقِفَ مُجْتَبى خامِنَئي مِنَ المُلاحَظاتِ الأَميرْكِيَّةِ على مُذَكِّرَةِ التَّفاهُمِ المَنْقولَةِ عَبْرَ رَجُلِ باكِسْتان القَوِيِّ عاصِم مُنير، وَجَعَلَتْهُ يُصَوِّبُ مَدافِعَهُ الصَّوْتِيَّةَ الصّاخِبَةَ وَالغاضِبَةَ وَالخَشِنَةَ ضِدَّ نِتِنْياهو الذي كانَ بِصَدَدِ تَنْفيذِ عَمَلِيَّةِ اسْتِهْدافٍ ضَخْمَةٍ لِلضّاحِيَةِ الجَنوبِيَّةِ وَبَيْروت، وَجَعَلَتْهُ يَحْرِصُ على نَشْرِ وَتَسْريبِ مَضْمونِ كَلامِهِ اللّاذِعِ وَالتَّحْقيرِيِّ وَالمُهينِ لِنِتِنْياهو، مِثْل: "أَنْتَ مَجْنونٌ تَمامًا... وَلَوْلايَ لَكُنْتَ في السِّجْن... الجَميعُ يَكْرَهُكَ الآنَ وَيَكْرَهُ إِسْرائيلَ بِسَبَبِ هَذا". وَقَدِ انْتَشَرَ هَذا التَّقْريعُ الترامبيُّ المُهينُ لِنِتِنْياهو في الأَوْساطِ الإِسْرائيلِيَّةِ التي أَخَذَتْ تَتَحَدَّثُ عَنْ اخْتِطافِ ترامب لِلسِّيادَةِ الإِسْرائيلِيَّة، وَمُسارَعَةِ بَعْضِ الرُّموزِ اليَمينِيَّةِ المُتَطَرِّفَةِ إلى ضَرورَةِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِوَجْهِ تْرامْب وَالقَوْلِ لَه: "لا".

تهديد ترامب بتفجير سلطنة عُمان كشف عمق مأزق المقاربة الأميركية لقضية مضيق هرمز

لَمْ يَكُنِ الصَّعْقُ الترامبيُّ لِنِتِنْياهو على خَلْفِيَّةِ هُجومِهِ المُؤَجَّلِ على لُبْنان، حُبًّا بِبِلادِ الأَرْز، أَوْ كَرْمى لِتَدَخُّلاتٍ عَرَبِيَّةٍ وَغَرْبِيَّة. فَنَرْجِسِيَّةُ ترامب لَمْ تَعْبَأْ بِكُلِّ هَذا اللَّفيفِ مِنَ الدُّوَلِ عِنْدَما باغَتَ إيرانَ بِهُجومٍ غَيْرِ مُسْبوق. لَكِنَّ يَقينَ ترامب بِانْفِلاتِ الأُمورِ إِذا ما نَفَّذَتْ إيرانُ تَهْديدَها بِالعَوْدَةِ إلى الحَرْبِ فيما لَوْ قُصِفَتْ بَيْروتُ وَالضّاحِيَةُ الجَنوبِيَّة، وَالذي كانَ سَيُهَدِّدُ المُفاوَضاتِ مَعَ طهرانَ مِنْ جِهَة، وَيُؤَدّي إلى زَعْزَعَةِ اسْتِقْرارِ المِنْطَقَةِ بِرُمَّتِها مِنْ جِهَةٍ أُخْرى، خُصوصًا بَعْدَ إِعْلانِ حَرَكَةِ "أَنْصارِ اللهِ" الحوثِيَّةِ عَنْ انْخِراطِها في إِسْنادِ "حِزْبِ اللهِ" وَإِقْفالِ بابِ المَنْدَب، وَكَذَلِكَ بَعْضِ الفَصائِلِ العِراقِيَّة، هو ما دَفَعَهُ إلى لَجْمِ نِتِنْياهو.

لَعَلَّها لُعْبَةُ الإِعْلام، الذي يَتَحَوَّلُ في أَحايينَ كَثيرَةٍ إلى مَسْرَحٍ يَعْكِسُ مَسْرَحَةَ الصِّراع، فالصُّراخُ الذي انْطَلَقَ مِنْ وَاشِنْطُن إلى تَلِّ أَبيبَ وَبَيْروتَ وَطَهْران، كانَ فيهِ الصَّوْتُ الإيرانِيُّ هو الأَكْثَرُ قَرْعًا على الطّاوِلَة. لَكِنْ لِماذا أَخْفى هَذا الصُّراخُ صُراخًا آخَرَ دَخَلَ في دائِرَةِ الصَّمْتِ المَكْبوت؟.

فَسَلْطَنَةُ عُمانَ التي امْتازَتْ طَوالَ مَسيرَتِها بِديبْلوماسِيَّةِ الصَّمْتِ وَعَدَمِ الإِثارَةِ وَالضَّجيج، لَمْ تَبْلَعِ التَّهْديداتِ الترامبيَّةَ بِتَفْجيرِها على خَلْفِيَّةِ عَدَمِ انْخِراطِها في الحَرْبِ الإِعْلامِيَّةِ وَالدّيبْلوماسِيَّةِ ضِدَّ طَهْران، فَضْلًا عَنْ غُموضِ تَماهيها مَعَ إيرانَ بِخُصوصِ الإِدارَةِ المُشْتَرَكَةِ لِمَضيقِ هُرْمُز.

التحوّلات والمخاطر قد تدفع دول الخليج لمراجعة تموضعاتها الاستراتيجية في منطقة أسيرة حسابات ترامب النرجسية

تَهْديدُ ترامب بِتَفْجيرِ سَلْطَنَةِ عُمانَ كَشَفَ بِوُضوحٍ جانِبًا آخَرَ مِنْ عُمْقِ مَأْزِقِ المُقارَبَةِ الأَميرْكِيَّةِ لِقَضِيَّةِ مَضيقِ هُرْمُز وَلَيْسَ النَّوَوِيَّ الإيرانِيّ، كَما كَشَفَ عَنْ تَصَدُّعاتٍ في بُنْيانِ مَجْلِسِ التَّعاوُنِ الخَليجِيّ، الذي تَغَيَّبَتْ سَلْطَنَةُ عُمانَ عَنْ اجْتِماعِهِ الأَخير، ما جَحَّظَ حَجْمَ التَّحَوُّلاتِ وَالمَخاطِرِ في بيئَةٍ اسْتراتيجِيَّةٍ قَلِقَةٍ أَمْنِيًّا مِمّا يَدْفَعُ قادَةَ الدُّوَلِ الخَليجِيَّةِ إلى مُراجَعَةِ تَمَوْضُعاتِها الاِسْتراتيجِيَّةِ في مِنْطَقَةٍ أَسيرَةِ حِساباتِ ترامب النَّرْجِسِيَّة.

وَفي حَواشي الاِحْتِفاءِ بِمُذَكِّرَةِ التَّفاهُمِ مَعَ إيران، أَطْلَقَ ترامب تَهْديدًا آخَرَ ضِدَّ بَعْضِ الدُّوَلِ التي لَمْ تَنْضَمَّ إلى "الاِتِّفاقاتِ الإِبْراهيمِيَّة"، وَهو التَّهْديدُ الذي رَفَضَتْهُ السُّعودِيَّةُ وَرَبَطَتْ انْخِراطَها في أَيِّ اتِّفاقِيَّةِ سَلامٍ بِوُجودِ مَسارٍ حَقيقِيٍّ جادٍّ لِقِيامِ دَوْلَةٍ فِلَسْطينِيَّة. إِنَّهُ المَسارُ المَفْقودُ مُنْذُ ما قَبْلَ مُبادَرَةِ السَّلامِ العَرَبِيَّةِ التي أَطْلَقَها "الأَميرُ عَبْد الله" في قِمَّةِ بَيْروت، وَهو المَسارُ الذي تَبَخَّرَ خُصوصًا بَعْدَ مَجْلِسِ السَّلامِ الترامبيِّ لِغَزَّة، وَهو المَسارُ الذي تَدَرَّجَ بِهِ نِتِنْياهو لَيْسَ لِيُفْرَضَ مُقابِلَ السَّلام، بَلْ مُقابِلَ القُوَّةِ أَوِ المَزيدِ مِنَ القُوَّة، وَطَبْعًا بِاتِّجاهِ "إِسْرائيلَ الكُبْرى" المَهْجوسِ ترامب بِتَوْسيعِها!.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن