الأمن القومي العربي

المِنَصّاتُ الاجتِماعِيَّةُ والاستِقلالِيَّةُ المَعلوماتِيَّةُ العَرَبِيَّة!

لا يُمْكِنُ الحَديثُ عَنْ اسْتِقْلالِيَّةٍ مَعْلوماتِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ مِنْ دونِ امْتِلاكِ العَرَبِ زِمامَ أَمْرِهِمْ في صُنْعِ القَرارِ الحَوْسَبِيِّ المُسْتَقِلّ، وَحِمايَةَ الخُصوصِيَّةِ والسِّيادَةِ في اخْتِيارِ المَسارِ المَعْلوماتِيِّ مِنْ دونِ تَدَخُّلٍ خارِجِيّ. هُنا، تَكْمُنُ الحُرِّيَّةُ الحَضارِيَّةُ المَنْشودَة، التي يَجِبُ أَنْ يَسْعى إِلَيْها العَرَبُ في هَذا الزَّمَنِ بِشَكْلٍ ضَرورِيٍّ جِدًّا لا يَحْتَمِلُ التَّأْخير، أَوِ التَّرَدُّد!.

المِنَصّاتُ الاجتِماعِيَّةُ والاستِقلالِيَّةُ المَعلوماتِيَّةُ العَرَبِيَّة!

إِنَّ التَّطَوُّراتِ العالَمِيَّةَ المُتَلاحِقَةَ تُثْبِتُ هَذا الأَمْرَ بالِغَ الخُطورَةِ في واقِعِنا وَمَصيرِنا العَرَبِيّ؛ وَلَيْسَتْ بَداياتُ نَتائِجِ الحَرْبِ الإيرانِيَّةِ - الأَميرْكِيَّةِ الأَخيرَةِ بِبَعيدَة، في هَذا الشَّأْن؛ فَهِيَ أَظْهَرَتْ مَدى الِاعْتِمادِ الكَبيرِ لِمُعْظَمِ الدُّوَلِ العَرَبِيَّةِ على مِنَصّاتٍ أَجْنَبِيَّةٍ لِلحَوْسَبَةِ السَّحابِيَّة، وَمِنَصّاتِ التَّواصُلِ الِاجْتِماعِيّ، وَتِقْنِيّاتِ الذَّكاءِ الِاصْطِناعِيّ، والخِدْماتِ الحَوْكَمِيَّةِ والتِّجارِيَّةِ الإِلِكْترونِيَّة، وَغَيْرِها...

لا شَكَّ أَنَّ دَوْرًا كَبيرًا لَعِبَتْهُ "وَسائِلُ التَّواصُلِ الِاجْتِماعِيِّ" الغَرْبِيَّةُ تَحْديدًا، حَيْثُ يَتَفاعَلُ مَعَها العَرَبُ بِشَكْلٍ مُنْقَطِعِ النَّظير، وَأَعْدادٌ هائِلَةٌ مِنَ المُسْتَخْدِمينَ مِنْ شَتّى بِقاعِ الأَرْض، خُصوصًا في مُمارَساتِها لِلدِّعايَةِ والتَّضْليلِ والتَّأْثيرِ في الرَّأْيِ العام، بِاسْتِخْدامِ التِّقْنِيّاتِ الذَّكِيَّةِ المُسْتَحْدَثَةِ لِمِثْلِ هَذِهِ الأَغْراض، مِنْ صِنْفِ القُوَّةِ النّاعِمَةِ الفَتّاكَةِ في تَحْقيقِ الغَلَبَة، لا سِيَّما في تَسْييرِ مَقاليدِ الحِساباتِ الآلِيَّة، والمُحْتَوى المُوَلَّدِ آلِيًّا!... فَأَيْنَ هِيَ الأَدَواتُ العَرَبِيَّةُ التي يُفْتَرَضُ أَنْ تَكونَ مَوْجودَةً لِلتَّحَقُّقِ مِنَ المَعْلومات؟، مَثَلًا، وَتُواجِهَ التَّضْليلَ والتَّزْويرَ المَعْلوماتِيّ!.

الاحتكار التقني للمنصات الغربية بالغ في ممارسة الهيمنة المعلوماتية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية

إِنَّ نُقْطَةَ ضَعْفٍ كَبيرَةٍ تُعاني مِنْها البُلْدانُ العَرَبِيَّةُ بِاعْتِمادِها في أَمْنِها القَوْمِيِّ على تِقْنِيّاتٍ أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ مُزَوِّدينَ خارِجِيّين... خاصَّةً أَنَّ اليَدَ المُحَرِّكَةَ لِهَذِهِ التِّقْنِيّاتِ تَتَحَرَّكُ خارِجَ العالَمِ العَرَبِيّ، فَتُوَجِّهُ المَساراتِ الشَّبَكِيَّة، وَتُحْدِثُ حالاتِ انْقِطاعِ الإِنْتِرْنِت، وَتُحْكِمُ المُراقَبَةَ والسَّيْطَرَةَ عَلَيْها تَمامًا. وَبَدا جَلِيًّا اسْتِخْدامُ هَذِهِ الشّابِكَةِ العالَمِيَّةِ أَداةً فاعِلَةً في الصِّراع؛ سَواءً على المُسْتَوى الِاجْتِماعِيِّ أَوِ التِّكْنولوجِيّ.

لَقَدْ بالَغَ الِاحْتِكارُ التِّقْنِيُّ لِلمِنَصّاتِ الغَرْبِيَّةِ الكُبْرى كَثيرًا في الآوِنَةِ الأَخيرَة، في مُمارَسَةِ الهَيْمَنَةِ المَعْلوماتِيَّةِ التي تُرَسَّخُ أَيْضًا لِلهَيْمَنَةِ الِاقْتِصادِيَّةِ والثَّقافِيَّةِ والِاجْتِماعِيَّة، ناهيكَ عَنِ الإِعْلامِيَّةِ والسِّياسِيَّة... وَمِثْلَما أَشَرْنا في أَكْثَرَ مِنْ مَقالٍ سابِق، إِنَّهُ بِإِمْكانِ العَرَبِ أَنْ يُطَوِّروا "مِنَصّاتٍ اجْتِماعِيَّةً" خَاصَّةً بِهِم، مُسْتَقِلَّة، وَقَادِرَةً على المُنافَسَة، يَمْتَلِكُها العَرَبُ فِكْرًا وَمَضْمونًا وَتِقْنِيَّةً وَتَفاعُلًا اجْتِماعِيًّا مَأْمونًا. لَيْسَ الأَمْرُ بِذَلِكَ المُسْتَحيل، فَالعُقولُ العَرَبِيَّةُ مُبْتَكِرَة، وَمَشْهودٌ لَها عالَمِيًّا بِالتَّفَوُّقِ في هَذا الخُصوص، لَيْسَ أَبْعَدَها عُقولُنا المُهاجِرَةُ إلى الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ وَأوروبّا.

جدير بالعقل العربي في "وادي السيليكون" الأميركي أن ينتقل إلينا في بلداننا العربية

في "وادي السّيليكون" الأَكْبَرِ في كاليفورْنيا، يُشارِكُ الخُبَراءُ والمُهَنْدِسونَ العَرَبُ في تَطْويرِ أَحْدَثِ المُنْتَجاتِ الحاسوبِيَّة. مِنْها مَثَلًا وَلَيْسَ حَصْرًا: تَصْميمُ الخَوارِزْمِيّاتِ الذَّكِيَّة؛ بِناءُ نَماذِجِ التَّعَلُّمِ الآلِيّ؛ كِتابَةُ الشّفْراتِ المُعَقَّدَةِ في تَطْويرِ البَرْمَجِيّات؛ تَدْريبُ بَرامِجِ تَحْليلِ البَياناتِ الضَّخْمَة؛ إِدارَةُ قَواعِدِ البَياناتِ السَّحَابِيَّة؛ تَصْميمُ تَطْبيقاتِ الهَواتِفِ والمَواقِع؛ حِمايَةُ شَبَكاتِ الشَّرِكاتِ في مَهامِّ الأَمْنِ السّيبْرانِيِّ واكْتِشافُ الثَّغَرات؛ إِدارَةُ الخَوادِمِ والبَياناتِ الضَّخْمَة؛ قِيادَةُ فِرَقٍ هَنْدَسِيَّةٍ كُبْرى؛ وَتَأْسيسُ شَرِكاتٍ ابْتِكارِيَّةٍ مُتَنَوِّعَة... إِنَّهُ لَجَديرٌ بِالعَقْلِ العَرَبِيِّ في "وادي السّيليكون" الأميرِكِيِّ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَيْنا في بُلْدانِنا العَرَبِيَّة، وَلا بَأْسَ مِنِ اسْتِدْعاءِ وادينا التُّراثِيِّ (وادي عَبْقَر) التِّكْنولوجِيّ، هَذِهِ المَرَّة!...

الحَقيقَةُ الماثِلَة، أَنَّ هُناكَ تَجارِبَ شَرْقِيَّةً ناجِحَةً جِدًّا في خُصوصِ هَذا التَّوَجُّهِ التِّقْنِيِّ المُسْتَقِلِّ عَنِ الغَرْب، في الصّينِ وَروسْيا وَكورْيا الجَنوبِيَّة، وَغَيْرِها... وَهِيَ التي كَانَتْ تُعاني مِنْ وَيْلاتِ الهَيْمَنَةِ التِّقْنِيَّةِ الِاجْتِماعِيَّةِ الأَميرْكِيَّةِ والأوروبِّيَّة، مِثْلَما نُعانيهِ نَحْنُ اليَوْمَ إلى حَدٍّ بَعيد؛ ما دَفَعَ هَذِهِ البُلْدانَ إلى ضَرورَةِ تَطْويرِ أَنْظِمَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ لِمِنَصّاتِها الِاجْتِماعِيَّة، قَوِيَّة، وَقادِرَةً فِعْلًا على مُنافَسَةِ أَقْوى المِنَصّاتِ الغَرْبِيَّة، بَل وَتَفَوَّقَتْ عَلَيْها بِمَزاياها الجَديدَة.

كانَ مِنْ أَبْرَزِ دَوافِعِ ذَلِكَ النَّجاحِ الشَّرْقِيّ: سَدُّ الفَجْوَةِ الكَبيرَةِ التي خَلَّفَتْها حَواجِزُ اللُّغَة، واخْتِلافُ العاداتِ والتَّقاليدِ والسِّياساتِ المَحَلِّيَّةِ التَّنْظيمِيَّة، وَتَجاوُزُ القُيودِ التي فَرَضَتْها التَّطْبيقاتُ الغَرْبِيَّة. وَمِنْ ثَمَّ كانَ لا بُدَّ لِهَذِهِ البُلْدانِ الشَّرْقِيَّةِ أَنْ تُنْشِئَ بُنًى تَحْتِيَّةً رَقْمِيَّةً مُسْتَقِلَّة، تَتَحَكَّمُ فيها شَرِكاتُها المَحَلِّيَّة، بِاسْتِخْدامِ بَياناتٍ مَأْمونَة، وَتُلَبّي احْتِياجاتِها المُحَدَّدَةَ لِلمُسْتَخْدِمينَ في أَسْواقِها المَحَلِّيَّةِ بِدَرَجَةٍ عالِيَةٍ مِنَ الخُصوصِيَّةِ والسَّلامَةِ الخدمِيَّة. وَلَقَدْ تَراوَحَتْ مُدَدُ تَطْويرِها في مَراحِلِها الأَوَّلِيَّةِ ما بَيْنَ شَهْرَيْنِ وَسَنَةٍ كَامِلَة، قَبْلَ الإِطْلاقِ الرَّسْمِيّ. كَما اسْتَطاعَتْ في فَتَراتٍ قَصيرَةٍ مِنْ إِطْلاقِها وانْتِشارِها أَنْ تَجْذِبَ أَعْدادًا كَبيرَةً مِنَ المُسْتَخْدِمينَ في بُلْدانِها، يَفوقونَ أَحْيانًا المِلْيارَ مُسْتَخْدِم. مَثَلًا، مِنَصَّةُ "ويشات" الصّينِيَّة (1.3) مِلْيار مُسْتَخْدِمٍ شَهْرِيًّا؛ وَمِئاتُ المَلايينِ مِنَ المُسْتَخْدِمينَ في كُلٍّ مِنْ مِنَصَّةِ "دُوِين" الصّينِيَّة، وَمِنَصَّةِ "في كِيْ" (VK) الرّوسِيَّة، وَمِنَصَّةِ "كَاكاو توك" الكورِيَّة.

ضرورة إنشاء مراكز بيانات عربية مع بنية تحتية عربية سحابية

في هَذا السِّياقِ، نَحْتاج، عَرَبِيًّا، إلى أَنْ يَتَحَوَّلَ مَشْروعُنا لِتَطْويرِ مِنَصّاتٍ اجْتِماعِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ مِنْ مَنْظورٍ تِجارِيٍّ مَحْدودٍ إلى مَنْظورٍ اسْتراتيجِيٍّ طَويلِ الأَمَد... يَسْتَهْدِفُ امْتِلاكَ القُدْرَةِ العَرَبِيَّةِ الكَامِلَةِ على التَّطْويرِ والتَّشْغيل، بِمَعْنى التَّحَرُّكِ في مَسارَيْنِ مُتَوازِيَيْنِ مُتَكَافِلَيْن: إِنْشاءُ تَكَتُّلٍ عَرَبِيٍّ يَجْمَعُ بَيْنَ الفاعِلِيّاتِ الحُكومِيَّةِ أَوِ الأَهْلِيَّةِ المَسْؤولَة، والقُدُراتِ التِّقْنِيَّةِ الماهِرَة، وَصَناديقِ الِاسْتِثْمارِ الدّاعِمَة، والقِطاعِ الخاصّ، والجامِعاتِ المَعْنِيَّة، وَمُؤَسَّساتِ البَحْثِ والتَّطْويرِ ذاتِ العَلاقَة. ثُمَّ دَمْجُ كُلِّ هَذِهِ الإِمْكانِيَّاتِ المُخْتَلِفَةِ في مَشاريعَ حَقيقِيَّةٍ تُنَفَّذُ على أَرْضِ الواقِع.

على أَنْ يَكونَ التَّطْويرُ تَدْريجِيًّا، دَقيقًا، يَتَبَنّى البَدْءَ بِخَوادِم (servers) مَحْدودَة، يَزْدادُ عَدَدُها مَعَ تَطَوُّرِ المَشْروعِ الكَبير؛ وَإِنْشاءَ مَراكِزِ بَياناتٍ عَرَبِيَّةٍ مُوَزَّعَةٍ (مَرْحَلِيًّا) في أَكْثَرَ مِنْ دَوْلَةٍ عَرَبِيَّة، بِحَيْثُ تَبْقى بَياناتُ المُسْتَخْدِمينَ داخِلَ المِنْطَقَةِ العَرَبِيَّة؛ مع بُنْيَةٍ تَحْتِيَّةٍ عَرَبِيَّةٍ سَحابِيَّةٍ قَوِيَّة. كَذَلِك، تَطْويرُ بَرْمَجِيّاتٍ مَفْتوحَةِ المَصْدَرِ بَدايَةً، ثُمَّ تَطْويرُ التِّقْنِيّاتِ الخاصَّةِ شَيْئًا فَشَيْئًا، مِمّا يُقَلِّلُ التَّكاليفَ وَيَزيدُ الِاسْتِقْلالِيَّة. الأَمْرُ، مَبْدَئِيًّا، رَهينٌ بِالقَرارِ الإِدارِيِّ القَويم، والتَّبَنّي الِاسْتِثْمارِيِّ الحَكيم.

(خاص "عروبة 22")

يتم التصفح الآن